ultracheck
سياسة

بعد أحداث حلب.. ما الذي تبقى من اتفاق 10 آذار؟

12 يناير 2026
معارك
عربة تحمل مضاد طيران للجيش السوري عند مدخل حي الشيخ مقصود (Getty/ الترا سوريا)
سلمان عز الدين
سلمان عز الدينصحافي سوري

كل شيء بات هادئًا في مدينة حلب اليوم، أو هكذا يبدو. سكتت المدافع والرشاشات وكفت المسيرات عن التفجير والانفجار. المعركة انتهت و"قسد" صارت خارج المدينة والحكومة هي من يسيطر.

لكن كثيرين يعتقدون أن غبار الحرب إذا كان انقشع في حلب، فإنه سوف يثار بعد وقت في مكان آخر، ذلك أن معركة الأشرفية والشيخ مقصود، مثل معارك سورية كثيرة، ليست من ذلك النوع الجلاب لسلام دائم ومستقر. على العكس، فثمة إشارات كثيرة على مزيد من الاحتقان والتشنج والريبة المتبادلة بين طرفي الصراع، بل وبين جميع الفاعلين على الساحة السورية.

بالمقابل هناك من يرى أن ما حدث في مدينة حلب يقربنا خطوة، أو خطوات، من حل قضية المناطق الكردية، فـ "قسد سوف تغدو أكثر واقعية ومرونة بعد خسارتها مواقع مهمة في مدينة حلب، وبالمقابل فالحكومة سوف تصبح أكثر استرخاء وقابلية للتفاوض بعد أن أقنعت حاضنتها بأنها حققت إنجازًا مهمًا هنا".

وبين هذين الرأين، وبالتقاطع معهما، هناك العديد من القراءات المتباينة، ما يبقي الأسئلة المطروحة كثيرة وبعيدة، حتى الساعة، عن أن تجد أجوبة حاسمة.

ما تأثير ما جرى في حلب على المسار التفاوضي؟

يقول الكاتب والصحفي فيصل علوش: "قد يكون من المبكر القول إن اتفاق العاشر من آذار/ مارس بات وراء ظهرنا، ولكن على الأرجح فإن خروج القوات الموالية لـ"قسد" من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب أفقد هذه القوات ورقة تفاوضية مهمة كانت بيدها. وعليه، فإن إمكانية تطبيق الاتفاق الآن، أو بالأحرى الوصول إلى حلول توافقية بشأنه، بات مستبعدًا أكثر من أي وقت مضى".

ويوضح علوش، في حديثة لـ "الترا سوريا"، قائلًا: "إن الطرفين المعنيين باتفاق آذار لا يملكان في الأصل مشروعًا وطنيًا عامًا، ينطلق من هاجس بناء دولة وطنية حديثة تتمثل فيها كافة مكونات وأطياف المجتمع السوري على قدم المساواة، ويتوفر بالتالي على إرادة تقديم التنازلات في سبيل تحقيق هذا المبتغى".

ويتابع: "هذا فضلًا عن أن "اتفاق آذار" كان في الأساس أقرب إلى اتفاق إعلان نوايا وعناوين عامة، وكل بند فيه يحتاج إلى اتفاق وجولات طويلة من المفاوضات حتى يتم التوافق على تفاصيله. يضاف إلى ذلك طابعه التكتيكي المؤقت، كونه جاء بعد أحداث الساحل والانتهاكات التي ارتكبت آنذاك، وكان بالتالي أقرب إلى "مناورة" لكسب الوقت، أكثر منه اتفاقًا وطنيًا مستدامًا قابلًا للتنفيذ. ولعل هذا ما يفسر ما جرى لاحقا، حيث وجدنا كلا الطرفين يتهربان من استحقاقاته وترجمته على أرض الواقع، وخصوصًا في ظل الرغبات والضغوط الإقليمية والدولية المتنافرة والمتناقضة في هذا الشأن، والتي يصعب الوصول إلى قواسم مشتركة في ما بينها".

من جانبه، يرى الباحث السياسي، جوان سوز، أن تأثير المواجهات الأخيرة في حلب سوف يكون كبيرًا على مسار المفاوضات، "فما جرى في الأحياء الكردية في حلب يشبه إلى حد بعيد ما جرى من هجمات على مناطق ذات غالبية درزية في ريف دمشق (صحنايا وجرمانا) حيث أدت تلك المواجهات إلى قطيعة لاحقًا بين دمشق والسويداء".

ويقول سوز: "حتى هذه اللحظة لا يمكننا أن نقول أن باب التفاوض قد أغلق بالكامل، لكن مسألة التغيير الديمغرافي الذي يتعرض له الأكراد، حيث يتم نقلهم إلى أماكنهم الأصلية، ربما تؤدي في نهاية المطاف إلى نوع من إدارة لا مركزية موسعة أو شكل من أشكال الفيدرالية، وبالتالي تأثير مواجهات حلب كبير على المسار التفاوضي".

إذًا، هل تتجه "قسد" نحو مزيد من التشدد بعد مواجهات حلب الدامية؟

يجيب جوان سوز بـ "نعم"، وبرأيه فإن "قسد" سوف تتعنت أكثر بعد أحداث الشيخ مقصود، مشيرًا إلى أن "جميع الأطراف الدولية المعنية بالموضوع كانت تعرف بأنه حسب اتفاق الأول من نيسان كان هناك سبع حواجز مشتركة بين الأسايش الكردية وقوى الأمن العام الحكومية في محيط الأحياء الكردية في حلب، لكن الهجمات الحكومية تمت بشكل مباغت دون الأخذ بعين الاعتبار لهذا الاتفاق ولكل ما تم التوافق عليه".

ويتوقف سوز عند ما كشفه بعض قادة "قسد"، مثل سيبان حمو، "إذ قالوا إن المباحثات كانت تسير بشكل جيد حتى دخول دبلوماسي سوري رفيع المستوى على الخط وقام بإفشال الصفقة".

ويخلص الباحث إلى التأكيد: "لن يكون موقف قسد مرنًا، فأحياء حلب الكردية، ورغم أهميتها، لاتكتسب نفس الأهمية الاستراتيجية التي تملكها المناطق الأخرى مثل كوباني والقامشلي والحسكة، وبالتالي هي سوف تكون متشددة أكثر هناك".

أما فيصل علوش فيذهب إلى أن المتغيرات السياسية والعسكرية الحاصلة في سوريا، والضغوط التركية والغربية، تبدو وكأنها تُضيّق الخيارات أمام "قسد"، وقد تضعها في مواجهة أحد سيناريوهين؛ إما المضي في مسار التفاهم مع دمشق وإعادة تموضعها ضمن الهيكلية الجديدة، أو اختيار التصعيد والمواجهة، التي لا تبدو لصالحها في ظل تراجع عوامل قوتها السابقة.

ويقول: "لا يضيف المرء جديدًا حين يقول إن المسألة المتصلة بوضع أكراد سوريا وعلاقتهم بالإدارة السورية الجديدة، تصلح لأن تكون نموذجًا مصغرًا ومكثفا، لحجم التعقيدات الداخلية، من جهة، ومستوى التدخلات الخارجية المتعلقة بالعملية السياسية الجارية في سوريا، من جهة ثانية، ودور هذين العاملين معًا في التطورات المحتملة للأوضاع في هذا البلد، وذهابها في هذا الاتجاه أو ذاك، فمن الواضح، على سبيل المثال، أن الخروج (الاضطراري) للقوات الكردية شكل مصدر ارتياح كبير ليس بالنسبة إلى دمشق فحسب، بل ولأنقرة أيضًا، إذ لطالما ضغطت الأخيرة من أجل فعل ذلك".

ويرجح علوش أن المقاتلين الأكراد يراهنون الآن على دور ما لواشنطن لمنع حدوث مزيد من التغيرات النوعية على الأرض، على الرغم من أن الأخيرة بدت أقرب إلى دمشق في موضوع الانسحاب الكردي من حلب، حيث رأى مراقبون كثر أن انسحابهم مكرهين من حلب أثر سلبًا على صورة التنظيم الكردي المدعوم أميركيّا، وأظهر واشنطن أميل إلى دعم تنفيذ التسوية السياسية التي تضمنها اتفاق العاشر من مارس والتوقف عن وضع العراقيل أمامها.

توجهات الحكومة السورية بعد مواجهات حلب

يعتقد جوان سوز أن الموقف الحكومي يبقى متشددًا، لا سيما إزاء قسد، مشيرًا إلى "خطاب الكراهية الموجود على الإعلام الرسمي ضد الأكراد وغيرهم من المكونات"، متحدثًا عن ضيوف "ظهروا على المحطات الحكومية يطالبون بقتل الأكراد في الشيخ مقصود والأشرفية دون فتح ممرات إنسانية لهم"، مشددًا على أنه يتوجب على الحكومة أن تغير موقفها، كما "يجب العمل على بناء جسور الثقة بين كل المكونات، وأن توافق الحكومة على وجود أطراف دولية للإشراف على المفاوضات بدلًا من العودة إلى المد والجزر والمناوشات العسكرية".

في سياق الحديث عن موقف الحكومة، ثمة من يقول بوجود خطة حكومية مفادها استمرار التفاوض الشكلي مع القيام بقضم مزيد من أراضي "قسد" بالتدريج. ويدور الحديث حول ريف حلب كميدان للمعركة القادمة.

الكاتب والصحفي فيصل علوش يقول إن "هذا وارد جدًا، بل لعلّه هو الخيار المرجح من قبل الحكومة. بقاء اتفاق آذار على الطاولة، والعمل على الأرض من أجل تعديل موازين القوى لتصب على نحو أفضل وأقوى في صالحها. علمًا أن المفاوضات التي دارت بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، على مدار الأشهر الماضية وبرعاية أميركية، بغرض التوصل إلى تفاهمات شاملة بشأن الاتفاق، لم تحرز أي تقدم وهو ما قاد إلى مواجهات حلب".

ويلاحظ علوش: "المفارقة اللافتة أن هذا يحدث على الرغم من موقف المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، الذي أعرب عن قلق واشنطن من التطورات الأخيرة في حلب، وقال إنها تثير تساؤلات حول الالتزام ببنود اتفاق آذار، وذلك عقب اجتماعه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، (قبيل انسحاب المقاتلين الأكراد)، داعيًا إلى وقف فوري للأعمال العدائية والعودة إلى الحوار بين الحكومة السورية وقسد!".

الباحث جوان سوز يرى أنه "من المحتمل أن يستمر هذا التفاوض ونعود إلى رسم مناطق النفوذ من جديد، بحيث تكون مناطق شرق الفرات بالكامل لقوات سوريا الديمقراطية، وأن لا يكون لها وجود غرب نهر الفرات"، مذكرًا بأن قسد كانت قد سيطرت على مواقع جديدة غرب الفرات بعد الثامن من ديسمبر، ما يجعل من الوارد "أن يستمر التفاوض الشكلي بالتزامن مع معارك ومناوشات عسكرية لحصر قسد في شرق الفرات كما كان الحال حتى عام 2014". لكن سوز يحذر من أن كل هذه الأمور "لا تفيد المجتمع السوري ولا الحكومة السورية ولا قسد أيضًا، فبسبب إصرار الحكومة على حسم ملف الأحياء الكردية في حلب عسكريًا فقد تم تدمير حلب تقريبًا، حيث المطار مغلق والجامعات مغلقة، وحركة النزوح كبيرة في الجانبين، وبالتالي يجب على الحكومة وأيضًا قوات سوريا الديمقراطية الاستفاد مما جرى في حلب".

الكلمات المفتاحية

مقاتل من فصائل المعارضة يطلق النار على صورة للأسد المعلّقة على واجهة مبنى محافظة حماة.

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه

ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024


التحالف الدولي

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟

عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية


خارطة الطريق

"خارطة الطريق" وخيارات السويداء بعد طي ملف "قسد"

أسهمت العمليات العسكرية في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء


الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك

المقاربة الأميركية في سوريا وإدارة التوازنات التركية – الإسرائيلية

دعمت الولايات المتحدة الحكومة في إعادة السيطرة المركزية على الجغرافيا السورية منذ تصاعد حدة المعارك في الشيخ مقصود والأشرفية

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


2
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


3
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


4
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


5
أخبار

السيول تغرق عشرات المخيمات وتضرر مئات العائلات في ريفي إدلب واللاذقية


advert