بعد سقوط النظام.. استمرار تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا
11 ديسمبر 2025
في شمال وشرق سوريا، لم يكن العام الأخير حدثًا يؤسّس لتحوّل جديد بقدر ما كان مرآة لخمسة عشر عامًا من التغيير المتراكم. حيث خرجت القامشلي والحسكة والبلدات المحيطة مبكرًا من سيطرة الدولة المركزية، لم يُنظر إلى سقوط النظام كبداية، بل كمرحلة تكميلية لمسار بدأ منذ انتفاضة 2004 وتبلور مع التحولات اللاحقة.
مع ذلك، كان لهذا السقوط وقع خاص؛ فلا أحد يستطيع تجاهل أن انهيار الدولة المركزية بالكامل غيّر شكل الثقل السياسي الذي كان، رغم غيابه الفعلي، يمارس حضورًا رمزيًا وثقيلًا على حياة الناس. بالنسبة للكثيرين، لم يكن النظام موجودًا سوى في المربعات الأمنية، بينما بقيت أجزاء واسعة من المجتمع، وخصوصًا الشباب، محرومة من زيارة المناطق الداخلية الأخرى، محاصرة هنا في إطار واقع محدود ومقيّد.
إعادة ترتيب الإيقاع أكثر من احتفال
في الشوارع، بدا المشهد وكأنه إعادة ترتيب لإيقاع الحياة اليومية أكثر من كونه احتفالًا بانتهاء النظام السابق. الأسواق استمرت في عملها المعتاد، والمدارس واصلت دوامها، والبلديات نفذت مهامها كما اعتادت، ومع وصول السلطة الجديدة إلى المركزية في دمشق، شعر الناس بانتقال بطيء نحو مرحلة مختلفة. لم يعد هناك مركز قديم يهيمن على حياتهم كما في السابق، ما فرض واقعًا جديدًا من المسؤولية المباشرة على السكان في تحديد حاضرهم ومستقبلهم، والتكيف مع قرارات لا تزال في طور التأسيس.
رمضان علي، أحد سكان مدينة الحسكة، يصف شعوره بعد السقوط: "أخيرًا شعرنا أننا نملك زمام حياتنا. سنوات من القيود والحرمان جعلتنا معتادين على التعامل مع غياب الدولة. اليوم، رغم التحديات، نرى في كل شارع فرصة لإعادة ترتيب حياتنا".
برزت مفارقة لافتة في المشهد؛ فالمناطق التي عاشت لسنوات على هامش حضور الدولة تحوّلت اليوم إلى الأكثر اعتيادًا على إدارة واقعٍ بلا مركز واضح. قد لا تكون التجربة خالية من التعثّر، لكنها منحت سكّانها قدرة أعلى على التكيّف وقراءة التحوّلات مقارنة بمناطق واجهت الانهيار دفعة واحدة.
الإدارة المحلية بعد السقوط: اتساع الدور وثقل المسؤولية
لم تنتظر مؤسسات الإدارة الذاتية سقوط النظام كي تتشكّل؛ فهي بنت أدواتها خلال أكثر من عقد، واعتادت التعامل مع واقع لا يوفّر دعمًا مركزيًا ولا يفرض عليها وصاية.
في القامشلي، كانت البلديات أول من واجه هذا التحول. لم يعد بوسعها نسب أي خلل إلى أي جهة خارجية؛ المسؤولية أصبحت مباشرة وملموسة أمام الناس. ومع ذلك، أظهرت القدرة على التعامل مع هذا الثقل: توسّعت وحدات النظافة لتغطية أحياء إضافية، ازدادت رقعة صيانة الطرق. لم يكن العمل مثاليًا، لكنه كان عمليًا وواقعيًا نابعًا من خبرة الموظفين في إدارة منطقة اعتادت على العمل بلا سلطة مركزية.
ومع الفراغ الذي تركه غياب القضاء المركزي بعد 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي، وجدت المؤسسات القانونية والعدلية نفسها أمام ضرورة إعادة بناء علاقتها مع السكان من نقطة الصفر. فالمكاتب التي كانت تعتمد سابقًا على معاملات الدولة بقيت فارغة، ما دفع الإدارة إلى إنشاء منظومة معاملات محلية خاصة بها، شملت إصدار دفاتر عائلة ووثائق مدنية وتنظيمية مخصّصة لمناطقها. هذا التحول لم يكن شكليًا؛ بل مثّل انتقالًا فعليًا نحو إدارة ذاتية كاملة للملفات المدنية والقانونية، مع محاولات مستمرة لضمان انسيابية الإجراءات وتلبية احتياجات الناس اليومية.
ومع انتقال المنطقة إلى إدارة شؤونها اليومية بمعزل عن البنية المركزية السابقة، برزت ضرورة تنظيم العلاقة مع المؤسسات الرسمية المتبقية في دمشق ضمن حدود عملية واضحة تتعلق فقط بالأوراق التي لا يمكن الاستغناء عنها حاليًا. فبينما تولّت الإدارة الذاتية معظم الملفات الخدمية والمدنية داخل مناطقها، استمرت الحاجة إلى تنسيق محدود لتسيير بعض المعاملات التي ما تزال مرتبطة بالنظام القانوني القديم. هذا التنسيق لم يكن صداميًا ولا موسّعًا، بل خطوة عملية لضمان استمرارية مصالح السكان.
بهذا الخصوص؛ قالت المحامية شيماء عبدالله لموقع "الترا سوريا": "الأيام الأولى بعد السقوط كانت مربِكة، لكن شيئًا فشيئًا بدأنا نعتاد على نمط مختلف. صار التواصل مع المكاتب المحلية أسهل، والمعاملات تُنجز بوقت أقصر. نشعر أن الأمور أصبحت أقرب للناس وأكثر وضوحًا مما كانت عليه".
المجتمع وذاكرته التاريخية
عام السقوط لم يكن لحظة عابرة، بل محطة جديدة في تاريخ طويل من التحولات، حيث تتداخل الذكريات الجماعية مع التحديات الراهنة. فالأحداث منذ انتفاضة 12 آذار/مارس 2004، التي اندلعت كرد فعل على التهميش الاجتماعي والسياسي في القامشلي وأدت إلى مواجهات مع قوات النظام، وحتى عام 2012، شكلت إطارًا للوعي المحلي وأعادت ترتيب الأولويات، بما في ذلك المخاوف من الانقسامات، وأهمية التضامن الأهلي.
ما يميز هذه المناطق هو أن السنوات الماضية لم تكن مجرد فترة انتظار للسقوط، بل تجربة طويلة في التعامل مع التهميش المتعمد. خلال عقود حكم نظام الأسد، تعرضت القامشلي والحسكة ومناطق أخرى لحرمان مستمر من الخدمات الأساسية، ما ترك أثره العميق في قدرة السكان على الصمود والتكيف.
وفق مراقبين محليين، استدعى السقوط الأخير هذا التاريخ الطويل ليُعيد صياغة طريقة تفكير السكان حول ما هو ممكن ومستدام، وليس فقط حول ما هو خطر ومهدد. ففي منطقة اعتادت على غياب الدولة، أصبح السؤال الأساسي ليس فقط عن "من يسيطر؟"، بل عن "كيف نستمر بأنفسنا؟ وكيف نبني حياتنا ومستقبل أطفالنا؟".
يقول صالح عثمان (30 عامًا)، وهو من القامشلي، لـ"الترا سوريا": "انتهى عصر الدكتاتور والأسرة الحاكمة لعقود، وشعرنا بفرح كبير. لأول مرة، لم نعد نعيش في خوف مستمر. الأمر أعطانا أملًا لم نعرفه منذ سنوات".
فيما أضاف السيد خالد محمد، أحد كبار سكان القامشلي، لـ"الترا سوريا": "عشنا عقودًا من الظلم والتهميش. فقدنا عشرات الشباب في السجون، بعضهم عُذّب فقط لأنهم كرد. مُنعنا من التعليم، وحرّم علينا الاحتفال بأعيادنا الوطنية. لكن هذا الزمن تغيّر بفضل تضحياتنا وصمودنا. اليوم، أصبحنا نحن من يعيد تعريف حياتنا، ووحدتنا وتضامننا هما الضمان الوحيد لاستمرار مجتمعنا".
الاقتصاد والخدمات: تحديات الاستقرار النسبي
شهدت مناطق شمال وشرق سوريا خلال العام الأخير محاولات مستمرة للحفاظ على الاقتصاد المحلي والخدمات الأساسية بعد سنوات طويلة من غياب الدولة المركزية، التي كانت تتقاسم السلطة فيها أحيانًا مع المؤسسات الرسمية المحدودة.
الكهرباء بقيت محدودة وبساعات متقطعة في القامشلي والحسكة، مع اعتماد السكان بشكل رئيسي على المولدات المحلية التي ساعدت في سد بعض الفجوات، رغم التكلفة العالية التي تحملها الأهالي مقابل الطاقة.
المياه والمحروقات واجهتا تحديات مماثلة، مع ارتفاع أسعار الوقود نتيجة نقص التوريدات، واعتمد السكان على الكومينات المحلية لتوزيعها بشكل أكثر عدالة. أحد أبرز العوامل المؤثرة كان الإغلاق المؤقت أحيانًا للطرق بين مناطق الإدارة الذاتية ومناطق الحكومة السورية، ما حدّ من وصول بعض البضائع ورفع أسعارها بشكل متقطع، وأثر على حركة التجارة والزراعة، وجعل السكان أكثر اعتمادًا على السوق المحلي والمنتجات المتاحة داخليًا.
في الزراعة، حاولت المجتمعات الريفية الحفاظ على الإنتاج المحلي، خاصة في المحاصيل الأساسية والأعلاف، فيما سعت هيئات الزراعة والبيئة والجهات المعنية لتقديم الدعم الفني والمعدات المتاحة للمزارعين للحد من آثار الجفاف والمشاكل البيئية على الإنتاج.
كما لوحظ اهتمام محدود من بعض الشركات الاستثمارية، عبر طلبات تسجيل أو مذكرات تفاهم أولية، إضافة إلى إعلان نوايا للاستثمار في قطاعات مثل الطاقة والبناء والخدمات. ورغم أن هذه المؤشرات تحمل إمكانية مستقبلية، إلا أنها لم تتحول بعد إلى مشاريع فعلية أو تحسين ملموس في الخدمات، إذ يعتمد نجاح أي استثمار على البنية التحتية المحلية، الاستقرار الأمني، والإطار القانوني.
يعكس هذا الواقع أن العام الأول بعد السقوط لم يكن تجربة لإعادة بناء كاملة، بل كان استمرارًا نسبيًا للأعمال والخدمات السابقة، مع بعض الجهود لإدارة التحديات اليومية بشكل أكثر مرونة واستقلالية، بما يتيح للسكان الحفاظ على صمودهم أمام أي اضطراب أو تحديات مستقبلية، مع وجود إمكانيات جديدة لم تتح بعد على أرض الواقع.
الأمن في شمال وشرق سوريا: استقرار جزئي
في شمال وشرق سوريا، تُعدّ قوات سوريا الديمقراطية "قسد" و"الأسايش" العمود الفقري للسلطة الأمنية المحلية. المدن الكبرى مثل القامشلي والحسكة تشهد استقرارًا نسبيًا، بينما تظل بعض مناطق الريف أكثر عرضة للتقلبات الأمنية، خصوصًا الريف الشرقي والغربي لدير الزور، بما في ذلك قرى مثل حطلة والكشمة والمعامل، التي تُعدّ خطوط تماس أمام خلايا "داعش" النشطة أحيانًا.
أعلنت "قسد" خلال كانون الأول/ديسمبر 2024 وما تلاه تنفيذ نحو 153 هجومًا على نقاط عسكرية ومدنية، إلى جانب نحو 70 عملية استباقية لضبط التهديدات. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تعكس نشاط خلايا محدودة، وليست مواجهات مباشرة أو سيطرة مستمرة، ويظل معظم الريف آمنًا نسبيًا.
في هذه المناطق، تنتشر دوريات "الأسايش"، ويشارك المجتمع المحلي في مراقبة الحدود الصغيرة بين القرى، وتنظيم حركة الأسواق والزراعة. يمكن النظر إلى الأمن هنا على أنه حالة متغيرة تعتمد على تنسيق مستمر بين القوات المحلية والمجتمع المدني، مع إدراك دائم بأن التهديدات محدودة لكنها متقطعة، وأن هشاشة الاستقرار تتطلب يقظة مستمرة.
بين النص والواقع: الفرص والمخاطر بعد اتفاقية 10 آذار
رغم أن اتفاقية 10 آذار/مارس تمثل خطوة مهمة نحو ضبط العلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة، فإن تطبيق بنودها على الأرض لا يزال يواجه تحديات كبيرة. الدمج بين مؤسسات "قسد" ومؤسسات الدولة يتطلب وقتًا وإرادة سياسية، كما أن بعض الحقوق الدستورية للأقليات، مثل التعليم بلغتهم الأم، المشاركة السياسية الفعلية، وإعادة المهجرين، ما زالت بحاجة إلى آليات تنفيذ واضحة.
يُشير ناشطون محليون إلى أن ثقة السكان بالالتزامات المعلنة من قبل الحكومة الانتقالية محدودة، خاصة بعد أحداث مثل مجازر السويداء والساحل، التي تركت أثرًا عميقًا على وعي المجتمع المدني. إذ إن "هناك قلقًا مشروعًا من أن الحقوق النظرية للكرد والأقليات قد لا تنعكس على أرض الواقع، ما لم تُرفق بضمانات واضحة في الدستور".
ويضيف محمد جعفر، سياسي محلي في القامشلي، لـ"الترا سوريا": "الاتفاقية وفرت إطارًا قانونيًا يمكن البناء عليه، لكنها لا تلغي العقبات اليومية، مثل التداخل بين الإدارة الذاتية والدولة في الخدمات، وإغلاق الطرق أحيانًا، وتقلب الأسعار. النجاح الحقيقي سيقاس بقدرة السكان على الوصول إلى خدماتهم دون عوائق، وبالاستثمار الفعلي في البنى التحتية".
الفرصة تكمن في أن الاتفاقية توفر قاعدة للتعاون وتحسين الخدمات، وحماية الحقوق، وفتح المجال أمام استثمارات محلية ودولية، لكنها تبقى معرضة للعرقلة بسبب التوترات الإقليمية، والمصالح المتناقضة، وفجوات الثقة بين الأطراف.
لهذا، فإن مآلات اتفاقية 10 آذار/مارس تعتمد على قدرة الأطراف على التزام نصوصها عمليًا، وعلى متابعة المجتمع المدني والجهات الدولية لضمان ترجمة الحقوق النظرية إلى واقع ملموس في حياة السكان اليومية.
بعد عام كامل على سقوط النظام المركزي، تقف شمال وشرق سوريا عند مفترق بين خبرة تراكمية في إدارة الواقع المحلي وسط تحديات مستمرة في المؤسسات والخدمات. السنة الأولى أظهرت قدرة المجتمع على تنظيم حياته اليومية رغم التحديات في التعليم، البنية التحتية، وسوق العمل، بينما تشكل السنة الثانية اختبارًا لاستدامة هذا النموذج المحلي. التغيير ملموس لكنه محدود؛ السكان يعيدون تعريف حياتهم بأنفسهم، بالاعتماد على خبرتهم وتضحياتهم الطويلة، دون انتظار وعود خارجية.
الكلمات المفتاحية

العملة الجديدة: خطوة نحو الاستقرار أم مصدر جديد للمخاوف؟
العملة التي يُفترض أن تكون أداة استقرار وثقة، تحوّلت في وجدان السوريين إلى مصدر هواجس مشروعة، تتراوح بين الخوف والشك

"شيفرون" ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي
يستعرض التقرير أبعاد دخول "شيفرون" إلى منطقة الساحل اقتصاديًا وسياسيًا، ودلالاته على الطاقة والاستقرار الإقليمي مستقبلًا المحتمل القادم

السوق السوداء للمحروقات.. اقتصاد ظلّ يستنزف خزينة الدولة ويثقل كاهل السوريين
يرصد التقرير انتشار تجارة المحروقات في السوق السوداء بعد سقوط النظام وتأثيرها المباشر في خزينة الدولة وجيوب السوريين

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


