بين الإعادة والفصل.. موظفون في قطاعات متعددة يواجهون مصيرًا مجهولًا بعد عام على سقوط الأسد
7 ديسمبر 2025
عقب سقوط نظام الأسد وتولي الحكومة الجديدة إدارة البلاد، سارعت الحكومة الجديدة آنذاك إلى اتخاذ سلسلة قرارات، شملت فصل عدد من الموظفين ومنح آخرين إجازات مأجورة لثلاثة أشهر، تحت مسمى "إعادة هيكلة المؤسسات". وقد فجّرت تلك القرارات موجة من الاستياء بين الموظفين المفصولين الذين عدّوها إجراءات تعسفية وغير مبررة. ورغم إعادة شريحة واسعة منهم إلى وظائفهم لاحقًا، ما يزال عدد كبير من الموظفين بعد مرور عام على سقوط النظام يترقبون مصيرهم المجهول، وسط غياب أي وضوح بشأن مستقبلهم الوظيفي أو إمكانية عودتهم إلى أعمالهم.
400 ألف موظف وهمي!
وبحسب ما أوردته وكالة "رويترز"، تتجه الحكومة الجديدة إلى تنفيذ إصلاحات اقتصادية جذرية لمعالجة الإرث الثقيل الذي تركه النظام السابق، وتشمل هذه الخطط تقليص عدد العاملين في القطاع العام بنحو الثلث، وخصخصة معظم الشركات الحكومية التي هيمنت على الاقتصاد لأكثر من خمسة عقود. وقد أثارت الحملة المعلنة لمكافحة الهدر والفساد – التي بدأت سريعًا بعد أسابيع من الإطاحة بالأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر – احتجاجات من موظفي الدولة. وفي مقابلات أجرتها "رويترز" مع خمسة وزراء في الحكومة المؤقتة، أقرّ المسؤولون بوجود أعداد كبيرة من "الموظفين الأشباح" الذين كانوا يتقاضون رواتب من دون عمل فعلي.
وأوضح وزير الاقتصاد، باسل عبد الحنان، أن البلاد تتجه نحو اقتصاد سوق حر تنافسي، مشيرًا إلى أن 107 شركات صناعية حكومية، معظمها خاسر، ستُعرض للخصخصة مع استثناء قطاعات الطاقة والنقل باعتبارها "استراتيجية". من جانبه، كشف وزير المالية حينها، محمد أبازيد، أن مراجعة أولية أظهرت أن 900 ألف فقط من أصل 1.3 مليون موظف حكومي يداومون فعليًا، لافتًا إلى وجود نحو 400 ألف اسم وهمي. وأضاف أن الحكومة اكتشفت مستويات غير مسبوقة من الفساد، مستشهدًا بمؤسسة التجارة التي تلقت تمويلًا حكوميًا لعقد كامل دون تقديم أي بيانات رسمية عن إيراداتها.
تكشف قصص الموظفين المفصولين حجم التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في إعادة بناء المؤسسات وضمان حقوق العاملين
في المقابل، نفت مصادر أن يكون حجم البطالة المقنعة بهذا المستوى، معتبرة أن الأرقام المتداولة مبالغ فيها إلى حد ما. فقد أشيع أن المستشفى الوطني بطرطوس يضم 7063 موظفًا مقابل 180 سريرًا، وأن أغلبهم لا يداومون. من جهته أكد مدير المستشفى، إسكندر عمار، في تصريح سابق، أن المستشفى يحتوي على 562 سريرًا، ويعمل فيه 2224 موظفًا من مختلف الاختصاصات الطبية والتمريضية والإدارية والفنية والخدمية.
موظفون بين العودة والانتظار
على الرغم من عودة شريحة واسعة من الموظفين إلى أعمالهم عقب قرارات الفصل والإجازات المأجورة، لا تزال قطاعات عدة تضم موظفين يواجهون مصيرًا مجهولًا حتى اليوم.
فبعد سقوط نظام الأسد، أُعلن عن حلّ الجيش السابق وإغلاق جميع المستشفيات التابعة له، ما دفع مئات الأطباء العاملين في وزارة الدفاع إلى البقاء في منازلهم دون عمل. وبعد ستة أشهر من المطالبات، أصدر الدكتور ماهر الشرع قرارًا يقضي بتحويل أطباء وزارة الدفاع إلى ملاك وزارة الصحة مع تحويل رواتبهم إليها. إلا أن المفاجأة جاءت بعدم صرف الرواتب فعليًا، رغم عودتهم إلى متابعة اختصاصاتهم.
يقول أحمد، طبيب داخلية عامة مقيم، لموقع "الترا سوريا": "جلسنا ستة أشهر في منازلنا، وعندما صدر قرار تحويلنا إلى وزارة الصحة تفاءلنا خيرًا، لكن آمالنا خابت بعدم صرف الرواتب". وأضاف: "وزارة الدفاع تقول إننا أصبحنا تابعين للصحة بالكامل، ووزارة الصحة تخبرنا أن الرواتب تصرف من الدفاع، كل جهة تدفعنا إلى الأخرى"، مؤكدًا أن أطباء الدفاع السابقين اليوم يقومون بعملهم على أكمل وجه ولكن من دون رواتب.
بدورها، تقول الطبيبة شهد: "لا أستطيع تحمل تكاليف المواصلات، وأشعر بالخجل أنني طبيبة. في هذا العمر ولا يزال أهلي يقدّمون لي مصروفي". وقد نظم الأطباء المقيمون في دمشق عدة وقفات احتجاجية للمطالبة بحل قضيتهم العالقة.
ولا يختلف حال الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع كثيرًا، إذ ما زالوا عالقين بين عدم العودة إلى العمل وعدم صدور قرارات فصل أو تحويل، فضلًا عن توقف رواتبهم منذ أكثر من 10 أشهر. ويؤكد هؤلاء أنهم موظفون مدنيون يحملون هويات مدنية، ولم تكن لهم علاقة بالنظام السابق.
يقول سامي، أحد موظفي الوزارة، لـ"الترا سوريا": "لم نتقاضَ رواتبنا منذ أكثر من عشرة أشهر، ولا يوجد أي قرار بخصوصنا، لا تحويل ولا فصل، تواصلنا مع عدة جهات ولم نتلقَّ سوى الوعود، وننتظر اليوم قرارًا ينصفنا". وتضيف فدوى: "إما أن يعيدونا لعملنا أو يحيلونا للتقاعد. لا يمكن لسنوات من الخدمة أن تنتهي دون حتى راتب تقاعدي".
وفي وزارة الاتصالات، تم فصل عدد من الموظفين لأسباب مختلفة، منها "عدم الالتزام بالدوام" و"الغياب غير المبرر". وبعد أشهر من التوقف عن العمل، وُعِد المفصولون بصرف راتب تقاعدي مع كامل مستحقاتهم.
أما وزارة الصحة، فقد أعادت غالبية موظفيها إلى أعمالهم، مع إحالة من تجاوزت خدمتهم 25 عامًا إلى التقاعد، وهي خطوة اعتبرها الموظفون عادلة ومنصفة مقارنة بما جرى في وزارات أخرى.
رغم مرور عام على سقوط النظام، بقي العديد من الموظفين السوريين عالقين بين غياب الرواتب، والانتظار لمصيرهم الوظيفي، الأطباء الذين عادوا لممارسة عملهم بلا أجر، والموظفون المدنيون الذين لم يُحسم وضعهم، يواجهون صعوبات يومية في تأمين معيشتهم ويعيشون حالة من عدم اليقين المستمر. هذه القصص تكشف حجم التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في إعادة بناء المؤسسات وضمان حقوق العاملين، وتضع السؤال الأكبر عن مدى قدرة الدولة على تحقيق استقرار وظيفي واجتماعي بعد عقود من الهيمنة المركزية للنظام السابق.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


