بين الاختفاء والحياة المترفة والاعتقال: تحقيق يوثّق حياة مسؤولي نظام الأسد بين موسكو ودمشق
23 ديسمبر 2025
كشف تحقيقٌ مطوّل أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" تفاصيل حياة العشرات من كبار مسؤولي نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذين فرّوا أو اختفوا عقب سقوط الأسد، كاشفًا أن كثيرين منهم يعيشون حياة مرفّهة في المنفى، خصوصًا في روسيا ودول الخليج، فيما أفلت معظمهم حتى الآن من أي مساءلة قانونية عن جرائم ارتُكبت خلال أكثر من عقد من الحرب.
وبحسب التحقيق، تبدأ إحدى صور هذا المنفى الفاخر في شقق فندق "فور سيزونز" في موسكو، حيث تُعرض وحدات سكنية تضم غرف معيشة مزينة بثريات كريستالية، وإطلالات مباشرة على الكرملين، وخدمات كونسيرج قادرة على ترتيب كل شيء، من حجوزات عروض فرقة البولشوي للباليه إلى استئجار طائرات خاصة.
وتُسوّق هذه الشقق، التي يصل إيجارها إلى 13 ألف دولار أسبوعيًا، على أنها "مثالية للتجمعات العائلية وحفلات الكوكتيل وفعاليات الأعمال"، أو، كما يعلّق التحقيق، لبداية حياة فاخرة في المنفى لبعض أخطر المطلوبين بجرائم حرب في العالم.
وعلى مدى عقود، مارس نظام الأسد وحلفاؤه التعذيب والإخفاء القسري بحق مئات الآلاف من السوريين، مدعومين بالقوة الجوية الروسية خلال حرب استمرت 13 عامًا لقمع انتفاضة شعبية، وفقًا لـ"نيويورك تايمز".
إلا أن هذا المشهد تبدّل في كانون الأول/ديسمبر الماضي، حين أجبر هجوم خاطف شنّته فصائل المعارضة الأسد ودائرته الضيقة على الفرار إلى روسيا، حيث أعادت السلطات الروسية تجميعهم في أحد أفخم فنادق موسكو، وفقًا لشهود عيان ومعارف أشخاص كانوا هناك، قالوا إن الهدف كان إبقاءهم تحت رقابة أمنية مشددة.
وفي هذا السياق، أفاد مسؤول سابق في صالة الألعاب الرياضية بالفندق بأنه شاهد ماهر الأسد، شقيق بشار وقائد الفرقة الرابعة المدرعة، البالغ من العمر 58 عامًا، يتمتم بكلمات عن "العار"، بينما قال ثلاثة من أفراد حاشية النظام إن آخرين كانوا يجلسون على طاولات الإفطار متأملين مستقبلهم المجهول.
وحدّد تحقيق "نيويورك" تايمز عشرات الشخصيات الحكومية والعسكرية المرتبطة بأكثر فصول التاريخ السوري دموية، من بينهم علماء شاركوا في تطوير أسلحة كيميائية ورؤساء أجهزة استخبارات متهمون بالتعذيب، كاشفًا تفاصيل جديدة عن أماكن وجودهم وأوضاعهم الحالية وتحركاتهم منذ سقوط النظام.
وسعت الصحيفة إلى تتبّع مصير 55 من كبار قادة النظام الذين اختفوا عن الأنظار بعد سقوط الأسد، لتخلص إلى أن كثيرين منهم يعيشون حياة مترفة أو متخفية في عامهم الأول من المنفى، فيما يبدو أن جميعهم تقريبًا أفلتوا من العدالة. ووفقًا لأقارب وأصدقاء ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أُقيمت حفلات عيد ميلاد فاخرة لبنات الأخوين الأسد في فيلا في موسكو وعلى متن يخت في دبي.
وفي موسكو، يعيش رئيس مكتب الأمن الوطني، علي مملوك (79 عامًا)، في شقة على نفقة روسيا، متجنبًا الظهور العلني، بحسب شخصين مقربين منه. كما يوجد غسان بلال (59 عامًا)، أحد أبرز أركان إمبراطورية المخدرات التابعة للنظام، في موسكو أيضًا، لكنه يدعم نمط حياة عائلته المريح في الخارج، من إسبانيا إلى دبي، وفقًا لثلاثة ضباط سابقين.
في المقابل، لم تكن تجربة المنفى مريحة للجميع. إذ اضطر عدد من مساعدي الأسد إلى دفع رشاوى للصعود إلى طائرات شحن متجهة إلى موسكو، قبل نقلهم إلى مساكن عسكرية. وكان من بينهم مدير الاستخبارات الجوية، جميل حسن، المتهم بالإشراف على التعذيب والإعدامات الممنهجة، وفقًا لثلاثة أشخاص قالوا إنهم التقوه لاحقًا. كما تفرّق آخرون بين الإمارات ولبنان، فيما بقي بعضهم مختبئًا داخل سوريا.
ويطرح هذا الواقع أسئلة مؤلمة لدى ضحايا أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، حول مكان وجود المسؤولين عن الفظائع وما إذا كانوا سيُحاسبون يومًا. وتشير الصحيفة إلى أن هؤلاء الـ55 كانوا يتمتعون بنفوذ واسع، لكنهم اعتادوا الظهور المحدود، وأتقنوا على مدى سنوات استخدام الأسماء المستعارة وجوازات السفر المشتراة، وهم جميعًا خاضعون لعقوبات دولية، ويواجه كثيرون منهم مذكرات توقيف.
ولسد الفجوات، فتّش الصحفيون ممتلكات مهجورة للنظام، وتتبعوا آثارًا رقمية، وأجروا مقابلات مع نشطاء ومحامين ومسؤولين دوليين، وفي بعض الحالات واجهوا شخصيات من النظام السابق مباشرة. وأسفرت هذه الجهود عن تحديد أماكن وجود نحو نصف هؤلاء، مع تأكيد احتجاز شخص واحد فقط، بينما اختفى الآخرون دون أثر يُذكر.
وقال ناشطون ومحامون إن غياب الإرادة السياسية يعرقل ملاحقة المتورطين، في وقت تركز فيه الحكومة السورية الجديدة على ترسيخ سلطتها، فيما تتردد بعض الدول الأجنبية في تسليم حلفائها السابقين أو تفضّل استخدامهم كمصادر استخباراتية.
وبدا المنفى الروسي، بالنسبة لبعض النخبة، أقرب إلى "سياحة"، كما يشير تحقيق الصحيفة ذاته. إذ شوهد جمال يونس، المتهم بإصدار أوامر بإطلاق النار على متظاهرين، وهو يقود دراجة هوائية قرب ملعب موسكو، بينما شوهد وزير الدفاع علي عباس ورئيس الأركان عبد الكريم إبراهيم يتجولان في مركز تسوق فاخر.
ويعيش كفاح ملحم، المتهم بالإشراف على التعذيب، في فيلا بموسكو، وقد أرسل ردًا مكتوبًا إلى الصحيفة نفى فيه الاتهامات، وكتب: "لا يتعلق الأمر بالتستر على جرائم أو انتهاكات النظام السابق.. ولكن هل تعتقدون حقًا أنه يمكن مقارنة النظام السابق بتنظيم القاعدة؟"، مضيفًا أن التعذيب الجماعي الموثق "ملفّق".
ومع ذلك، فرضت روسيا قيودًا صارمة على هؤلاء، شملت حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتحدث علنًا، وتقييد الحركة، بحسب مسؤولين سابقين وأقاربهم، فيما لم ترد السلطات الروسية على استفسارات الصحيفة.
كما وثّق التحقيق أوضاع أكثر من 1200 ضابط سوري نُقلوا إلى روسيا، حيث أُسكنوا في مرافق تعود للعهد السوفيتي، في غرف مشتركة، وتذمروا من ظروف المعيشة. وفي إحدى الحوادث، تعرّض آصف الدكر، قائد الشرطة العسكرية، للضرب والبصق من ضباط ساخطين، وفق روايات متطابقة.
وفي الخليج، برزت الإمارات كوجهة مفضلة، مع فرض شروط بعدم الإدلاء بتصريحات سياسية أو استخدام وسائل التواصل. ومن بين المقيمين هنا وزير الداخلية في حكومة الأسد محمد رحمون، الذي يعيش أولاده حياة تجارية نشطة في دبي، وفق مصادر متعددة.
أما داخل سوريا، فبقيت شخصيات أخرى، بعضها مختبئ وبعضها محتجز، مثل مدير إدارة الصواريخ، حامد طاهر خليل، الذي قال مسؤول أمني إنه اعتُقل في شباط/فبراير. في المقابل، يعيش مدير مركز الأبحاث المسؤول عن برنامج الأسلحة الكيميائية، عمرو الأرمنازي، بحرية في دمشق، وقال للصحيفة إن "ضميره مرتاح"، رافضًا الحديث عن ماضيه.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


