بين التطبيق الحقيقي والتمييع.. عندما تتحول العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقائية
20 سبتمبر 2025
يتفق الخبراء الحقوقيون على أن تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا لا يعد ترفًا سياسيًا أو مطلبًا نخبويًا أو حقوقيًا، بل ضرورة تاريخية وأخلاقية لبقاء سوريا كدولة ومجتمع وخطوة أساسية لإعادة بناء الثقة بين السوريين.
بينما تبرز انتقادات وإشارات استفهام تخص تطبيق العهد الجديد لمفهوم العدالة الانتقالية بدءًا من حصرها في تعويضات مالية رمزية دون محاسبة، وصولًا إلى تحويلها إلى شعارات فضفاضة دون إجراءات قانونية واضحة، واختزالها في لجان صورية لا تمتلك أدوات مساءلة فعلية، وانتهاءً بـاستخدام المصالحة كغطاء للإفلات من العقاب.
يوضح المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس خلال حديث لـ "ألترا سوريا" أن "العدالة الانتقالية اليوم ليست ترفًا وخيارًا سياسيًا، بل هي ضرورة وطنية وتاريخية وأخلاقية لوضع مثل وضع سوريا حيث تراكمت الانتهاكات على مدى عقود، تحولت الدولة فيها إلى أداة قمع وتعذيب ممنهج، وهنا تصبح العدالة الانتقالية شرطًا أساسيًا لأي تحول حقيقي في بناء دولة تحترم بناتها وأبناءها وتحمي حرياتهم وحقوقهم".
ويلاحظ أن مفهوم العدالة الانتقالية جرى تمييعه تحت ذرائع مختلفة مثل الاستقرار والمحافظة على السلم الأهلي، معتبرًا أن "هذا التمييع لمفهوم العدالة بجعلها أمرًا قابلًا للمساومة والتفاوض، لا يشكل فقط ضربة أليمة لحق الضحايا، بل ويعيد إنتاج منطق القوة على حساب منطق الحق، فحين تُقدَّم التسويات السياسية على حساب العدالة، يُختزل السلام إلى مجرد تسويات لا إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس الإنصاف والمحاسبة".
ما هي العدالة الانتقالية؟
يشرح مدير آليات التحقيق برابطة الحقوقيين السوريين الأحرار، ياسر الشلاتي، مفهوم العدالة الانتقالية بكونه "منظومة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف الى مواجهة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، عبر المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار". مضيفًا خلال حديث لـ "ألترا سوريا" أن هذا المفهوم لا يعني الانتقام أو إعادة إنتاج دوامات الثأر، بل يعتبر عملية تسعى الى تحقيق التوازن بين العدالة والسلم الأهلي وبين مصلحة الضحايا ومقتضيات المستقبل.
ويضيف بأن تحقيق هذا المفهوم من شأنه أن يحفظ حق الضحايا حيث ما يزال الآلاف من العائلات السورية يبحثون عن الحقيقة حول مصير أبنائهم المعتقلين أو المغيبين وتجاهل هذا الحق يعني مضاعفة المأساة، كما أن العدالة تمنع تكرار الجرائم، وتعيد بناء الثقة المجتمعية وتقود بالضرورة إلى تحقيق سلام مستدام.
أما المحامي والمستشار القانوني، غزوان قرنفل، فيؤكد أن "العدالة الانتقالية وحدها هي المركب القادر على نقلنا من ضفة العنف والاحتراب الى ضفة السلامة الوطنية"، ويضيف خلال حديث لـ "ألترا سوريا" أن "وضوح الرؤية بشأن البرنامج الوطني للعدالة الانتقالية والسياقات التي سيعمل عليها وطرحها بشفافية هو الكفيل بحفظ الاستقرار بالمجتمع وليس العكس، أما التعاطي الانتقائي مع القضايا والملفات المتعلقة بالمساءلة فلا يمكن تسميته بعدالة انتقالية وإنما عدالة انتقائية". وفقًا لتعبيره.
ويشير قرنفل إلى أوجه عديدة جرى خلالها تمييع العدالة الانتقالية وتحوير مفهومها بحيث خرجت عن سياقها، موضحًا أنه "لدينا اليوم عشرات الموقوفين من مرتكبي الجرائم والانتهاكات والى الآن لم يحل أي منهم للقضاء رغم وفرة الأدلة، بل إلى الآن لم نحدد هل ستتم مقاضاتهم أمام المحاكم القائمة أم سنشكل لذلك محكمة خاصة للنظر في تلك الجرائم".
عدالة انتقالية أم انتقائية؟
ومن أوجه التمييع الأخطر، التي يوردها قرنفل، أنه "يمكننا الآن إذا ما وقعنا كدولة على ميثاق روما الأساسي وأعطينا محكمة الجنايات الدولية الحق بالبحث في الجرائم المرتكبة في النزاع السوري بأثر رجعي لتاريخ توقيعنا على الميثاق يمكن بذلك محاكمة بشار وماهر الأسد وكبار قادتهم العسكريين والأمنيين أمام تلك المحكمة، لكن السلطة الحالية لا تريد ذلك حتى لا يرتد أثر هذا الالتزام القانوني على القوى الأخرى المشتركة بالصراع وبعضها حاليا في السلطة".
بدوره يلفت ياسر الشلاتي إلى أن تمييع العدالة الانتقالية يكون عبر تفريغها من مضمونها الحقيقي من خلال حصرها في تعويضات مالية رمزية دون محاسبة، وتحويلها الى شعارات فضفاضة دون إجراءات قانونية واضحة، معتبرًا أن "الخطابات حول المصالحات الوطنية دون التطرق للعدالة هو شكل آخر من أشكال التمييع الذي يعيد إنتاج المظالم بدلً من معالجتها مما يساهم في زرع بذور أحقاد مستقبلية تهدد أي مشروع وطني جامع".
ومن الأنماط الأخرى للتمييع التي يوردها الشلاتي: الاقتصار على حلول رمزية مثل اختزالها في لجان صورية لا تمتلك أدوات مساءلة فعلية ما يساهم في إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، إضافة لاستخدام "المصالحات وتسوية الأوضاع" كغطاء للإفلات من العقاب والذي يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، مثل التحدث عن التسويات التي نراها مع رجال أعمال معروفين، مثل الخياط وحمشو وغيرهما ممن كانوا داعمين أساسيين للنظام السابق، باعتبارها بديلًا عن العدالة الانتقالية.
مخاطر كبيرة
يتفق الخبراء الحقوقيون الذين تحدثوا لـ "ألترا سوريا" على أن خطر تمييع العدالة الانتقالية يكمن في أنه يهدد الاستقرار والسلم الأهلي، فأي سلام بلا عدالة هو سلام هش، يُبقي الجراح مفتوحة، ويُعيد إنتاج الاستقطاب والانتقام.
وفي هذا الصدد، يشير ميشال شماس إلى أن العدالة الانتقالية ليست عائقًا أمام السلام، بل ضمانة لاستدامته، معتبرًا أنها هي ما يمنع تحول الذاكرة الجماعية إلى أداة للثأر، ويحولها إلى أساس للمصالحة.
من جانبه، يلاحظ ياسر الشلاتي أن "التجارب المقارنة من أمريكا اللاتينية إلى افريقيا أظهرت أن التسويات التي تقوم على فكرة "طي الصفحة" دون محاسبة تتحول سريعًا إلى استبداد جديد وفي الحالة السورية حيث عمق الجراح لا يقاس فإن أي محاولة لتجاوز العدالة ستؤدي إلى انفجار جديد وربما أكثر عنفًا".
ويضيف بأن "تمييع مفهوم العدالة يقود بالضرورة إلى تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وتعزيز الانقسام الاجتماعي بدلًا من رأبه، إضافة لإضعاف ثقة المواطنين بأي مسار سياسي أو قانوني، وتهيئة الأرضية لتكرار الجرائم في المستقبل".
ويعتبر أن "تمييع مفهوم العدالة الانتقالية أو تأجيله تحت ذرائع واهية يشكل خطرًا كبيرًا، فالعدالة المؤجلة ليست عدالة، بل ظلم مضاعف للضحايا وتمييعها ليس مجرد فشل في تحقيق العدالة، بل هو جريمة ثانية بحق الضحايا لأنه يحول حقهم إلى ورقة تفاوض أو شعار فارغ".
الكلمات المفتاحية

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية
أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية
انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها

"هيومن رايتس ووتش": الحكومة السورية تجعل العدالة أولوية لكن جهودها انتقائية وتفتقر للشفافية
أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في "التقرير العالمي 2026" بأن الحكومة السورية اتخذت خطوات أولية في عام 2025 لتعزيز العدالة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


