ultracheck
مجتمع واقتصاد

بين الجفاف وارتفاع التكاليف.. تراجع زراعة القطن في الجزيرة السورية

2 أكتوبر 2025
القطن في الجزيرة
تراجع زراعة القطن في الجزيرة السورية بين الجفاف وارتفاع التكاليف (GETTY/الترا سوريا)
محمد جفال
محمد جفالصحافي سوري

يُعدّ القطن، المعروف بـ"الذهب الأبيض"، أحد أهم المحاصيل الزراعية في منطقة الجزيرة السورية، حيث يشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي.  يسهم هذا المحصول الاستراتيجي في دعم الصناعات المحلية من خلال استخداماته المتعددة في صناعة النسيج والخيوط، بالإضافة إلى استخراج الزيوت من بذوره. كما يوفر فرص عمل لآلاف الأسر، سواء في العمليات الزراعية أو في الصناعات المرتبطة به، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي للسكان. 

مع ذلك، تواجه زراعة القطن تحديات كبيرة تهدد استمراريتها، من الجفاف ونقص المياه إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الدعم. في هذا التقرير، نسلط الضوء على واقع زراعة القطن في الجزيرة السورية، مع التركيز على آراء المزارعين الذين يواجهون هذه التحديات يوميًا.

أهمية القطن في الجزيرة السورية

يُعتبر القطن ثاني أهم محصول موسمي في المنطقة بعد القمح، حيث يلعب دورًا حيويًا في دعم الاقتصاد المحلي. يُستخدم القطن في صناعة الأقمشة والملابس، بينما تُستخدم بذوره لإنتاج الزيوت الصالحة للأكل والاستخدامات الصناعية. هذا التنوع في الاستخدامات يجعل القطن موردًا استراتيجيًا يعتمد عليه العديد من الأسر في المنطقة. 

بالإضافة إلى ذلك، توفر زراعة القطن فرص عمل موسمية ودائمة، سواء في الحقول أو في المحالج التي تعالج المحصول. هذه الفرص تساهم في تحسين مستوى المعيشة وتقليل الهجرة من الريف إلى المدن. ومع ذلك، فإن التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجه المزارعين تهدد هذا الدور الحيوي.

وفقًا لمصدر في "الإدارة الذاتية" تحدث لموقع "الترا سوريا"، فقد بلغت المساحات المرخصة لزراعة القطن في الموسم الزراعي الحالي  حوالي 272 ألف دونم، لكن المساحات المزروعة فعليًا لم تتجاوز 69 ألف دونم. هذا الرقم يمثل تراجعًا كبيرًا مقارنة بالعام الماضي، حيث تم ترخيص 374 ألف دونم، وزراعة 150 ألف دونم فعليًا. هذا الانخفاض يعكس الصعوبات التي يواجهها المزارعون، والتي تشمل الجفاف المستمر، نقص المياه، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

التحديات البيئية والاقتصادية

تُعد موجات الجفاف وانخفاض هطول الأمطار على مدى موسمين زراعيين من أبرز التحديات التي تواجه زراعة القطن. أدى هذا النقص إلى تراجع منسوب المياه الجوفية، مما زاد من الاعتماد على الري الاصطناعي. ومع ذلك، فإن نقص المحروقات ورداءة جودتها جعلت عملية الري صعبة ومكلفة. كما أن ارتفاع درجات الحرارة ساهم في تفاقم الوضع، حيث أثر على نمو النباتات وزاد من الحاجة إلى المياه.

يُعدّ القطن، المعروف بـ"الذهب الأبيض"، أحد أهم المحاصيل الزراعية في منطقة الجزيرة السورية، حيث يشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي

إلى جانب التحديات البيئية، يعاني المزارعون من نقص الدعم وارتفاع تكاليف الإنتاج. السماد غير متوفر بكميات كافية، والمبيدات الحشرية نادرة، مما يجبر المزارعين على تأمين هذه المستلزمات بأنفسهم بتكاليف باهظة. كما أن المحروقات المقدمة من "الإدارة الذاتية" غير كافية وذات جودة رديئة، مما يزيد من الأعباء المالية على المزارعين.

أصوات من الواقع

للوقوف على تأثير هذه التحديات، أجرينا مقابلات مع عدد من المزارعين في منطقة الجزيرة السورية، حيث عبّروا عن إحباطهم من الوضع الحالي وطالبوا بحلول عاجلة.

  • تراجع المساحات المزروعة

عبد حمود، مزارع من ريف الحسكة الجنوبي، أوضح لـ"الترا سوريا" أن زراعة القطن تراجعت بشكل ملحوظ هذا العام بسبب الجفاف وارتفاع التكاليف. وأشار إلى أنه كان يزرع 15 دونمًا سنويًا، لكنه اضطر هذا العام إلى تقليص المساحة إلى 5 دونمات فقط. وقال: "نقص المياه الجوفية وارتفاع درجات الحرارة جعل من المستحيل الاستمرار بزراعة نفس المساحات. الدعم الذي تلقيته من الإدارة الذاتية كان محدودًا، مجرد كمية صغيرة من السماد وبعض المحروقات. لم أحصل على بذار على الإطلاق، واضطررت لشراء كل شيء بنفسي".

وأضاف حمود أن زراعة القطن لا تزال تمثل مصدر رزق رئيسي بالنسبة له ولعائلته، لكنه يخشى أن يضطر إلى التوقف نهائيًا إذا استمرت هذه الظروف. وطالب بتوفير دعم حقيقي يشمل بذارًا جيدة، ومحروقات كافية، وأسمدة بأسعار معقولة.

  • صعوبات الري ونقص الدعم

من جهته، روى المزارع، يوسف شكري، لـ"الترا سوريا" تجربته في زراعة القطن هذا العام، حيث زرع 10 دونمات في نيسان/أبريل 2025. وأوضح أن نقص المحروقات ورداءة جودتها شكلا تحديًا كبيرًا في عملية الري. وقال: "تلقيت 3 لترات من المازوت لكل دونم، أي 30 لترًا فقط للموسم بأكمله. لكنني احتجت إلى 410 لترات لإتمام أربع ريات. اضطررت لشراء المازوت من السوق السوداء بأسعار مرتفعة جدًا".

وأشار شكري إلى أنه لم يحصل على أي دعم فيما يتعلق بالبذار أو السماد، مما زاد من الأعباء المالية. ومع ذلك، أشار إلى أن موجة الحر ساعدت في القضاء على دودة القطن، مما قلل من الحاجة إلى المبيدات الحشرية. وأضاف: "رغم الصعوبات، القطن لا يزال مصدر دخل مهم، لكننا بحاجة إلى دعم حقيقي لنواصل العمل".

حلول مقترحة

من خلال حديث المزارعين، يتضح أن التحديات التي يواجهونها مشتركة إلى حد كبير. نقص المياه، ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومحدودية الدعم هي العوامل الرئيسية التي تدفع المزارعين إلى تقليص مساحات زراعتهم. كما أن غياب المبيدات الحشرية والأسمدة بأسعار معقولة يزيد من صعوبة استمرار هذا القطاع الحيوي.

في ظل هذه التحديات، دعا مختصون إلى تحديث أساليب الري لتقليل استهلاك المياه. تقنيات الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط، يمكن أن تساهم في ترشيد استخدام المياه وتقليل الاعتماد على المياه الجوفية. كما يُطالب المزارعون بزيادة الدعم من خلال توفير بذار وأسمدة ومحروقات بأسعار مدعومة، بالإضافة إلى تحسين جودة المحروقات المقدمة.

من جانب آخر، هناك حاجة إلى برامج تدريبية للمزارعين حول استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة، بما في ذلك إدارة الموارد المائية ومكافحة الآفات بطرق مستدامة. كما يُطالب المختصون بإجراء دراسات لتحسين إنتاجية الأراضي الزراعية وتطوير سلالات قطن مقاومة للجفاف.

زراعة القطن في الجزيرة السورية تواجه مفترق طرق. فمن جهة، يبقى هذا المحصول ركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي، ومن جهة أخرى، تهدد التحديات البيئية والاقتصادية استمراريته. تؤكد آراء المزارعين الحاجة الملحة إلى دعم فاعل وحلول مبتكرة لضمان استدامة هذا القطاع. إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لمعالجة نقص المياه، وتحسين الدعم، وتطوير أساليب الزراعة، فقد يواجه "الذهب الأبيض" خطر الاندثار، مما سيؤثر سلبًا على الاقتصاد المحلي ومعيشة آلاف الأسر.

الكلمات المفتاحية

توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة السورية للبترول وشركة شيفرون الدولية وشركة باور إنترناشيونال القابضة

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري

تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة


الجزيرة السورية

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر


النقل العام

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق

بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار


كوشر

تقرير: في قلب العاصمة.. فندق دمشقي يقدم طعامًا "كوشر" مع تزايد زيارات اليهود

يرصد التقرير تقديم طعام كوشر بدمشق في مؤشر على حجم التحولات التي طرأت على البلاد منذ الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert