بين الدوبلاج والتمثيل.. أيمن عبد السلام يقرأ تجربة دراما الفورمات من منظور أكاديمي
18 يوليو 2026
في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها صناعة الدراما العالمية، برزت دراما الفورمات كقوة تعيد تشكيل المشهد الفني العربي.لم تعد هذه التجربة مجرد استنساخ لأعمال أجنبية، بل تحولت إلى منصة إبداعية تجمع بين أصالة الأداء العربي وفخامة الإنتاج العالمي. واستطاعت أن تصنع لنفسها مكانة مميزة وتقدم نموذجًا فريدًا يزاوج بين الثقافات ويضيف قيمة فنية وبصرية للجمهور العربي.
تثبت هذه التجربة الإنتاجية الضخمة حضورها اليوم كخيار إبداعي محبب، يعيد صياغة المشهد الجمالي العربي بفضل تضافر أداء الممثلين الأكاديميين السوريين والعرب مع جماليات الصورة البصرية التركية المبهرة وطاقة الطبيعة الساحرة. إنها قصة نجاح جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا لتصنع هوية درامية عابرة للحدود.
تطوير النص وثقافة الجمال: إعادة ابتكار الواقع في إطار بصري
غالبًا ما تبهر الأعمال المأخوذة عن الأعمال التركية المشاهد العربي بقدرتها الاستثنائية على تقديم حكايات مشوقة تدور في فلك الرومانسية، والروابط العائلية، والصراعات الإنسانية اللطيفة، معززةً بصورة بصرية بالغة النقاء والجاذبية. هذا الإبهار لا يقف عند حدود الإمتاع البصري؛ بل يشكل أداة ترفيهية راقية ترفع من سوية الذوق العام وتمنح المتلقي متنفسًا جماليًا مفعمًا بالحياة والرفاهية العصرية.
على عكس الاتهامات الشائعة بالترجمة الحرفية، تُظهر القراءة التحليلية العميقة لهذه الإنتاجات أن صناع العمل يخوضون غمار تجربة دقيقة لـ"تبيئة النص" (Localization)، حيث يُعاد نسج الحوارات وصياغة التفاصيل لتنسجم مع روح البيئة المحلية وسلوكياتها الاجتماعية، وتتجلى هذه الجهود بوضوح في عدد من الأعمال التي لاقت رواجًا واسعًا ومتابعة جماهيرية استثنائية.
إن محاولات التبيئة هذه تبرهن على أن الفورمات ليس مجرد تقليد؛ بل هو عملية إعادة خلق فني واعية تجلب الأفكار العالمية وتمنحها نكهة عربية قريبة من القلوب، مستندةً إلى ثقة الجهات المنتجة بقدرة الكوادر الفنية العربية على منافسة الإنتاجات العالمية.
أيمن عبد السلام: العمل المعرّب يتطلب تبني جميع أدواتي التعبيرية والجسدية
في إطار سعينا لاستجلاء تفاصيل هذه التجربة من الداخل، التقينا بالنجم الأكاديمي أيمن عبد السلام، ليحدثنا بشغف عن كواليس هذا التحول الدرامي وأهميته في مسيرة الفنان المعاصر.
بدأت علاقتك العميقة مع الدراما التركية من خلف ميكروفون الدوبلاج، مانحًا صوتك وخبرتك الأكاديمية. واليوم، تقف بكامل حضورك الجسدي والبصري في النسخ من هذه الأعمال. كيف يختبر الممثل الأكاديمي هذا الانتقال السيكولوجي والجمالي، من كونه صوتًا يمنح الروح لجسد غريب، إلى كونه جسدًا مرئيًا يخضع لشروط مشهدية متكاملة؟
في الحقيقة، هناك فرق كبير جدًا بين هذين النوعين من الأداء الفني، سواء في شروط العمل أو الأسلوب المتبع وطريقة التعامل معه. في عالم الدوبلاج، ينصب تركيزي بالكامل على نغمة الصوت والحالة الشعورية التي يجب أن أوجه صوتي من خلالها، ليكون مناسبًا ومتماهيًا مع الشخصية التي أتبناها صوتيًا. أما عندما أجسد شخصية في مسلسل طويل، فالأمر يتطلب وقتًا ليس بالقليل وجهدًا تحضيريًا كبيرًا لخلق أبعاد الشخصية ومنحها الروح التي تتناسب مع طرح العمل وموضوعه العام. ورغم أن كلا النوعين يجمعهما سحر وصيغة الدراما التركية، فإن لحظة العمل الإبداعي تختلف تمامًا؛ فالدوبلاج تركيز مكثف على الأداء الصوتي، بينما العمل الدرامي المعرّب – وهو الأهم والأجمل بلا شك – يتطلب مني استدعاء وتبني جميع أدواتي التعبيرية والجسدية كممثل، بهدف ابتكار كينونة جديدة وشخصية نابضة بالكامل من نقطة الصفر.
بينما تشهد منطقتنا وسوريا ظروفًا اقتصادية استثنائية، نرى في هذه المسلسلات قصورًا فارهة وأحياء مفعمة بالرفاهية المطلقة والبريق الجمالي المعولم. كيف يتعايش الفنان الذي يعيش تفاصيل الواقع اليومي مع هذا الاختلاف البصري اللامع؟ وهل تشعر بأن هذه الأعمال تقدم متنفسًا ترفيهيًا راقيًا يثري مخيلة المشاهد؟
هذا النوع من الأعمال يمثل نوعًا دراميًا معترفًا به عالميًا في أعلى مستويات الإنتاج الدرامي. ربما لم نعتد كمشاهدين أو حتى كصناع دراما في العالم العربي على إنتاج هذا النمط بكثرة لظروف إنتاجية معقدة، لكنه اليوم يمثل بوابة رائعة وفرصة عمل وتعبير ذهبية لكل ممثل يبحث عن التألق وتقديم طاقته الإبداعية. نحن كفنانين نأتي إلى هذه التجربة بكثير من الاحترام والمحبة والجدية العالية. وعندما يحقق الممثل من خلالها الحضور الجماهيري والمتابعة الواسعة، فهذا يعد نجاحًا حقيقيًا واستمرارية متميزة لمسيرته. الجميل في هذه الأعمال أنها لا تتوجه لجمهور محلي ضيق، بل هي صناعة عابرة للحدود، ما يمنح الممثل فرصة الوصول إلى منصات ومنظومات مشاهدة دولية واسعة تليق بموهبته.
يعتقد البعض أن شروط الإنتاج في هذه الأعمال صارمة، وتطالب الممثل بمحاكاة الانفعالات الجسدية للممثل التركي الأصلي. أين تكمن حدود حريتك الأكاديمية في خلق شخصياتك؟ وكيف تحافظ على بصمتك الفنية الخاصة؟
الأمور ليست بهذه الصرامة مطلقًا، فالعمل الإبداعي بطبيعته يرفض القواعد الجافة والقوالب الجاهزة. من واقع تجاربي المستمرة مع الطواقم الفنية والمخرجين الأتراك، أستطيع القول إنهم يسعون بكل شغف لبناء نسخة جديدة ولغة جديدة وصناعة فورمات متكامل وناجح، وليس مجرد ترجمة؛ ولهذا أرى أن مصطلح فورمات هو التوصيف الأدق علميًا وفنيًا لهذه الأعمال. وعندما يلمس المخرج التركي تمكّن الممثل العربي واحترافية أدواته الأكاديمية، فإنه يمنحه فورًا مساحات تعبيرية حرة واسعة، ويتخلى تمامًا عن فكرة القيد أو القالب. الممثل الجيد يضع روحه الخاصة في الدور، بينما تدعمنا الجهة المنتجة "إم بي سي" (MBC) بتوفير أرقى مواقع التصوير والأزياء العصرية لإخراج الصناعة بأجمل صورة بصرية ممكنة.
تاريخيًا، ساهم الممثل السوري بصوته في بناء شعبية جارفة للدراما التركية. واليوم، تبدو المعادلة متكاملة بصريًا بوجودكم كنجوم لهذه النسخ العربية. هل تشعر أن الممثل العربي بات شريكًا حقيقيًا في صياغة هذه الهوية الفنية المشتركة؟
بالتأكيد. إن فكرة الانتقال نحو النسخ العربية كانت خطوة ذكية واستراتيجية ممتازة من قبل الجهات الإنتاجية لتنشيط السوق وتقديم تجربة حيوية بديلة عن الدوبلاج التقليدي الذي بدأ وهجه يقل تدريجيًا. والرابح الأكبر في هذا التحول هو الممثل العربي بصفة عامة؛ فهذه المسلسلات الطويلة (السوب أوبرا) تجمع باقة رائعة من النجوم من مختلف الجنسيات العربية في توليفة غنية ومنسجمة. إنها مساحة حرة للتبادل الثقافي والإبداعي تعزز مكانة الفنان العربي وتزيد من خياراته المهنية والجمالية.
حققت شخصية عفيف في مسلسل "عروس بيروت" نجاحًا كبيرًا وأثرت في الجمهور بعمق. كيف ساهم هذا الحضور الإنساني اللطيف في تمهيد الطريق لتطور أدواتك في الأعمال التالية؟
شخصية عفيف كانت بالفعل علامة فارقة ولطيفة في مسار الأعمال الطويلة. كان عفيف بمثابة العين الدافئة التي تراقب تطورات وصراعات الجميع بحب. وعندما قررنا تسليط الضوء بشكل أعمق على حياته الشخصية وعلاقته الإنسانية مع زوجته، اتخذت الشخصية بعدًا اجتماعيًا جميلًا وغير متوقع في مسار العمل. تفاعل الناس الاستثنائي مع عفيف أكد لي قناعتي الراسخة: متى ما كنت صادقًا كممثل في منح الشخصية ما تستحقه من تفاصيل داخلية واهتمام حقيقي، فستصل بصدق تام إلى قلوب الجمهور.
الأسلوب يختلف طبعًا من كاركتر إلى آخر حسب دوره في النسيج الدرامي، ولكن كل نجاح لشخصية يمهد ويمهد لنجاح الشخصية التي تليها.
يتوقع البعض أن موجة الأعمال هذه قد تنحسر أو تتبدل مستقبلًا. كفنان أكاديمي متميز، كيف تنظر إلى مستقبلك الفني والمهني بعد هذه المحطة؟
الدراما بطبيعتها ديناميكية، والجمهور هو الحكم والفيصل دائمًا في استمرار أي موجة أو تراجعها. ولكن بصفتي خريجًا أكاديميًا، فإن اسمي وزملائي لم يرتبط بنمط واحد فحسب. لقد صقلنا موهبتنا وبدأنا من خشبة المسرح الذي نعتبره الأساس الإبداعي المتين، بالإضافة إلى إسهاماتنا الواسعة في السينما والدراما الاجتماعية المحلية والعربية المشتركة التي تركت بصمة لا تمحى لدى المتلقي. اليوم، نحن نسعد جدًا بالمشاركة في هذه الأعمال ونستمتع بتقديمها للجمهور. وغدًا، عندما تفرض حركة السوق واقتصاديات الفن قوالب وأشكالًا إنتاجية جديدة، سنكون بذات الجاهزية الأكاديمية والشغف لتقديم أفضل ما لدينا لخدمة الفن والجمهور.
آفاق صناعة الفورمات: شراكة إنتاجية مستدامة
تكشف تجربة دراما الفورمات عن مرونة إنتاجية وفنية بالغة الأهمية؛ فالاستثمار في هذه الأعمال أثبت أنه ليس مجرد موضة عابرة، بل هو ركيزة صناعية متطورة تتيح للمبدع العربي فرصة العمل والانتشار الدولي في ظل أرقى الظروف التقنية والبصرية المتاحة عالميًا.إن النجاح الجماهيري الذي يحققه النجوم الأكاديميون في هذه التجارب يبعث على التفاؤل بمستقبل الدراما العربية المشتركة. فهو يعكس قدرة الممثل المتمكن على تطويع أي عمل عالمي ومنحه نبض الشارع ونكهة البيئة العربية المعاصرة بصدق وسلاسة.
وفي نهاية المطاف، تظل هذه الموجة تجربة غنية تسهم في تلاقح الثقافات البصرية، وتبرهن على أن الإبداع العربي قادر دائمًا على التألق والريادة تحت أي سماء وبأي لغة بصرية.
أقرأ/ي أيضًا: "من يرمي الحجر الأول؟".. تجسيد مسرحي لاعتياد العنف والعدالة المأزومة
أقرأ/ي أيضًا: "بروفة يوم الحساب": المسرح السوري يفكك جراح المعتقل ومتاهات العدالة الانتقالية
الكلمات المفتاحية
وفاة الشاعر السوري تمام هنيدي في السويد بعد معاناة مع المرض
توفي، اليوم الخميس، الكاتب والشاعر السوري تمام هنيدي في مدينة مالمو السويدية، بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان
خشبة تتسع لبلاد كاملة: مهرجان سوريا المسرحي يختبر لامركزية الفن
يختبر مهرجان سوريا المسرحي صيغة لامركزية تنقل العروض إلى المحافظات، كاشفًا طاقات الفرق المحلية وتحديات التمويل والبنية التحتية قبل احتفاليته المركزية في حلب مطلع أيلول/سبتمبر
السينما في الجزيرة السورية.. عقد من التجارب ومؤتمر يبحث عن مستقبل الصناعة
بعد أكثر من عقد على انطلاق التجارب السينمائية في شمال وشرق سوريا، يبحث سينمائيو المنطقة عن تجاوز تحديات التمويل والتدريب والتوزيع، عبر خطوات لتشكيل إطار مهني جامع ينظم القطاع ويدفع به نحو مرحلة أكثر استدامة
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره