بين الغلاء وضعف الدخل.. كابوس الفواتير الشهرية يفاقم الضغوط المعيشية والنفسية على الأسر
31 أكتوبر 2025
تتزايد أعباء الحياة اليومية على الأسر في ظل الغلاء المتصاعد، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، لتتحول الفواتير الشهرية إلى كابوسٍ يتكرر مع نهاية كل شهر. ومع أن الزيادة الأخيرة في الرواتب منحت بعض الأمل، إلا أن هذا الأمل سرعان ما تلاشى أمام موجة جديدة من الأسعار والالتزامات. وبين القلق، والتقشف، والعجز عن التغطية، يعيش المواطن تحت ضغطٍ نفسيٍ واقتصاديٍ دائم.
وفي هذا التقرير، تتقاطع شهادات المواطنين والخبراء لموقع "الترا سوريا" حول "كابوس الفواتير" الذي يطارد معظم الأسر. فالموظفون والعمال يرون في الفواتير عبئًا يفوق قدرتهم الشرائية، فيما يربط الاقتصاديون الأزمة بغياب السياسات الاجتماعية وضعف العدالة في توزيع الدعم. أما المتخصصون النفسيون، فيحذرون من أثر القلق المزمن الذي تولده الضغوط المادية المتراكمة، في ظل غياب حلول واقعية توازن بين الدخل وتكاليف المعيشة.
هم تشترك فيه جميع الأسر
يقول رائد حمزاوي، وهو موظف ورب أسرة مؤلفة من ستة أشخاص، لموقع "الترا سوريا": "الفواتير الشهرية تتسبب بكارثة لمعظم أفراد الأسرة"، مضيفًا أن "فواتير الكهرباء والمياه والهاتف الأرضي والموبايلات وباقات الإنترنت، جميعها تتصدر القائمة مع نهاية كل شهر". وأشار إلى أنه "بحاجة إلى ما يقارب 700 ألف ليرة لتسديدها، وهو مبلغ يفوق نصف الراتب بعد الزيادة؛ هذا قبل شراء الأكل ومتطلبات المنزل"، وهنا يتساءل "حتى بعد الزيادة الأخيرة على الرواتب والأجور، هل تكفي المليون ليرة لتسد عجز الأسر في ظل ارتفاع الأسعار؟".
من جانبها، تصف فاطمة، وهي معلمة تعيل أسرة مكونة من خمسة أشخاص بعد وفاة زوجها، الفواتير الشهرية بأنها "هم تشترك فيه جميع الأسر، إلا أنه قد يختلف بين أسرة وأخرى لجهة صرفها، لكنه في النهاية عبء مادي ثقيل على الجميع". كما لفتت إلى أن "الحل لن يكون بزيادة الأجور بشكل مستمر أو خفض الأسعار"، مبيّنة أن "ما يلاحظه الجميع كلما ازدادت الأجور، ارتفعت الأسعار"، موضحة أنها تحتاج إلى نحو 600 ألف ليرة شهريًا لسداد الفواتير.
يؤكد العامل، ملهم يونس، أنه يواجه ضغوطًا مادية بشكل مستمر مع نهاية كل شهر، لافتًا إلى أن هذه الضغوط يتحملها أفراد العائلة، مضيفًا أنه دون أن يدرك ذلك أصبح يعيش صراعًا نفسيًا بين تأمين حياة سعيدة لأسرته من جهة، وبين قدرته على تحمل متطلبات الحياة من جهة أخرى.
وكان الرئيس أحمد الشرع قد أعلن عن زيادة الأجور في القطاع العام بنسبة 200%، وبحسب مؤشر صحيفة "قاسيون"، فإن الحد الأدنى للأجور بعد هذه الزيادة بلغ نحو 68 دولارًا أميركيًا للشهر الواحد، علمًا أن الدولار الواحد يعادل سعر صرف وسطي 11055 ليرة، أي ما مجموعه 751,740 ليرة. كما يُشير مؤشر "قاسيون" إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة الأساسية يبلغ تسعة ملايين ليرة شهريًا، ما يعادل نحو 818 دولارًا.
متوسط دخل الأسرة لا يغطي سوى جزء من حاجاتها الأساسية
يبيّن الخبير الاقتصادي، وائل الحسن، في حديثه لـ"الترا سوريا" أن التقارير تشير إلى أن متوسط دخل الأسرة لا يغطي سوى 20% إلى 30% من حاجاتها الأساسية، في حين ترتفع كلفة الفواتير شهريًا من دون تحسن ملموس في جودة الخدمات.
وأوضح أن التأثيرات اليومية تبدأ من التقشف وصولًا إلى الانهيار والضغط النفسي الدائم الذي يعيشه المواطن، إضافة إلى حالة التوتر المستمرة مع الخشية من قطع الخدمة أو تراكم الديون، وتراجع جودة الحياة. ولفت إلى أن النسبة الأكبر من الأسر تقوم بترشيد استهلاك الماء أو الإنترنت وحتى الطعام لتسديد الفواتير، وهو ما يدفع الكفاءات إلى الهجرة، لا سيما فئة الشباب التي ترى في السفر مخرجًا من حلقة الفقر والمدفوعات الشهرية المتراكمة باستمرار من دون وجود دخل كافٍ يغطي ذلك.
ونوّه الخبير الاقتصادي بأن المواطن يشعر أن الدولة تفرض عليه الدفع من دون أن تقدم مقابلها الخدمات المرجوة، فضلًا عن غياب سياسات الحماية الاجتماعية الحقيقية. وأكد أنه يجب على الحكومة تحمّل المسؤولية المباشرة عن هذا الواقع، مضيفًا أن بدلًا من أن تقدم الحكومة الدعم للمواطن، تفرض عليه ضرائب غير مباشرة عبر الفواتير، في الوقت الذي "تغيب عدالة التسعير، وشفافية التوزيع، ورقابة جودة الخدمة"، وهو ما يجعل "المواطن يدفع ثمن الفساد وسوء الإدارة".
وتابع الحسن قائلًا: "الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للأسر صعبة، ليس فقط بسبب تراجع القيمة الشرائية للدخل حتى مع زيادة الرواتب، بل بسبب تعدد أوجه الإنفاق وتحولها إلى إنفاق أساسي، ما يرتب مزيدًا من الأعباء المالية والمعيشية على الأسر".
ووفقا لذلك، فإن الأوضاع الاقتصادية الضاغطة، وضعف القدرة على تحسين مستويات الدخل من حيث القوة الشرائية، وتراجع مصادر الحصول على دخل إضافي، والضرائب والرسوم التي تُقطع من الراتب الإجمالي، تجعل الراتب الصافي وكأنه أقل بكثير من القدرة على إنفاق الفرد على المتطلبات المتزايدة لأسرته. كما لا بد من الإشارة إلى ضعف فرص العمل أو قلتها، حيث تبقى البطالة مرتفعة، خاصة بين فئة الشباب الذين خسر معظمهم عمله.
ويؤكد الحسن أن الأوضاع الاقتصادية أثرت على الأسر في مختلف الأصعدة، نظرًا لأن ارتفاع الفواتير يجعل الأسر تعيد ترتيب أولوياتها في الطعام والمسكن، وتؤجل أحيانًا الكثير من القرارات المالية، بما في ذلك المتطلبات التي قد تكون ذات أولوية.
ويرى الحسن أنه للخروج من هذا "الكابوس" الشهري يجب أن يتم "ربط الفواتير بالدخل الحقيقي للمواطن، مع تحسين جودة الخدمات بما يتناسب مع التكلفة، ودعم الفئات الهشة مثل كبار السن والمرضى والعاطلين عن العمل".
كما شدد على ضرورة "إطلاق منصة لحساب الفواتير ومراقبة الأداء، وإعادة النظر في أولويات الإنفاق الحكومي لصالح المواطن"، مشيرًا إلى أن "كابوس الفواتير ليس قدرًا، بل نتيجة سياسات يمكن تغييرها. المواطن السوري لا يطلب المستحيل، بل فقط أن يعيش بكرامة، وأن يدفع مقابل خدمة حقيقية تُقدم له، لا مقابل وهم".
قلق من تغطية النفقات
تبيّن الاستشارية التربوية، صبا حميشة، في حديثها لـ"الترا سوريا" أن الأفراد يشعرون بالقلق من مسألة تغطية النفقات، لأن الإنسان حتى لو ارتفع دخله، فإن نفقاته ترتفع وتتغير نوعية إنفاقه، ويشترك الجميع في القلق من السيطرة على الفواتير ومتطلبات الحياة الاجتماعية المعاصرة التي نعيشها اليوم.
وتابعت حميشة موضحة أن هناك تفسيرات علمية عديدة للقلق الذي يعيشه رب الأسرة، فالقلق ينتج عن الاستنزاف المستمر، حتى لو أدرك الفرد مسبقًا أن الفواتير أمر متوقّع، فإن فقدانه السيطرة على زيادتها يولد لديه إحساسًا بالعجز. ولفت إلى أن هذا الشعور أكثر ما يتعب الإنسان، "وقد يتحول هذا القلق إلى حالة مستمرة أو مزمنة، فمعظم الأسر لديها دخل ثابت، لكن النفقات متغيرة ومتزايدة، والغلاء والتضخم يتزايدان بشكل كبير، ويصبح كل التزام شهري مصدرًا للقلق والتوتر، لأن الفرد يشعر بأن متطلباته تفوق موارده، وهنا يدخل رب الأسرة في حالة اختلال بين التوازن النفسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، تقترح الاستشارية الاجتماعية أن تكون هناك مشاركة في المسؤولية الأسرية بين الأب وأفراد أسرته، بحيث يتحملون معه جزءًا من الأعباء، حتى الأبناء يمكن أن يشاركوا في فهم النفقات والميزانية، ويدركوا أهمية ضبط الإنفاق دون الإحساس بالحرمان. ولتخفيف الأثر النفسي للضغوط المالية وتسديد الفواتير، ترى ضرورة أن نكون أكثر قبولًا وارتياحًا لوضعنا الاقتصادي الحقيقي، وأن ندير حياتنا ضمن إمكانياتنا، فالقروض والديون مصدر كبير للتعب، ويمكن تجنبها بتحسين إدارة الدخل والموارد المالية، والابتعاد عن نمط الاستهلاك المفرط.
وتختم حميشة حديثها لـ"الترا سوريا" مشيرة إلى أن من المفيد أن يضع الإنسان خطة مالية واضحة، تشمل التوقعات الشهرية للفواتير ومصاريف الأبناء، ومستلزمات المنزل، مؤكدة أن "تنظيم الأمور بالورقة والقلم أفضل من الاعتماد على العشوائية أو مقولة: أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".
يذكر أن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، كشف مؤخرًا أن المرحلة المقبلة ستشهد زيادات نوعية في الرواتب والأجور تستهدف قطاعات محددة أبرزها العدل، خاصة مجالات الرقابة والتفتيش، إلى جانب قطاعي التعليم والتربية، وذلك بعد الزيادة العامة التي أُقرت مؤخرًا بمرسوم رئاسي وشملت جميع موظفي الدولة. وأكد أن العام القادم سيشهد أيضًا زيادة جديدة في الرواتب تشمل كافة الموظفين، في إطار خطة حكومية لتحسين الوضع المعيشي وتعزيز العدالة الوظيفية.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


