بين هدنة هشة وتسوية مؤجلة.. ملف السويداء يختبر صبر السياسة
16 مارس 2026
في الشرق الأوسط، لا تأتي التهدئة غالبًا على هيئة سلامٍ واضح، بل على شكل صمتٍ حذر بين جولةٍ وأخرى من التوتر. وهذا بالضبط ما يبدو أنه يحدث اليوم في محافظة السويداء في جنوب سوريا.فبعد أشهر من التوترات والاشتباكات، ظهرت أخيرًا إشارات إلى تخفيف الاحتقان بين الحكومة في دمشق والقوى المحلية التي تدير شؤون المحافظة. ولكن السؤال الذي يطرحه كثيرون – داخل السويداء وخارجها – لا يزال قائمًا: هل دخلت الأزمة بالفعل مرحلة تهدئة حقيقية؟ أم أن ما يجري ليس أكثر من إدارة مؤقتة لأزمة عميقة لم تصل بعد إلى عتبة التسوية؟
تبادل المحتجزين..خطوة صغيرة في طريق طويل
في فبراير/ شباط 2026 جرى تبادل عشرات المحتجزين بين الحكومة السورية والمجموعات المحلية في السويداء بوساطة دولية.خطوة بدت، في ظاهرها، إشارة أولى إلى إعادة فتح قنوات الاتصال بين الطرفين.
لم تكن هذه الخطوة معزولة، فقد سبقتها مؤشرات أخرى: استمرار اتفاقات وقف إطلاق النار لفترات طويلة نسبيًا – وإن لم تخلُ من خروقات – إضافة إلى عودة حركة المرور وتبادل السلع على طريق دمشق – السويداء بوتيرة متزايدة، كما أعيد تشغيل بعض المؤسسات الخدمية، ولا سيما المصرفية في بلدة الصورة الصغيرة شمال السويداء.
ويراهن المتفائلون على هذه الخطوات، خصوصًا بعد تأكيد الرئيس أحمد الشرع أن حل الملف سيكون" بالمحبة والاحتضان وتجاوز الماضي".
لكن في السويداء، لا يبدو الإجماع قريبًا.
ثائر. ح، وهو ممثل وناشط من المحافظة، يرد بحدة حين يُسأل إن كانت الأزمة تتجه إلى الانفراج: "لا..لأن هذه الحكومة لا تملك الشرعية بنظر كثيرين هنا، ولأن المجازر التي وقعت خلقت قطيعة عميقة مع دمشق".
أما أ. ح، وهو مدرس لغة عربية وناشط حقوقي، فيرى أن الحديث عن حلول حقيقية ما يزال مبكرًا، ويقول إن البداية يجب أن تكون – في رأيه – بالاعتراف بما يسميه "حرب الإبادة التي تعرضت لها السويداء".
بين هذين الموقفين يظهر رأي أكثر حذرًا لدى ج.ت، الإعلامي والناشط المدني، الذي يقول: "يمكن اعتبار ما يجري بداية مسار تهدئة وفتح قنوات حوار، لكنه ليس حلًا بعد. نجاحه يعتمد على تحويل هذه الخطوات إلى إجراءات تعالج جذور الخلاف".
وفي خلفية هذه التطورات، تحدثت تقارير إعلامية عن مفاوضات غير معلنة برعاية أميركية تهدف إلى تسوية أمنية وسياسية أوسع في المحافظة.ومع ذلك، لا يرى كثير من الباحثين أن هذه التحركات تعني نهاية الأزمة.
وبحسب تحليلات صادرة عن مراكز دراسات مثل تشاتام هاوس ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فإن أزمة السويداء ليست مجرد توتر أمني عابر، بل تعكس أحد أعقد تحديات سوريا في مرحلة ما بعد الحرب:غياب الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي.
فالأحداث التي شهدتها المحافظة خلال العام الأخير عمّقت الاستقطاب وأضعفت الثقة بين السكان والدولة، وظهرت في بعض الأوساط الدرزية دعوات إلى إدارة ذاتية أو حكم محلي واسع.
وتشير الدراسات أيضًا إلى أن تعدد القوى المسلحة داخل المحافظة زاد من تعقيد المشهد. ولهذا يطرح بعض الباحثين فكرة دمج تدريجي لعناصر الفصائل المحلية في الشرطة أو قوات أمن محلية تحت إشراف الدولة كجزء من تسوية محتملة.
حين تصبح السويداء جزءًا من لعبة إقليمية
لم تعد أزمة السويداء شأنًا سوريًا داخليًا فحسب، فمع مرور الوقت، دخلت الحسابات الإقليمية على خط الأزمة.
يقول أ. ح إن الدول الإقليمية تنظر إلى الملف من زاوية مصالحها الخاصة: "المشكلة أن المصالح تتغير..وهذا ما يجعل كثيرين هنا يراهنون أكثر على الدول الغربية".
أما ثائر. ح فيرى أن دور هذه الدول كان سلبيًا بالكامل، مضيفًا: "بعضها صمت عمّا جرى، وبعضها ربما كان يريد حدوثه".
في المقابل يرى ج.ت أن الدور الإقليمي قد يكون إيجابيًا أو سلبيًا تبعًا للظروف: "إذا دعمت هذه الدول التهدئة والحوار فقد تساعد على الحل، أما إذا دخل الملف في صراع النفوذ فستصبح جزءًا من المشكلة".
وقد جذب التصعيد السابق في السويداء تدخلًا إسرائيليًا، فقد نفذت إسرائيل ضربات عسكرية خلال إحدى جولات التوتر، مبررة ذلك بحماية الدروز ومنع انتشار الجيش السوري قرب الحدود.
أما الولايات المتحدة فتشير تقارير إلى أنها تلعب دور الوسيط غير المعلن في بعض مراحل التفاوض، في حين يُعتقد أن واشنطن تفضّل تسوية محلية تمنع الفوضى في الجنوب السوري القريب من حدود الأردن.
والأردن بدوره يملك مصلحة واضحة في استقرار المنطقة، سواء لمنع تهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود أو بسبب الروابط العائلية والعشائرية بين جنوب سوريا والأردن.
السلام الهش..خطر الانفجار
تأخر الحل لا يعني فقط استمرار الأزمة، بل يزيد من تعقيدها. وفي هذا السياق يقول أ. ح: "كلما طال الحصار زادت الضغوط الاقتصادية وتباينت المواقف السياسية.. وكل يوم نسمع خروقات للهدنة".
ويرى ثائر. ح أن التأخير يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، وقد يعمق الانقسام في الانتماء الوطني. أما ج.ت فيعتقد أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، مضيفًا: "طالما لا توجد تسوية شاملة، يبقى احتمال تجدد الاشتباكات قائمًا".
ويصف تحليل في تشاتام هاوس الوضع في السويداء بأنه مثال لما يسمى "السلام غير الليبرالي" والذي يعنياستقرارًا أمنيًا مؤقتًا من دون إصلاحات سياسية حقيقية، وهو ما يجعل هذا الاستقرار هشًا وقابلًا للانفجار.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل السويداء
تجمع معظم التحليلات على ثلاثة سيناريوهات محتملة:
الأول: تسوية تدريجية مع دمشقوهو السيناريو الأكثر ترجيحًا. وفيه تبقى الإدارة المحلية في السويداء مع دمج جزئي للفصائل في أجهزة الأمن وانتشار محدود لقوات الدولة.
الثاني: حكم محلي واسع الصلاحيات. تحتفظ فيه السويداء بإدارة شبه ذاتية مع علاقة فضفاضة مع الدولة، وهو خيار يثير قلق دمشق من انتقال العدوى إلى مناطق أخرى.
الثالث: عودة التوترات. وهو السيناريو الذي لا يرغب فيه أحد، لكنه يبقى ممكنًا إذا فشلت المفاوضات أو حدث تدخل إقليمي أكبر.
إن بوادر التهدئة بين دمشق والسويداء تمثل بلا شك تطورًا إيجابيًا. لكن معظم المحللين يتفقون على أن الأزمة لم تُحل بعد، بل دخلت مرحلة إدارة سياسية وأمنية طويلة. فالتسوية الحقيقية تحتاج أكثر من اتفاقات وقف إطلاق النار. إنها تحتاج إلى بناء الثقة، وإعادة تنظيم الوضع الأمني، وإيجاد صيغة سياسية مقبولة للطرفين.
وقد تكون السويداء أكثر من مجرد محافظة جنوبية. إنها – كما يقول بعض المحللين – مرآة صغيرة تعكس كل تعقيدات سوريا بعد الحرب.
الكلمات المفتاحية
ما الذي يجري في السويداء وأين صار مشروع الهجري؟
يتفق المراقبون على أن رغبة الهجري، وأيًا كانت، ليست هي التي ستحدد الإجابة، بل ثمة محددات وشروط أخرى أكثر أهمية وحسمًا
إعادة التموضع الأميركي في سوريا: انسحاب ميداني واستمرار في التأثير
تثير الانسحابات الأميركية من سوريا تساؤلات حول دوافعها، وسط حرب إقليمية ومخاوف من فراغ أمني بعد تراجع دورها بمكافحة الإرهاب
القواعد الروسية في سوريا: تحوّل الوظيفة وتبدّل النفوذ
أعادت تصريحات الشرع فتح ملف الدور الروسي في سوريا، بين إعادة توظيف القواعد العسكرية وبناء توازن دقيق بين القوى الدولية
في الدوري الممتاز: الكرامة يحسم قمة الجولة وأهلي حلب يعلن تعليق مشاركته
شهدت أولى جولات مرحلة الإياب فوز الكرامة على الوحدة وتعادل الجيش وتشرين، مقابل تصاعد أزمة أهلي حلب وتعليق مشاركته رسميًا
من تلوين البيض إلى إنهاء الخصومات.. كيف احتفل شرق سوريا بالعام الإيزيدي الجديد؟
أحيا أبناء المجتمع الإيزيدي في مناطق شرق سوريا طقوس عيد "الأربعاء الأحمر" إيذانًا ببدء رأس السنة الإيزيدية الجديدة وسط أجواء احتفالية وتجمعات شعبية حاشدة
الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية
يكشف انتحار معتقل سابق معاناة الناجين من سجون الأسد وسط غياب الرعاية وتبادل المسؤوليات واستمرار الفراغ المؤسسي دون حلول فعلية
حوار| مازن الناطور: القرار في النقابة ليس صوتًا واحدًا.. والحزم ضرورة في بعض المواقف
في هذا الحوار مع نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور، لم يطرح موقع "الترا سوريا" الأسئلة فقط، إنما فتح النوافذ على مرحلة كاملة، بكل ما فيها من ارتباك وأمل