تأجيل الانتخابات في ثلاث محافظات.. بين التأكيد على الشرعية وتقويضها
25 أغسطس 2025
في الثالث والعشرين من آب/أغسطس الجاري، أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري عن قرار تأجيل الانتخابات البرلمانية في ثلاث محافظات سورية هي السويداء والحسكة والرقة، مبررة هذه الخطوة بالظروف الأمنية والسياسية التي تحول دون إجرائها في الوقت الراهن. هذا القرار جاء ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد السوري، الذي يعاني أصلًا من انقسامات عميقة وتوترات متشابكة، خاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرقي البلاد، حيث تظل العلاقات بينها وبين الحكومة السورية عالقة عند ملفات لم تُحسم بعد.
المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، أوضح أن التأجيل جاء "حرصًا على التمثيل العادل" لهذه المحافظات، مشيرًا إلى أن تنظيم انتخابات في أجواء غير مستقرة لن يكون ممكنًا ولن يضمن نزاهة النتائج. ففي السويداء مثلًا، التي شهدت في تموز/يوليو الماضي أحداثًا دامية راح ضحيتها مئات الأشخاص من بينهم مدنيون، ما تزال التوترات الأمنية قائمة وتمنع أي محاولة لإجراء عملية انتخابية طبيعية. أما في محافظتي الحسكة والرقة، فإن سيطرة قسد وتعثر المفاوضات مع الحكومة السورية حول اتفاق دمج المؤسسات المدنية والعسكرية الموقع في العاشر من آذار/مارس 2025، جعلا من الصعب تنفيذ الانتخابات هناك. ولفت نجمة إلى أن المقاعد المخصصة لهذه المحافظات ستظل محفوظة إلى حين توافر ظروف ملائمة، في محاولة لطمأنة الرأي العام بشأن عدم المساس بحقوق ناخبيها.
غير أن قرار التأجيل لم يمر بهدوء، إذ أثار جدلًا واسعًا داخل البلاد. فقد سارعت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلى رفض الخطوة ووصفتها بأنها "إقصاء متعمد لملايين السوريين". واعتبرت أن مناطقها تتمتع بدرجة عالية من الأمن مقارنة بمناطق أخرى في البلاد، ورأت أن القرار يعكس موقفًا سياسيًا أكثر منه أمنيًا، ويستهدف تغييب سكان هذه المناطق من العملية السياسية. هذا الموقف عكس حجم الهوة بين الإدارة الذاتية والحكومة المركزية، كما أبرز أن ملف الانتخابات في المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق قد يتحول إلى ساحة صراع سياسي جديد.
في هذا السياق، تحدث عدد من الخبراء القانونيين والحقوقيين لـ "الترا سوريا" لتقييم أبعاد القرار وتداعياته.
المحامي السوري محمد الشرتح رأى أن التأجيل، رغم ما يثيره من جدل، يمثل قرارًا عمليًا يتماشى مع الواقع الراهن، وقال: "تنظيم الانتخابات في ظل عدم الاستقرار الأمني في الحسكة والرقة قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة، مما يعزز من الانقسامات بدلًا من توحيد البلاد". لكنه شدد على أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلًا، مضيفًا أن المرسوم الانتخابي المؤقت، على محدوديته، يمثل خطوة ضرورية لملء الفراغ التشريعي، غير أنه لا يعفي الدولة من مسؤولية إطلاق حوار سياسي يشارك فيه جميع الفاعلين، بما في ذلك قسد، بهدف الوصول إلى ضمانات حقيقية للتمثيل العادل. وأكد أن أي تأخير طويل في إجراء الانتخابات "قد يقوض الشرعية السياسية للمجلس"، داعيًا إلى عقدها في أقرب فرصة حين تسمح الظروف الأمنية والسياسية.
أما الخبير القانوني عمر فشتوك، فاعتبر أن القرار يعكس "عجز الحكومة عن فرض سيادتها الكاملة على الأراضي السورية"، وهو ما يثير، برأيه، تساؤلات عميقة حول شرعية العملية الانتخابية برمتها. وأوضح لـ"الترا سوريا" أن المرسوم الانتخابي، الذي يمنح الرئيس صلاحية تعيين ثلث أعضاء المجلس، قد يُفهم على أنه وسيلة لتكريس هيمنة السلطة التنفيذية على الحياة التشريعية، مما يضعف مبدأ الفصل بين السلطات. وأضاف أن تجاهل وضع آليات قانونية واضحة تضمن مشاركة مناطق قسد في أي انتخابات قادمة يعني استمرار الأزمة، مشددًا على أن أي عملية انتخابية لا تراعي معايير الشفافية والنزاهة ستفقد مصداقيتها محليًا ودوليًا.
الخبير الحقوقي علي حمدي بدوره عبّر عن قلقه من التداعيات الحقوقية لقرار التأجيل، معتبرًا أنه قد يُقرأ بوصفه إقصاءً متعمدًا لمكونات أساسية في المجتمع السوري. وقال لـ"الترا سوريا": "إن استبعاد مناطق الحسكة والرقة والسويداء، التي تضم أقليات عرقية ودينية، يرسل إشارة سلبية حول التزام الحكومة بالتمثيل العادل". وأشار إلى أن قسد، رغم خلافاتها مع دمشق، تحاول بناء نموذج حكم ديمقراطي لا مركزي، وبالتالي فإن تعطيل الانتخابات من دون بدائل واضحة لن يؤدي سوى إلى تعزيز شعور التهميش بين سكان هذه المناطق. واقترح حمدي أن يتم تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة وقسد ومنظمات حقوقية محلية، لوضع خارطة طريق تتيح إجراء الانتخابات قريبًا، بما يضمن مشاركة الجميع ويعيد الثقة بالعملية السياسية.
من جهته، رأى منصور حمادي، الباحث في القانون، أن للتأجيل مبررات أمنية لا يمكن إنكارها، لكنه حذّر في حديثه لـ"الترا سوريا" من أن استمرار هذا النهج قد يحمل مخاطر سياسية بعيدة المدى. وقال: "إن تأجيل الانتخابات قد يعزز الانطباع بأن الحكومة غير جادة في تحقيق المصالحة الوطنية"، مشيرًا إلى أن المرسوم الانتخابي المؤقت يفتقر أصلًا إلى آليات واضحة لضمان مشاركة النازحين واللاجئين، وهو ما يقلص من تمثيلية المجلس المنتخب. واعتبر أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب تبني نهج شامل يقوم على حوار وطني واسع يضم قسد وممثلي السويداء، مع وضع جدول زمني واضح لإجراء الانتخابات، بما يضمن مشاركة كل السوريين من دون استثناء.
وعند النظر إلى المشهد العام، يتضح أن قرار التأجيل لم يكن مجرد إجراء إداري، بل محطة تكشف عمق التحديات التي تواجهها الحكومة الانتقالية في سعيها لإعادة بناء شرعية سياسية موحدة. فبينما ترى السلطات أن التأجيل ضرورة مؤقتة لحماية العملية الانتخابية من الفشل أو التلاعب، ترى أطراف أخرى أنه مؤشر على نية إقصاء مكونات رئيسية من المجتمع السوري. ويضاف إلى ذلك البعد الإقليمي، إذ أثارت التطورات في السويداء، خصوصًا الحديث عن تدخلات خارجية بحجة حماية الدروز، مخاوف من أن تتحول هذه الملفات إلى أوراق بيد قوى إقليمية ودولية تسعى للتأثير على الداخل السوري.
في المحصلة، يظل قرار تأجيل الانتخابات البرلمانية في الحسكة والرقة والسويداء قرارًا معقدًا يوازن بين ضرورات الأمن ومخاطر الإقصاء السياسي. الخبراء الذين تحدثوا إلى "الترا سوريا" انقسموا بين من يرى فيه خطوة اضطرارية لتفادي تفكك العملية الانتخابية، ومن يعتبره عاملًا مقوضًا للشرعية والتمثيل. غير أن القاسم المشترك في آراء الجميع كان التأكيد على ضرورة إطلاق حوار وطني شامل، يضمن مشاركة مختلف الأطراف السورية في تقرير مستقبل البلاد، وإيجاد حلول عاجلة للتحديات الأمنية والسياسية التي تعيق إجراء انتخابات شاملة ونزيهة.
الكلمات المفتاحية
في ظل التصعيد الإقليمي: هل تمتد الحرب إلى الساحة السورية؟
مع تصاعد حدة الحرب الإقليمية، باتت الأنظار موجهة إلى الساحة السورية وكيفية استجابتها للتطورات
سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي
تبدو سوريا آمنة وسط الحرب الدائرة في المنطقة اليوم، غير أن كثيرين يرون أنه أمان مؤقت، مؤكدين أن سوريا، مثل بقية دول المنطقة، هي في قلب العاصفة
مداخلة أميركية ومساع لإعادة الحوار بين دمشق والسويداء
شكلت عملية تبادل الموقوفين في محافظة السويداء بين السلطات السورية، وقوات الحرس الوطني التابعة للشيخ حكمت الهجري، خطوة أولى في مسار التنسيق الأمني بين الطرفين
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026