تأخّر الأمطار وارتفاع التكاليف يهدّدان الموسم الزراعي في ريف حماة
18 ديسمبر 2025
يعيش المزارعون في ريف حماة حالة من الترقّب والقلق مع بداية الموسم الزراعي الشتوي، في ظل تأخّر هطول الأمطار واعتماد المنطقة شبه الكامل على الزراعة البعلية. ومع الظروف الاقتصادية الخانقة والارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، أصبح الموسم الحالي واحدًا من أكثر المواسم غموضًا بالنسبة للفلاحين، الذين يترقّبون كلّ قطرة مطر لتحديد قرارهم النهائي بين الحراثة أو العزوف عن الزراعة.
بين الأزمة المناخية والتكاليف المرتفعة
ويعتمد معظم المزارعين في ريف حماة الشمالي على الزراعة البعلية ومياه الأمطار، فيما لا تزال الذكريات القاسية لموسم العام الماضي حاضرة في أذهان كثيرين منهم، إذ تسبّبت قلّة الهطولات والجفاف بخسائر كبيرة في محاصيل القمح والشعير وغيرها، ما أدّى إلى تراجع دخل عدد كبير من الأسر الزراعية.
ومع غياب أي ضمانات هذا العام، يخشى الفلاحون تكرار السيناريو ذاته، الأمر الذي دفع نسبة واسعة منهم إلى تأجيل أعمالهم الزراعية ريثما تتّضح الظروف المناخية، ولا سيما في ظل معاناة ريف حماة من هطولات مطرية عشوائية ومتقطّعة في موسم يوصف بالاضطراب المطري.
وإلى جانب العامل المناخي، تُشكّل التكاليف المادية المرتفعة عبئًا كبيرًا على المزارعين، إذ ارتفعت أسعار الحراثة والبذار والأسمدة والمحروقات، ما جعل كلفة تجهيز الدونم الواحد تصل في بعض المناطق إلى مبالغ تفوق قدرة المزارعين على التحمّل. وفي مواجهة هذه الظروف، لجأ كثير من الأهالي إلى تأجير أراضيهم بدل الدخول في موسم محفوف بالمخاطر، حيث تتراوح أسعار إيجار الدونم بين 25 و35 دولارًا، تبعًا لموقع الأرض وجودة تربتها.
بين انتظار الأمطار ومراقبة ارتفاع التكاليف، يقف المزارعون أمام موسم حساس، فيما يبقى مستقبل الزراعة في المنطقة مرتبطًا بما تجود به السماء
ويبلغ أجر حراثة الدونم نحو 3 دولارات، وأجرة بذر الدونم 3 دولارات، فيما تصل كلفة رشّ كيس السماد إلى نحو دولارين، وهي تكاليف تُعدّ مرتفعة قياسًا بالوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه المزارعون، رغم انخفاض أسعار المحروقات. كما تصل كلفة ساعة مياه السقي إلى نحو 12 دولارًا، وهو سعر مرتفع يُصعّب زراعة الخضروات في ريف حماة.
تُزرع في ريف حماة العديد من أصناف الخضروات، من بينها البندورة والخيار وغيرها من المحاصيل، التي تغطّي قسمًا كبيرًا من احتياجات السوق في ريف حماة ومدينة حماة وريف إدلب الجنوبي. غير أن هذه الزراعات تصطدم بارتفاع أسعار الأدوية الزراعية، التي وصلت إلى مستويات مرتفعة نتيجة استيرادها وازدياد تكاليفها.
"القرض الحسن" لمواجهة الأزمة
في إطار الدعم المقدّم من الحكومة الجديدة، أعلنت وزارة الزراعة تمديد فترة تقديم طلبات "وثيقة التنظيم الزراعي" وإجراء الكشف الحسّي للتسجيل على "القرض الحسن" حتى يوم 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري. وأشارت الوزارة، في إعلان رسمي، إلى أن القرض يشمل بذار القمح والأسمدة الآزوتية والفوسفاتية، على أن يتم التسجيل عليه عبر الدوائر الزراعية والوحدات الإرشادية.
ويأتي هذا القرار بعد إطلاق الوزارة، في 16 تشرين الثاني الماضي، مشروع القرض الحسن لدعم مزارعي القمح، عبر تقديم قروض بلا فوائد تُسدّد بعد نهاية الموسم، بهدف دعم الأمن الغذائي وتخفيف الأعباء عن الفلاحين.
وقد استفاد عدد من المزارعين في ريف حماة ومدينة حماة من هذا الدعم، من بينهم محمد الأعرج، من بلدة كفرزيتا في ريف حماة الشمالي، الذي حصل على كميات من السماد وبذار القمح مكّنته من البدء بزراعته رغم ضيق الحال. وقال لموقع "الترا سوريا": "هذه خطوة جيدة في سبيل دعم المزارعين وتعزيز الزراعة، وبدون هذا القرض كان من الصعب تجهيز الأرض. منطقتنا زراعية بامتياز، واستغلال المساحات القابلة للزراعة يساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب في سوريا".
كما استفاد خالد الجبيلي من بلدة حلفايا، الذي تحدّث عن خسارته الكبيرة في الموسم الماضي نتيجة الزراعة البعلية وتقلبات المناخ التي أدّت إلى جفاف المحصول بالكامل. وقال: "كانت السنة الماضية من أصعب السنوات، إذ خسرنا تعب أشهر كاملة بسبب قلّة الأمطار والتقلّبات المناخية. وأضاف: "القرض الحسن هذا العام خفّف عنا جزءًا مهمًا من تكاليف الإنتاج، وساعدنا على بدء الموسم من جديد بدل التوجّه إلى تأجير الأرض"، لافتًا إلى استفادة مئات المزارعين من هذا القرض على امتداد ريف حماة.
الحاجة ما تزال كبيرة
ويرى العديد من المزارعين في ريف حماة أن مبادرة القرض الحسن أسهمت في تخفيف جزء من الضغوط، إلا أن الحاجة ما تزال كبيرة إلى توسيع برامج الدعم لتشمل جميع الفلاحين، ولا سيما في ظل ازدياد مخاطر الزراعة البعلية وتقلبات الطقس، إلى جانب حاجتهم إلى دعمهم بمواد زراعية أخرى مرتفعة التكاليف.
وتعاني أرياف إدلب وحماة، التي كانت تخضع لسيطرة النظام البائد، من ضعف واضح في معدلات هطول الأمطار، ويُعزى ذلك إلى قطع ملايين الأشجار في المنطقة، والتي كانت تسهم في استجلاب الأمطار ورفع مستويات الرطوبة في المناطق الزراعية.
وفي ظل هذه الظروف المتقلّبة، يأمل المزارعون بدعم حكومي أكبر يعيد للأراضي الزراعية خضرتها المعهودة في ريف حماة، ويمنحهم القدرة على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية التي باتت تهدّد استمرارية عملهم الزراعي.
وبين انتظار الأمطار ومراقبة ارتفاع التكاليف، يقف المزارعون أمام موسم حساس، فيما يبقى مستقبل الزراعة في المنطقة مرتبطًا بما تجود به السماء، وبمستوى الدعم الذي يستطيع الفلاحون الحصول عليه لحماية أراضيهم ومصدر رزقهم.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


