ultracheck
ثقافة وفنون

"تحت سماء دمشق" و"طريق البرتقال": السينما السورية تطرح أسئلتها في أيام قرطاج

23 ديسمبر 2025
أيام قرطاج السينمائية
الملصق الرسمي لفيلم "تحت سماء دمشق" (IMDB/الترا سوريا)
أليسا الحلبي
أليسا الحلبيكاتبة وناقدة سورية

تعتبر أيام قرطاج السينمائية أكثر من مجرد مهرجان لعرض الأفلام؛ إنها ظاهرة ثقافية عريقة وذاكرة حية للسينما العربية والإفريقية. منذ انطلاقها، شكلت هذه التظاهرة منصة فريدة تبتعد عن بريق السجاد الأحمر التجاري، لتركز بعمق على القضايا الإنسانية، الهوية، والنضال، ما جعلها "عميد المهرجانات" في القارة السمراء والمنطقة العربية.

تأسس المهرجان عام 1966، ليكون بذلك أول مهرجان سينمائي في إفريقيا والعالم العربي. وقفت خلف هذا المشروع قامة فكرية وثقافية كبيرة، هو الناقد والسينمائي التونسي الطاهر شريعة، الذي كان يؤمن بأن السينما ليست مجرد ترفيه، بل أداة للتحرر وبناء الوعي الوطني بعد الاستقلال.

كان الهدف الجوهري للمهرجان يكمن في خلق فضاء للحوار بين سينمائيي "الجنوب" (إفريقيا والعالم العربي) وكسر هيمنة السينما الغربية التجارية، مصرًا على أن يروي المخرج العربي والإفريقي قصته بعدسته الخاصة. وتميز المهرجان منذ بداياته بكونه "مهرجانًا مناضلًا"، يدعم سينما المؤلف والسينما المستقلة التي تطرح قضايا التحرر والعدالة الاجتماعية. يعطي المهرجان الأولوية للأفلام التي تطرح قضايا العدالة، الحرية، حقوق الإنسان، والقضية الفلسطينية التي تعتبر ثابتًا رئيسيًا في برمجة المهرجان.

تجدر الإشارة إلى أن فيلم "القصص" لأبو بكر شوقي قد حاز على جائزة التانيت الذهبي هذا العام، بينما شارك فيلمان من سوريا هما "تحت سماء دمشق" لطلال ديركي وهبة خالد وعلي وجيه، و"طريق البرتقال" لسامي فرح.

تحت سماء دمشق.. من تونس

تضمنت فعاليات المهرجان تظاهرة "السينما العربية الجديدة" التي تعرض مجموعة من الافلام التي رسخت في ذاكرة الجمهور، وحجزت لها مكانةً خاصةً في تاريخ السينما العربية، حيث مثّلت نقلة نوعية من حيث الشكل والمضمون، وكسرت قيود السائد، بحسب الإعلان الرسمي. ويشارك ضمنها العديد من الأفلام، منها الفيلم السوري "تحت سماء دمشق"، وذلك لأهميته وما له من أصداء في الأوساط الثقافية.

في فيلمه السابق "عن الآباء والأبناء"، غاص طلال ديركي في عقلية التطرف الديني، لكنه في فيلم "تحت سماء دمشق" (Under the Sky of Damascus)، بالشراكة مع زوجته المخرجة هبة خالد وشريكهما في الداخل السوري علي وجيه، يوجه العدسة نحو تطرف آخر لا يقل عنفًا، لكنه مسكوت عنه؛ العنف الاجتماعي الذي يضيق الخناق على نساء سوريا، حتى في الأوساط التي تدعي الثقافة والتحرر.

الفيلم ليس مجرد وثائقي يرصد معاناة، بل هو "فيلم داخل فيلم" يتحول فجأة إلى وثيقة إدانة صارخة، حيث تكسر الحقيقةُ السيناريو المرسوم، وتفرض واقعًا أقسى من أي خيال مسرحي. تبدو الكاميرا في البداية وكأنها ترافق رحلة "الشفاء عبر الفن". نرى النساء وهن يجرين مقابلات مع نساء أخريات في دمشق لجمع قصص حقيقية وتضمينها في المسرحية.

هنا، ينجح المخرجون في رسم لوحة بصرية قاتمة لدمشق. المدينة لا تظهر بآثار دمار الحرب التقليدية (القصف والركام) بقدر ما تظهر كمدينة "رمادية"، ممطرة، وكئيبة، تعكس حالة الاختناق النفسي. السماء فوق دمشق ليست صافية، بل ثقيلة وتطبق على أنفاس بطلات الفيلم.

صوت المنفى

من النقاط الفنية اللافتة هي آلية الإخراج. هبة خالد وطلال ديركي يديران العمل من برلين (لعدم قدرتهما على دخول سوريا)، بينما علي وجيه هو العين الموجودة في الميدان.

صوت هبة خالد في التعليق الصوتي (Voiceover) كان عنصرًا دراميًا حاسمًا. لم يكن مجرد سرد للأحداث، بل كان صوت "الناجية" وصوت "المنفى" الذي يشعر بالعجز والذنب. هذا الأسلوب خلق حوارًا بين "من في الداخل" (تحت الخطر) و"من في الخارج" (في الأمان الجسدي ولكن في العذاب النفسي)، ما أضاف طبقة شعورية عميقة للفيلم.

فيلم "تحت سماء دمشق" ليس فيلمًا عن الحرب بالمفهوم العسكري، بل هو فيلم عن "الحرب الصامتة" التي تشن على أجساد وأرواح النساء.

"طريق البرتقال".. استعادة الهوية عبر الصورة

على مقلب آخر، يأتي فيلم "طريق البرتقال" ليقدم معالجة سينمائية مغايرة تعتمد "بلاغة الصمت" وجماليات الصورة. وفي حديثه عن الفيلم، أوضح المخرج سامي فرح لـ"الترا سوريا" أن عنوان الفيلم يحمل دلالات عميقة تتجاوز الرمزية المباشرة. وأضاف: "البرتقال مرتبط بكساد الموسم في الريف السوري، وهو رمز لشيء كان بسيطًا وصار "هشًا ومهددًا"، بينما يمثل "الطريق" المسافة الموجعة بين ما نتذكره وما نعيشه الآن، بين براءة الطفولة وقسوة الواقع. هو طريق يحمل الذاكرة.

لا يتعامل فرح مع المكان كخلفية محايدة، بل كقوة تضغط على الشخصيات وتغير مصائرها. "القرية، المدينة، والطريق.. كلها تشارك في السرد بصمت وقسوة"، هكذا يصف المخرج رؤيته للمكان الذي يتحول إلى ذاكرة مفتوحة تؤثر في الأبطال أكثر مما يؤثرون فيها.

بينما على صعيد الإنتاج والتحديات التي رافقت مسيرة العمل، كشف فرح أن رحلة الفيلم استغرقت سنتين، واجه خلالها فريق العمل عقبات إنتاجية هائلة، حيث كان الإنتاج "شخصيًا تمامًا" وبأدوات تقنية بسيطة. ويؤكد فرح بمرارة واقعية: "الإنتاج بإمكانيات جيدة ليس رفاهية بل ضرورة..". والواقع أن صناعة أفلام ذات قيمة فكرية وثقافية عالية في ظل الظروف الإنتاجية الراهنة تشكل تحد كبير، وفي بعض الأحيان عائق أمام اكتمال العمل؛ وهنا يذكر فرح أن التحدي الأكبر يكمن في الاستمرار في العمل الفني دون أن تفقد صوتك وهويتك المتفردة.

ورغم أن الفيلم ينطلق من بيئة محلية سورية جدًا، إلا أن فرح سعى للغة إنسانية تتخطى الحدود، مؤمنًا بأن مشاعر الفقد والخوف لا تحتاج لترجمة، وأن الصدق مع المكان هو أقصر طريق للوصول إلى العالم.

وعن عرض فيلمه في تونس ضمن مهرجان أيام قرطاج السينمائية، رأى سامي فرح أنهه يُشكل شرفًا ومسؤولية كبيرة، وذلك لكون الجمهور التونسي مثقف ولا يكتفي بالمشاهدة بل يحاور الفيلم ويناقشه بعمق، ويذكر أيضًا "كنت سعيدًا لرؤية تفاعل الجمهور مع الفيلم وأشعر بامتنان حقيقي لوجوده في قرطاج".

يترك الفيلم مشاهديه أمام سؤال وجودي حارق: "ماذا نفعل حين تُسرق طفولتنا قبل أن نفهم العالم؟"، هذا التساؤل هو ما يجعل سينما فرح "لا تطمئن المشاهد بل ترافقه طويلًا".

السينما كذاكرة جماعية

إن الربط بين عراقة أيام قرطاج وبين هذه النماذج السينمائية، يكشف أن الفيلم العربي لا يزال يمتلك القدرة على المواجهة. وبينما شارك فرح في برنامج "Meet the Talent" بقرطاج لتطوير فيلمه الروائي الطويل الأول، فإنه يؤكد استمرار جيل جديد من السينمائيين في سلك مسارات إنسانية تروي قصصًا تشبه الواقع.

لقد أثبتت هذه الأعمال أن السينما الحقيقية هي تلك التي تظل وفية لمنطلقاتها الأولى: أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم، وذاكرة حية لبيارات البرتقال التي ترفض النسيان، وسماءً تجمع بين أوجاع دمشق وأحلام قرطاج.

تظل أيام قرطاج السينمائية موعدًا ثقافيًا راسخًا، يجمع بين عراقة التاريخ وحداثة الصورة. ورغم التحديات التي واجهتها عبر العقود، إلا أنها حافظت على هويتها كمنبر "لصوت من لا صوت لهم"، وفضاء يحتفي بالإنسان وقضاياه من خلال العدسة، مؤكدة في كل دورة أن تونس ستظل عاصمة دائمة للثقافة والإبداع.

الكلمات المفتاحية

الفرات

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية

خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات


معرض الكتاب

بطلب من بغداد: دمشق تمنع عرض كتاب يضم خطب الزرقاوي في معرض الكتاب

أفادت وكالة "رويترز" بأن الحكومة السورية منعت عرض كتاب مرتبط بـ"تنظيم القاعدة" في معرض الكتاب بدمشق، عقب طلب تقدّمت به بغداد


كوميديا سورية

من "دريد ونهاد" إلى "أسعد وجودة": تطور الثنائيات الكوميدية في الدراما السورية

حظيت الثنائيات الكوميدية في الأعمال الدرامية السورية بنجاح وانتشار واسعين على المستويين المحلي والعربي


 لوتس مسعود

حوار | لوتس مسعود: مسار خاص بعيدًا عن نجومية العائلة وبوصلة متجهة نحو الناس

في هذه المقابلة، نغوص في رؤية لوتس مسعود للإعلام، وعلاقتها بالمسرح، وكيف استطاعت أن تصنع هويتها الخاصة خارج القوالب الجاهزة

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

وزارة الطوارئ تحذّر من ارتفاع منسوب نهر العاصي بعد الهطولات المطرية


2
مجتمع واقتصاد

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث


3
قول

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية


4
أخبار

الأمطار الغزيرة تُغرق أكثر من عشرة مخيمات للنازحين في إدلب


5
ثقافة وفنون

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية


advert