ultracheck
سياسة

تحوّلات استراتيجية.. كيف أدى سقوط النظام إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا

15 ديسمبر 2025
قاعدة التنف
قوات أميركية في محيط قاعدة التنف (مواقع التواصل)
عزيز موسى
عزيز موسىباحث وكاتب صحافي سوري

شكّل سقوط النظام السوري سلسلة من التحولات في خرائط النفوذ الجيوسياسية، كما لو أن المنطقة تعيد ترتيب بوصلة توزيع القوى من جديد، وبينما كانت موسكو وطهران تتراجعان عن مواقع بدا لسنوات أنها راسخة، تقدّمت واشنطن إلى الواجهة بحسابات أكثر هدوءًا، مدعومة بشبكة تفاهمات عربية وإقليمية تحاول الإمساك بخيوط مرحلة ما بعد الصراع.

ومع انكشاف هشاشة التحالفات برزت قراءة مختلفة لتطورات المشهد، إذ لم تعد سوريا ساحة صراع تقليدي بل مختبرًا مفتوحًا لإعادة هندسة النفوذ في الشرق الأوسط بين القوى الدولية، إذ يبحث الفاعلون المحليون عن توازن جديد، واللاعبون الإقليميون يصوغون استراتيجياتهم على إيقاع متغيرات سريعة تحمل في طياتها وعودًا بالإصلاح كما تحمل احتمالات الارتباك.

تحوّلات استراتيجية

أدى سقوط النظام لإعادة تشكيل خارطة النفوذ المحلية والإقليمية بشكل واسع، نتيجة مجموعة من التحولات الكبيرة كان أبرزها تراجع الدورين الروسي والإيراني في سوريا وتفكك البنى الأمنية والسياسية التي كانت سائدة سابقاً، مقابل صعود مقاربات أكثر انفتاحاً بالاتجاه نحو الولايات المتحدة وتحقيق التوازن.

ترى الأستاذة الجامعية والإعلامية، د. انتصار الدنان، أن إعادة تشكيل توازنات النفوذ في سوريا بعد سقوط النظام جاءت ضمن معادلة معقدة، تحكمها ديناميات متشابكة داخلية وخارجية، فالمشهد لم يتغير بفعل حدث واحد بل بفعل ثلاثة مسارات متوازية أعادت توزيع الأدوار ورسم حدود التأثير، أول هذه المسارات هو الفراغ الاستراتيجي الذي تركته مرحلة الانتقال، إذ انهارت الهياكل التي طالما بنت عليها موسكو وطهران نفوذهما السياسي والعسكري، فقدت العاصمتان العمق الذي كان يمنح وجودهما في سوريا معنى سياسيًا ومنصة نفوذ قابلة للاستدامة، أما المسار الثاني فيتعلق بـ محدودية القدرة الروسية الإيرانية على الحفاظ على نفوذ بلا شريك محلي موثوق، إذ أن روسيا وإيران كانتا طوال سنوات الصراع على تحالف وثيق مع شبكات سياسية وأمنية داخل النظام السابق، ومع سقوط هذه الشبكات أو تفككها تراجع الدوران إلى موقع الدفاع عن مكتسبات، بدل القدرة على صناعة مسار سياسي جديد، إذ أن تأثير النفوذ الخارجي يحتاج دائماً إلى قاعدة محلية مستقرّة، وهو ما بات مفقودًا في المرحلة الحالية.

أما المسار الثالث فتمثّل في تزايد الحاجة الإقليمية والدولية إلى دور أميركي ضامن للاستقرار وإعادة البناء، ومع مرور الوقت تزايد إدراك العواصم الإقليمية بأن واشنطن وحدها تملك أدوات الضغط، والقدرة على التواصل المتوازن مع الأطراف كافة، وقد انعكس ذلك في مقاربات سياسية جديدة ليست قائمة على الانحياز بل على محاولة بناء شراكات مستدامة يمكن أن تعيد الهيكلة الأمنية والاقتصادية للدولة وتفتح الباب أمام عودة تدريجية للاستقرار.

يعتقد الناشط السياسي أحمد عبد الرزاق أن إعادة تشكيل توازنات القوة في سوريا بعد سقوط النظام كان نتاج إعادة ضبط شاملة لطبيعة التدخل الدولي نفسه، فالتبدّل الأكبر لم يأت من فراغ أو تفكك شبكات نفوذ بل من تغيّر الأولويات لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد جديد يتطلّب أدوات مختلفة، كما إن دور موسكو وطهران لم يتراجع بسبب غياب الشركاء المحليين فقط، بل لأن كليهما وجد نفسه أمام تكلفة سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة لا يمكن تحملها في ظل التطورات المتسارعة في المنطقة سواء بالنسبة لأوكرانيا أو غيرها، أما بالنسبة للدور الأميركي فلم يأت من فراغ بل من حقيقة أن واشنطن استطاعت في لحظة ارتباك شامل وفي ظل تأثيرها، أن تقدّم نفسها بوصفها الجهة القادرة على تنظيم شبكة مصالح إقليمية ودولية حول هدف واحد هو منع انهيار الدولة وتحوّل سوريا إلى ساحة تنافس مفتوح بلا قواعد، هذا الدور جاء أقل اندفاعًا وأكثر براغماتية.

إعادة تشكيل الخرائط

شملت التحولات المتسارعة إعادة ترتيب دقيق لخرائط النفوذ بوصفها ساحة جيوسياسية هامة، تصاعد فيها الدور الأميركي والخليجي والتركي على حساب تراجع أدوار أخرى، إذ ترى د. الدنان، أن التحول الذي تمثّل بتراجع نفوذ موسكو وطهران، مقابل صعود مقاربات أكثر انفتاحًا على الولايات المتحدة، بوصفها الفاعل الأقدر على إدارة مرحلة ما بعد الصراع لا يمكن اختزاله في مجرد تبدّل خارجي، بل يعكس تغيّرًا استراتيجيًا عميقًا في مواقف القوى المحلية والإقليمية، حيث يبدو المشهد الآن متحركًا من محور روسي ــ إيراني تقليدي إلى محور جديد يقوم على واشنطن وتفاهمات عربية ــ إقليمية مشتركة، تؤطر العمل السياسي والأمني.

كما أن سوريا لم تعد ساحة لتأثير طرف واحد، بل أصبحت محورًا لتشابك متعدد الأطراف يقوم على أربعة عناصر أساسية، تعاون أمني مشروط من خلال ترتيب أمني محلي يخدم الاستقرار دون التفريط بمصالحها الإقليمية، مع إشراك فاعلين محليين لضمان توازن القوى الداخلية وتجنّب الاحتكار لأي طرف، إعادة بناء مؤسسات الدولة، تنسيق إقليمي واسع بخلق شبكة توازن إقليمي تمنع انزلاق الوضع السوري إلى صراع مفتوح، وتضمن تقاطع مصالح الأطراف كافة، وتحقيق توازن داخلي دقيق بين الفاعلين المحليين مع مراعاة المصالح المجتمعية المتنوعة وحقائق النفوذ المحلي التي تشكل العمود الفقري للمرحلة الانتقالية.

من جانبه يشير عبد الرزاق، إلى أن التحولات لا تنحصر في مجرد تبدّل خارجي للقوى الكبرى، بل تتأثر أيضًا بعوامل محلية داخلية وإقليمية متعددة، لا سيما أن سوريا ما زالت تشهد تشتتًا داخليًا واضحًا بين القوى السياسية والعسكرية، وتباينًا في الولاءات المحلية والإقليمية، وهو ما يقلل من قدرة أي طرف خارجي على فرض إرادته بشكل كامل، إذ تظهر المؤشرات أن المرحلة الراهنة تعكس صراعًا متعدد المستويات بين الأطراف، حيث تعمل كل جهة على تعزيز نفوذها وفق معايير الأمن والسياسة والاقتصاد، كما أن التركيز على الولايات المتحدة كفاعل رئيسي قد يغفل الدور المستمر للعوامل الإقليمية الأخرى، مثل القوى الإقليمية (تركيا، إسرائيل، السعودية)، التي تواصل الموازنة بين مصالحها في سوريا وما حولها.

سوريا في قلب إعادة ترتيب المشرق

تؤكد د. الدنان، أن التطورات الأخيرة هي  بداية مسار سياسي ــ أمني جديد في المشرق قد يحدد شكل الإقليم لعقود مقبلة، كما أن التحولات الجارية ستؤثر على مستقبل سوريا على مستوى إعادة بناء الدولة، ومعادلات التشبيك الأمني الجديدة، ومدى إمكانية تحقيق التوازن الداخلي بين المكونات، إضافة إلى تكريس خرائط نفوذ إقليمي ودول جديدة بتراجع الدورين الروسي والإيراني، وصعود محور عربي- أمريكي وإمكانية التوصل إلى تفاهمات جديدة مع تركيا وإسرائيل هذا بدوره قد يعزز فرص الاستقرار، كما تتضمن هذه المرحلة تفاهمات جديدة حول الأمن الإقليمي وملفات الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة، في مؤشر على أن أي إعادة ترتيب للمشهد لن تقتصر على القوى التقليدية، بل ستمتد إلى اللاعبين الجدد الذين يملكون القدرة على التأثير المباشر وغير المباشر على الأرض.

وتشير التغيرات إلى تحول جذري في طبيعة التحالفات الإقليمية، من محاور قائمة على الأيديولوجيا والتنافس التاريخي إلى تحالفات براغماتية تستند إلى الأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية المشتركة، هذه التفاعلات قد تؤسس لمرحلة جديدة في الإقليم تكون سوريا في محورها، إذ تصبح مصالح الاستقرار وإعادة الإعمار والاقتصاد المشترك عوامل رئيسة في رسم خارطة التحالفات بدلًا من الانقسامات الأيديولوجية التقليدية.

الكلمات المفتاحية

مقاتل من فصائل المعارضة يطلق النار على صورة للأسد المعلّقة على واجهة مبنى محافظة حماة.

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه

ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024


التحالف الدولي

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟

عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية


خارطة الطريق

"خارطة الطريق" وخيارات السويداء بعد طي ملف "قسد"

أسهمت العمليات العسكرية في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء


الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك

المقاربة الأميركية في سوريا وإدارة التوازنات التركية – الإسرائيلية

دعمت الولايات المتحدة الحكومة في إعادة السيطرة المركزية على الجغرافيا السورية منذ تصاعد حدة المعارك في الشيخ مقصود والأشرفية

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


2
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


3
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


4
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


5
أخبار

السيول تغرق عشرات المخيمات وتضرر مئات العائلات في ريفي إدلب واللاذقية


advert