ultracheck
مجتمع واقتصاد

تربية النحل في ريف إدلب.. جفاف قاسٍ وغياب للدعم يهددان مهنة عمرها قرون

14 نوفمبر 2025
تربية النحل
جفاف قاسٍ وغياب للدعم يهددان مهنة تربية النحل (سانا/الترا سوريا)
عبدالعزيز عنان
عبدالعزيز عنان ناشط سياسي

يواجه مربو النحل في شمال سوريا واحدة من أقسى المراحل التي مرّت بها مهنتهم منذ عقود، إذ تحوّلت تربية النحل من مصدر رزق موروث إلى عبء ثقيل نتيجة الجفاف وقلة الأمطار وغياب النباتات الرحيقية. وقد أدى هذا الواقع إلى انهيار كبير في الإنتاج وارتفاع ملموس في التكاليف، ما دفع العديد من المربين إلى بيع خلاياهم أو تصديرها خارج البلاد، في محاولة للتخفيف من الخسائر المتراكمة.

ومع أن تربية النحل شكّلت في السنوات الماضية رمزًا للعطاء والبركة، إلا أنها اليوم تواجه خطرًا حقيقيًا بالانقراض في ظل الظروف المناخية القاسية وغياب الدعم المؤسساتي. كما تشهد سوريا تراجعًا ملحوظًا في أعداد الخلايا وانخفاضًا حادًا في الإنتاج، إلى حد باتت معه السوق المحلية تعتمد على استيراد العسل الباكستاني وغيره من الأنواع الأجنبية لتعويض النقص المتزايد.

بانتظار الطبيعة لمنح فرصة جديدة

لا تقتصر الأزمة على الخسائر الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتطال نسيج العائلات التي اعتمدت على تربية النحل كمصدر رزق أساسي. تقول أم خالد، زوجة أحد المربين، لموقع "الترا سوريا": "كنا ننتظر موسم العسل لنشتري الحاجات الأساسية، أما اليوم فأصبحنا ننتظر المطر بدل العسل".

وأضافت: "الجفاف أوقف كل شيء، وحتى أولادنا الذين كانوا يساعدون والدهم في العمل تركوا المهنة لأنها لم تعد تجلب دخلًا". وأشارت إلى أن "بعض الأسر التي فقدت خلاياها بالكامل لجأت إلى أعمال موسمية أو زراعات بديلة لضمان الحد الأدنى من الدخل، في حين بقيت أسر أخرى متمسكة بالأمل، تنتظر أن تعود الطبيعة لتمنحها فرصة جديدة".

أما محمد الإبراهيم، أحد مربي النحل في ريف إدلب الغربي، فيقول لـ"الترا سوريا" إن الوضع بات غير مسبوق: "خلال عام 2018 كنت أستخرج ما يقارب 25 كيلوغرامًا من الخلية الواحدة، بينما هذا العام لم أتجاوز سبعة كيلوغرامات، رغم أني حافظت على العدد نفسه من الخلايا والأسلوب ذاته من العناية"، مؤكدًا أن "النحل اليوم يضعف بسرعة لأنه لا يجد ما يتغذى عليه في الطبيعة".

ويضيف الإبراهيم: "اضطررت إلى إطعام النحل بمحلول السكر والماء، وهو أمر مكلف جدًا يستهلك نصف الأرباح، حتى باتت المهنة بلا جدوى اقتصادية تقريبًا". وتابع قائلًا: "لم أشهد وضعًا كهذا في حياتي، الطبيعة تغيّرت بالكامل. كنا ننتقل بالنحل من الجبال إلى السهول حسب الموسم، أما الآن فحتى التنقل لم يعد يجدي لأن الأزهار قليلة في كل مكان. مهنة تربية النحل مهددة بالانقراض والاندثار في قادم السنوات في سوريا".

من جانبه، يقول علي الدغيم، وهو مربي من ريف إدلب الجنوبي، إن الدعم غاب بالكامل خلال السنوات الأخيرة. وأضاف: "تلقينا في عام 2021 بعض المواد من منظمة زراعية، لكن بعد ذلك انقطعت المساعدات تمامًا". ولفت إلى أنه "اليوم لا توجد أي جهة تسأل عن حالنا، رغم أن المهنة تشغّل مئات الأسر. كنت أملك 45 خلية نحل تُنتِج العسل الفاخر، واليوم وبعد تردّي الأوضاع أملك خليتين فقط".

وأشار الدغيم إلى أنه "رغم القسوة التي تمر بها المهنة ما زال الأمل قائمًا لدى بعض المربين بأن تحمل المواسم القادمة أمطارًا تعيد التوازن للطبيعة"، موضحًا أن "النحل مخلوق حساس ومبارك، إذ ينتج في سوريا عسلًا ذا نوعية جيدة وسعره مقبول جدًا مقارنة بالبلدان الأخرى".

ولفت إلى أنه "إذا عاد المطر وعادت الأزهار فستعود الحياة وينشط النحل". وأكد أنهم لا يطالبون بالكثير، ملخصًا ذلك بتوفير "بيئة طبيعية ودعمًا بسيطًا لنستمر". وذكّر الدغيم في حديثه بأن "النحل تضرّر كثيرًا بفعل قصف النظام السابق وتأثّره بالمواد الكيماوية التي استخدمها سابقًا، مما أدى إلى موت ملايين النحلات".

انتشار العسل المغشوش

ويتراوح سعر كيلو العسل الصافي في الأسواق بين 10 و12 دولارًا أميركيًا، مقابل انتشار العسل المغشوش الذي يُباع بأسعار تتراوح بين خمسة وسبعة دولارات، وهي ظاهرة آخذة بالاتساع نتيجة هجرة النحل وتراجع إنتاج العسل الطبيعي. ووفقًا لتقديرات غير رسمية صادرة عن جمعيات نحّالين محلية، فقدت المنطقة خلال العامين الأخيرين أكثر من 40% من خلايا النحل، وذلك بفعل الجفاف والأمراض وضعف المراعي.

ويشكل هذا التراجع، كما يؤكد المربّون، تهديدًا حقيقيًا لاستمرار المهنة التي ارتبطت منذ قرون بالبيئة الجبلية الغنية بالأزهار البرية. وتشير المقارنات بين المواسم الماضية والحالية إلى تراجع واضح في الإنتاج؛ ففي موسم عام 2017 مثلًا، كانت الأمطار الغزيرة تغذي المراعي الطبيعية وتوفّر للنحل تنوعًا غذائيًا غنيًا، الأمر الذي أسهم في إنتاج عسل عالي الجودة وبكميات وفيرة.

أما اليوم، ومع شحّ الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، فقد انخفضت إنتاجية الخلية الواحدة إلى أقل من الثلث، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التغذية الصناعية بنسبة تجاوزت 60%. ويقدّر مربّون أن دخل الأسر العاملة في تربية النحل تراجع بأكثر من النصف خلال السنوات الخمس الماضية، ما دفع الكثيرين إلى ترك المهنة أو تقليص أعداد خلاياهم بشكل كبير.

الحاجة إلى برامج دعم مستمرة

ورغم جسامة الخسائر، فإن الدعم المقدّم لمربي النحل يكاد يكون معدومًا. فبحسب تصريحات صادرة عن مديرية الزراعة الحرة في إدلب عام 2022، كان من المفترض تنفيذ مشاريع لتزويد المربين بالسكر والأدوية البيطرية عبر منظمات محلية، إلا أن معظم هذه المشاريع توقفت لأسباب تمويلية. ويؤكد مختصون أن القطاع يحتاج إلى برامج دعم مستمرة، لا حملات موسمية، لأن النحّال يواجه صعوبات دائمة تتعلق بالتغذية والعلاج والتنقل وارتفاع أسعار الأدوية وندرة المراعي.

كما يؤكد مربّون أن الدعم الذي قدّمته بعض المنظمات اقتصر على توزيع كميات محدودة من المواد خلال موسم واحد فقط، من دون أي متابعة أو استمرارية. وفي المقابل، لم يصدر عن الجهات المحلية أو الحكومية أي برنامج واضح لدعم تربية النحل، رغم أن هذه المهنة تُعد جزءًا أساسيًا من الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي.

ويشير خبراء زراعيون إلى أن غياب الاستراتيجية الرسمية جعل المهنة تتراجع بلا حماية، فمعظم المربين يعتمدون على خبراتهم الشخصية من دون إرشاد أو دعم فني، فضلًا عن قلة خبرة المربين التي أسهمت في تراجع المهنة وضعفها.

تمرّ تربية النحل في مناطق الشمال بمرحلة حرجة تهدّد بزوال مهنة عريقة ضاربة الجذور في الريف السوري. فقد اجتمع الجفاف وغياب الدعم وتراجع الإنتاج ليحوّلوا هذه الحرفة التاريخية إلى ذكرى مهددة بالاندثار. ومع استمرار غياب البرامج الحقيقية من الجهات الرسمية والمنظمات، يبقى الأمل معلّقًا على رحمة السماء بأن تعود الأمطار وتزدهر المراعي، ليعود العسل مجددًا إلى موائد السوريين.

الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث

الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة


المناهج الدراسية

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك


زلزال شباط

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية

تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث


احتجاجات المعلمين

وصفت بأنها "إعادة قسرية".. احتجاجات تربوية في اللاذقية رفضًا لآلية تجديد العقود

شارك في احتجاجات اللاذقية مئات المعلمين والمعلمات مطالبين بإلغاء القرار الوزاري الذي يمهد لإنهاء خدماتهم بشكل غير مباشر

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
عدالة انتقالية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا


2
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


3
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


4
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


5
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


advert