ultracheck
ثقافة وفنون

تظاهرة "مسرح الغرفة" الثانية وإعادة تشكيل الفرجة البديلة بدمشق

13 يوليو 2026
مسرح الغرفة
البوستر الرسمي لتظاهرة "مسرح الغرفة" الثانية (مواقع التواصل/الترا سوريا)
أليسا الحلبي
أليسا الحلبي كاتبة وناقدة سورية

تبحث العاصمة السورية دمشق اليوم عن هويتها الفنية مجددًا بعد سنوات طويلة من التمزق والرماد الثقافي. وفي هذا المناخ الاستثنائي المفعم بمحاولات التعافي التدريجي، تعود تجربة "مسرح الغرفة" للأخوين أحمد ومحمد ملص لتطرح نفسها كعلامة فارقة ومتمردة في تاريخ المسرح السوري المستقل.

هذه التجربة التي بدأت برفض المعهد العالي للفنون المسرحية لتوأمين شغوفين، تحولت في غرفتهما الصغيرة بشارع العدوي عام 2010 إلى صيغة احتجاجية وجمالية على نمطية المؤسسة الرسمية وصرامة مقص الرقيب. واليوم، يستأنف هذا المسرح مسيرته بتنظيم تظاهرة مسرح الغرفة الثانية، التي تأتي كامتداد ناضج للدورة الأولى التي انطلقت عام 2010 بمشاركة خمسة عروض مسرحية قصيرة.

تأتي التظاهرة كخطوة جديدة لإحياء فكرة المسرح المستقل في الأمكنة البديلة، ومحاولة جادة لاستقطاب طاقات مسرحية شابة ترفض الانصياع لقوانين الخشبة الكلاسيكية وتصر على صناعة لحظتها الإبداعية بأدوات مجهرية متقشفة.

العودة إلى الجذور: سياق انبعاث مسرح الغرفة المستقل

لم تكن العودة إلى دمشق وإعادة افتتاح مسرح الغرفة مجرد قرار عابر، بل كانت مواجهة نفسية وإبداعية عميقة مع المكان والذاكرة. فبعد غياب دام أربعة عشر عامًا، انطوى على الفقد والترحال بين لبنان ومصر وفرنسا، عاد التوأم ملص ليجدا المنزل حاملًا تفاصيل الماضي في كل زاوية من زواياه.

من هنا، اكتسبت العودة لتقديم العروض المسرحية داخل هذا الحيز الحميم خصوصية عالية، تمزج بين الألم النفسي والتحفيز الإبداعي لإعادة بناء المشهد الثقافي السوري من الأسفل إلى الأعلى، بعيدًا عن الآليات البيروقراطية الرسمية. وتأتي التظاهرة الثانية لتؤكد أن مسرح الغرفة لم يكن مجرد جدران في شقة سكنية، بل هو فكرة ونهج فني مرن قادر على الانتقال والتجدد.

الفضاء اللعبي وشكل الفرجة: جماليات المسرح المجهري

يمثل الفضاء اللعبي لـ"مسرح الغرفة" مختبرًا سيميائيًا مكثفًا يفرض شروطه القاسية والمغرية في آن واحد على الممثل والمتلقي. في غرفة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربعة، يلغي العرض المسرحي تمامًا مفهوم الجدار الرابع الكلاسيكي. لا تفصل بين المتفرج والممثل سوى مسافة جسدية ضئيلة تتلاشى معها المسافة الجمالية المعتادة، ما يحول عملية التلقي إلى تجربة تشاركية وجدانية وحسية مباشرة.

هذا القرب المفرط يفرض على الممثلين التخلي عن المبالغات الأدائية والأدوات التعبيرية الضخمة التي تتطلبها الخشبات الكبيرة. هنا، يصبح الممثل مطالبًا بأداء دقيق للغاية، حيث تكتسب رفرفة جفن العين، ونبرة الصوت الخافتة، وتفاصيل حركة الجسد في المساحة المحدودة أهمية درامية قصوى لإيصال التوتر الداخلي للشخصية.

كذلك، يعاد تدوير الأثاث المنزلي المعتاد، كالكنبة الدمشقية البسيطة والإضاءة المنزلية الخافتة، لتنتزع من وظيفتها النفعية اليومية وتتحول إلى سينوغرافيا حية تنبض بالدلالات والظلال المرتسمة على جدران الغرفة. إنها فرجة بديلة تعيد للحدث المسرحي فطرته الأولى وطاقته الروحية البعيدة عن آلية الآلات الصامتة التي قد تصيب المسارح الرسمية أحيانًا.

شروط التظاهرة: لعبة السيميولوجيا وتحدي العناصر المشتركة

لم يترك الأخوان ملص عروض التظاهرة تسبح في عشوائية المضامين، بل وضعا لها شروطًا بنائية صارمة تهدف إلى خلق وحدة ناظمة للتظاهرة بأكملها. هذه الشروط التي وُضعت لبناتها الأولى في دورة عام 2010، تفرض ألا تتجاوز مدة العرض الواحد عشر دقائق، مع ضرورة إدماج مفردات بصرية أو لفظية أو حركية يحددها المشرفون على التظاهرة.

في التظاهرة الثانية، تم استخدام أدوات دلالية محددة مثل الصفعة والقبلة، أو استخدام سلاح وتوظيف وردة، في حالة تظهر جماليات التناقض. هذه المفردات والشروط الصارمة تخلق نوعًا من التحدي الإبداعي المشترك للمخرجين والممثلين؛ إذ يتعين عليهم تطويع هذه الإكسسوارات والأفعال الحركية قسرًا لخدمة نصوصهم، ما يشكل مادة مغرية وجاذبة للجمهور لمراقبة وتتبع كيفية توظيف هذه العناصر المشتركة بأشكال وقراءات جمالية متباينة بين عرض وآخر.

واليوم، تقدم التظاهرة خمسة عروض هي: أزبكية لندن (حسام جليلاتي ووئام إسماعيل)، تحت الهوا (سارة الطويل وحسام غزيل)، آخر نفس (محمد إيتوني وندى شعبان)، هارموني (ربى طعمة وسامر الزلم)، اللص الشريف (أحمد ومحمد ملص). وعلى الرغم من هذه القيود التقنية والزمنية القاسية، يحتفظ صناع العروض بحرية كاملة في التعاطي مع النصوص والمضامين الفكرية، ما يكرس استقلالية المسرح وحيويته.

"آخر نفس" لمحمد أيتوني: حوارية الضحايا وتفكيك الهويات

في قلب هذا المعترك التجريبي، قدم الفنان محمد أيتوني عرضه المسرحي القصير "آخر نفس"، وهو عمل ينبثق من وعي عميق بتبعات الصراع والصدمات النفسية المتراكمة. وأيتوني، الذي ارتبطت تجربته بمسرح الغرفة منذ مشاركته في الدورة الأولى عام 2010 بمسرحية "في انتظار غودو"، التي عُرضت في الغرفة ذاتها بالعدوي قبل الانتقال إلى مسرح القباني، يعود اليوم ليقدم رؤيته الخاصة تأليفًا وإخراجًا وأداءً.

في حديث الفنان محمد أيتوني لموقع "الترا سوريا" حول تفاصيل العرض، يوضح أن مسرحية "آخر نفس" تأسست من صراع داخلي وجودي عاشه أيتوني في خضم سنوات العنف والقصف المستمر. ويشير أيتوني إلى أن الفكرة بدأت بتساؤل افتراضي حول إمكانية جمع أطراف الصراع في فضاء مسرحي واحد بعد أن يلقى كلاهما حتفه في المعارك، لبحث ما يمكن أن يدور بينهما من حديث كضحايا مشتركة. وتطورت هذه الفكرة لاحقًا لتجمع بين طبيبة تشريح وضحية تعود للحياة لدقائق لتوصل صوتها قبل أن تعود للصمت الأبدي.

يتساءل العرض في فضائه البرزخي المظلم: على من يقع الحق؟ ومن المسؤول عن دماء الناس المهدورة؟ يركز العمل على سيكولوجية ما بعد "آخر نفس"؛ كيف يشعر المرء عندما يعود بعد الموت، وكيف يتملكه حزن عميق ولا مبالاة تجاه الحياة التي لم تعد تعني له شيئًا. ويطرح أيتوني عبر هذا الأداء الأسئلة الأكثر إيلامًا ورمزية: "لماذا مات هذا الإنسان؟ وهل القضية التي قُتل من أجلها تستحق التضحية حقًا، أم أنه كان مخدوعًا ومساقًا بلا وعي كامل؟".

لقد نجح العرض في تكثيف هذا الصراع الفلسفي المعقد في عشر دقائق، معتمدًا على التعبير الجسدي الهادئ والبنية الثنائية الشاحبة. ومع ذلك، يؤكد أيتوني أن إيصال مثل هذا الزخم الوجودي المتشعب يمثل تحديًا صعبًا في ظل قصر المدة الزمنية المتاحة، معربًا عن تطلعه لتطوير العرض وتوسيع بنيته الدرامية والجمالية ليصل إلى عرض متكامل، ليتسنى له التعبير عن هذه الأفكار بعمق أكبر وتفصيل أدق.

"اللص الشريف": الكوميديا كأداة للمواجهة الجمالية والاجتماعية

قدم الأخوان ملص عرضهما الخاص ضمن التظاهرة بعنوان "اللص الشريف". ويمثل العرض انزياحًا أسلوبيًا واعيًا نحو كوميديا الفارس (Farce)، لمقاربة تفاصيل الواقع السوري بطريقة ساخرة ومبتكرة.

تدور فكرة العمل حول لقاء مفاجئ يجمع بين ممثل ولص، ليتولد من هذا اللقاء غير المتوقع حوار مشحون بالمفارقات الهزلية والنقد الاجتماعي المبطن لمستجدات الحياة اليومية. ويأتي هذا الخيار الكوميدي كقرار مدروس لتخفيف حدة التراجيديا التي هيمنت على أعمالهما السابقة.

ومن خلال "اللص الشريف"، يبرهن الأخوان ملص على مرونة مسرح الغرفة وقدرته على استضافة تنوع أسلوبي وجمالي واسع؛ حيث تذوب الفوارق بين الكوميديا السوداء والتراجيديات الوجودية الشاحبة تحت سقف غرفة واحدة، ما يخلق توازنًا فرجويًا يمتص ثقل الواقع ويقدمه في قالب فني يمزج بين الابتسامة والوعي النقدي الجاد.

آفاق المستقبل المستقل وتحديات العبور إلى الجمهور الأوسع

لقد استطاعت تظاهرة "مسرح الغرفة" أن تعيد إحياء حركة المسرح المستقل في سوريا وتمنحها نفسًا جديدًا، وأن تعطي مساحة حرة للفنانين الشباب لإيصال صوتهم، محققةً صدىً رائعًا ووقعًا مؤثرًا لدى الجمهور المتعطش للفرجة المسرحية. ويعود هذا النجاح إلى طبيعة العروض التي لامست الذات الإنسانية لتعبر عن تطلع السوريين للتعافي وتجاوز جروح الماضي العميقة.

ومع ذلك، تواجه هذه التجربة تحديات لوجستية وفنية ترتبط بطبيعة الفضاء البديل نفسه؛ فصغر مساحة الغرفة حد من قدرة مئات المهتمين على حضور العروض ومتابعة التظاهرة. إنها موازنة صعبة بين جدران الغرفة التي تضيق، ورؤى المسرحيين التي تتسع لتشمل آفاقًا جمالية وإنسانية لا تعرف الحدود.

الكلمات المفتاحية

الشاعر السوري الراحل تمام هنيدي

وفاة الشاعر السوري تمام هنيدي في السويد بعد معاناة مع المرض

توفي، اليوم الخميس، الكاتب والشاعر السوري تمام هنيدي في مدينة مالمو السويدية، بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان


فرقة حاتم علي

خشبة تتسع لبلاد كاملة: مهرجان سوريا المسرحي يختبر لامركزية الفن

يختبر مهرجان سوريا المسرحي صيغة لامركزية تنقل العروض إلى المحافظات، كاشفًا طاقات الفرق المحلية وتحديات التمويل والبنية التحتية قبل احتفاليته المركزية في حلب مطلع أيلول/سبتمبر


سينمائيو روج آفا

السينما في الجزيرة السورية.. عقد من التجارب ومؤتمر يبحث عن مستقبل الصناعة

بعد أكثر من عقد على انطلاق التجارب السينمائية في شمال وشرق سوريا، يبحث سينمائيو المنطقة عن تجاوز تحديات التمويل والتدريب والتوزيع، عبر خطوات لتشكيل إطار مهني جامع ينظم القطاع ويدفع به نحو مرحلة أكثر استدامة


المكتبات السورية

أرصفة الفقد في دمشق: عندما أضحت المكتبات المنزلية حبل نجاة أخير

تتجلى إحدى أكثر الظواهر تعبيرًا عن انكسار الطبقة المتوسطة والنخبة الثقافية، حيث لم تعد المكتبة المنزلية السورية قادرة على الاحتفاظ بوجودها على جدران البيوت

حسام لوقا
عدالة انتقالية

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا

النفط العراقي
مجتمع واقتصاد

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الأمن الداخلي
أخبار

الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق

ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت

العنف الأسري
عدالة انتقالية

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره

الأكثر قراءة

1
أخبار

قتيلان و17 مصابًا.. خلاف عائلي يتحول إلى اشتباك مسلح في حمص


2
أخبار

بعد موجة من الجدل والانتقادات.. مديرية الآثار توضح حقيقة ما يجري في مهرجان "صيف دمشق"


3
أخبار

هيئة العدالة الانتقالية تدعو لتوثيق الانتهاكات المرتبطة بمحمد الشعار


4
أخبار

بعد مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية.. هيئة المنافذ والجمارك تتسلم مواقع تجارية في مرفأ طرطوس


5
أخبار

الهيئة العامة للطيران المدني تتسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي


advert