ultracheck
سياسة

تفاهمات سرية قد تُغيّر المشهد.. العشائر بوابة دمشق إلى حلب وشرق الفرات

13 يناير 2026
العشائر
حاولت الحكومة تفكيك نفوذ "قسد" من الداخل، عبر فتح قنوات مع عشائر عربية في صفوفها (مواقع التواصل)
أحمد العكلة
أحمد العكلةكاتب وصحافي سوري

كشفت مصادر متطابقة أن التطورات الأخيرة في مدينة حلب، ولا سيما في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، جاءت نتيجة مسار طويل من التنسيق العشائري، سبق الدخول العسكري للجيش السوري، ويمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من المدينة، وصولًا إلى مناطق شرق الفرات.

وبحسب مصدر عسكري مطّلع لموقع "الترا سوريا"، فإن الحكومة السورية اعتمدت خلال الأشهر الماضية مقاربة تقوم على تفكيك نفوذ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) من الداخل، عبر فتح قنوات تواصل مباشرة مع عشائر عربية تنضوي ضمن صفوفها، ما أسهم في تقليص احتمالات المواجهة العسكرية الواسعة داخل حلب.

وأوضح المصدر أن ريف حلب الشرقي وسد تشرين باتا على رأس أولويات المرحلة المقبلة، في ظل ما وصفه بـ"النجاح النسبي" للتجربة العشائرية داخل المدينة، مشيرًا إلى أن هذا النموذج مرشح للتكرار في مناطق أخرى، ولا سيما شرق الفرات، حيث تلعب العشائر دورًا حاسمًا في إعادة رسم خريطة السيطرة.

البكارة في الواجهة

في السياق نفسه، كشف مصدر سوري مطّلع لموقع "الترا سوريا" في حلب عن تنسيقات سرية جرت منذ نحو شهر بين شخصيات عشائرية فاعلة داخل حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، وبين جهات رسمية في دمشق، لافتًا إلى مجموعات من أبناء عشيرة البكارة كانت منخرطة سابقًا ضمن صفوف "قسد" منذ عام 2012.

وأضاف المصدر أن عددًا من هذه الشخصيات يتواجد حاليًا في دمشق، تحت إشراف الأجهزة الأمنية، فيما شهدت الفترة الماضية تواصلًا مباشرًا بينها وبين أبو أحمد زكور، مستشار الرئيس أحمد الشرع لشؤون العشائر، في إطار خطة هدفت إلى اختراق البنية الداخلية لـ"قسد"، وتهيئة الأرضية لتسويات ميدانية داخل حلب.

ووفق المعلومات، فإن ما جرى في المدينة يُشبه، من حيث الأسلوب، تحركات عشائرية سابقة شهدتها مناطق أخرى، حيث جرى الاعتماد على الانقسامات الداخلية والرفض الشعبي لسياسات "قسد"، بدلًا من الحسم العسكري المباشر.

قراءة سياسية

يقول أنس شواخ، الباحث السياسي السوري، لموقع "الترا سوريا" إن الأيام القليلة الماضية شهدت حملة موجهة وواضحة ضد مكونات غير كردية داخل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وذلك في أعقاب انسحاب عناصرها من حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وما رافق ذلك من حديث عن دور لقبيلة البكارة في دعم القوات الحكومية.

ويوضح أن هذه الحملة ظهرت بشكل علني على وسائل التواصل الاجتماعي، وقادها ناشطون موالون لحزب العمال الكردستاني و"قسد"، حيث طالبوا بإجراء مراجعة شاملة للمناصب القيادية التي يشغلها غير الأكراد داخل "قسد"، إضافة إلى التدقيق في خلفياتهم وعلاقاتهم وسيرهم الذاتية، وحتى في طبيعة "الإدارة الذاتية" نفسها.

وفي سياق متصل، تبرز مسألة نسبة المكوّن العربي داخل صفوف "قسد" كإحدى النقاط الحساسة. إذ تشير تقديرات إلى أن ما بين 40 و50 بالمئة من عناصر "قسد" هم من العرب، إلا أن هذه النسبة تشمل شريحة لا يُستهان بها من المجنّدين قسرًا ضمن ما يُعرف بقطاع "الدفاع الذاتي" (التجنيد الإجباري)، وقد تصل هذه الشريحة إلى نحو 10 بالمئة على الأقل. وتُعد هذه المعطيات قابلة للتوظيف سياسيًا أو أمنيًا في أي تطورات قادمة.

أما فيما يتعلق بالتعاون مع العشائر العربية، فيُرجّح أن يكون هذا التعاون قائمًا بالفعل، بل إن العمل عليه بدأ منذ أشهر، حيث ظهر جزء منه إلى العلن فيما بقي الجزء الأكبر بعيدًا عن الأضواء. وفي هذا الإطار، برز حراك مستشار رئاسة الجمهورية لشؤون العشائر، الذي شهد نشاطًا ملحوظًا في مناطق شمال شرق سوريا خلال الفترة الماضية، كان آخره مؤتمر عُقد في دير الزور قبل نحو أسبوع أو عشرة أيام، إلى جانب تواصلات مهمة مع شيوخ عشائر في مناطق سيطرة "قسد" بمحافظتي دير الزور والحسكة.

وتشير التقديرات إلى أن هذه الاتصالات والانشقاقات المحتملة قد تلعب دورًا حاسمًا في أي عمل عسكري أو سيناريو مقبل في المنطقة.

الأرقام والتركيبة

وعند العودة إلى مسألة الأعداد، تروّج "قسد" رسميًا لأن عدد عناصرها يتراوح بين 85 و90 ألفًا، وقد يصل أحيانًا إلى 110 أو 120 ألف عنصر، متضمنًا قوى الأمن الداخلي (الآسايش) وبقية التشكيلات العسكرية والأمنية. إلا أن تقديرات غير معلنة تشير إلى أن العدد الحقيقي لا يتجاوز 40 إلى 45 ألف عنصر فعلي.

أما نسبة العرب داخل هذه التشكيلات، فهي تختلف من جهاز إلى آخر ومن فصيل إلى آخر، حيث تغلب الغالبية الكردية في بعض التشكيلات، بينما تتقارب النسب في تشكيلات أخرى.

وتابع شواخ: "فيما يخص العشائر المتعاونة مع "قسد"، فإن الحسم في هذا الملف يبقى صعبًا للغاية، نظرًا لغياب أي مؤشرات إحصائية دقيقة. فـ "قسد" تعتمد سياسة التواصل مع شيوخ وشخصيات عشائرية في كل منطقة تسيطر عليها، وفي الحالات التي يرفض فيها بعض شيوخ العشائر التعاون، جرى تحييدهم أو حتى تصفيتهم في بعض الأحيان، كما حدث في محافظة الرقة، أو العمل على خلق وتعزيز شخصيات عشائرية ثانوية داخل العشائر نفسها لتجاوز القيادات التقليدية".

وأكمل الباحث السوري: "أما مستقبل بقاء هذه العناصر العربية داخل "قسد"، فيبقى مرتبطًا بطبيعة أي عملية عسكرية قادمة، إذ تلجأ "قسد" في كثير من الأحيان إلى الانتقام من عائلات المنشقين أو من يقاتلها، ما يخلق حالة خوف لدى كثيرين، خصوصًا أن هذه العائلات تعيش في مناطق مغلقة جغرافيًا ولا تملك القدرة أو الرغبة في مغادرتها".

انشقاقات وتسليم أحياء

من جانبه، قال مصدر في قوى الأمن الداخلي بمحافظة حلب إن الأهالي في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود لعبوا دورًا أساسيًا في تسليم أجزاء من الحيَّين للجيش السوري، مؤكدًا وجود انشقاقات داخل صفوف "قسد"، خصوصًا بين العناصر المنتمين إلى عشائر عربية.

وترى مصادر عسكرية أن ما جرى في حلب يُمثّل نموذجًا أوليًا لما قد تشهده مناطق شرق الفرات، حيث يجري العمل على توسيع دائرة التفاهمات العشائرية، في ظل تصاعد السخط داخل العشائر العربية من سياسات "قسد"، ومطالب متزايدة بإنهاء مشاريع التقسيم والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

وبحسب هذه المصادر، فإن الرهان الأساسي للحكومة السورية بات ينصبّ على العامل العشائري، باعتباره المدخل الأقل كلفة والأكثر فاعلية لإعادة بسط السيطرة، دون الانجرار إلى معارك مفتوحة قد تُدخل المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد.

يقول الباحث في العلاقات الدولية فراس علاوي لموقع "الترا سوريا" إن الدور الرئيسي في تحرير مناطق شرق سوريا من تنظيم "الدولة الإسلامية" لعبته العشائر المحلية، وليس "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بصفتها الحالية. ويوضح أن "قسد" اليوم تؤدي دورًا إداريًا وعسكريًا وأمنيًا في تلك المناطق، إلا أن هذا الدور تمارسه في معظمه عناصر كردية، بينما كان الدور الحقيقي والحاسم خلال سنوات القتال ضد التنظيم بين عامي 2018 و2019 و2020 من نصيب أبناء العشائر أنفسهم.

ويشير علاوي إلى أن أبناء العشائر كانوا "القوى الضاربة" فعليًا في المعارك ضد التنظيم، إذ قاتلوا لتحرير مناطقهم، وكانوا العمود الفقري لقوات "قسد" في تلك المرحلة.

الانشقاقات المحتملة داخل قسد

وحول التطورات الأخيرة، يلفت علاوي إلى أنه حتى اللحظة لم تظهر انشقاقات واسعة داخل "قسد"، ولا تهديدات جدية بانشقاقات كبيرة، رغم وجود مخاوف واضحة لدى قيادتها من هذا السيناريو. لكنه يرى أن الوضع قد يتغير في حال حدوث عملية عسكرية واسعة وبثقل كبير، إذ من الممكن حينها أن تشهد مناطق سيطرة "قسد" انشقاقات، وربما محاولات انقلاب محلية.

ويستحضر علاوي ما جرى في بدايات مرحلة "التحرير"، حين صدرت بيانات عن محاولات انقلاب من قادة محليين داخل مناطق "قسد"، إلا أن هذه المحاولات أُجهضت أو توقفت، إما بسبب قمعها المباشر أو نتيجة عدم تقدم القوات المعادية إلى مناطق سيطرتها.

البعد الجغرافي والعشائري

ويربط علاوي احتمالات الانشقاق بالبُعد الجغرافي والتركيبة العشائرية لكل منطقة. ففي دير الزور، تُعد عشيرتا العكيدات والبكارة الأكبر، وكلتاهما تضم عناصر منضوية ضمن "قسد". وفي الرقة والحسكة أيضًا، توجد عشائر أخرى ينتمي أبناؤها إلى صفوف "قسد".

ويشبّه علاوي هذه البنية بما كان عليه الحال خلال سيطرة النظام السوري سابقًا، حيث كان لمعظم العائلات وأهالي المناطق أبناء منخرطون في صفوف قواته، معتبرًا أن هذا الأمر مرتبط بالتركيبة الاجتماعية والديموغرافية للمناطق.

التركيبة العسكرية داخل قسد

ويوضح الباحث أن "قسد"، في بدايات سيطرتها على المنطقة، أبقت على العناصر المحلية في مناطقها الجغرافية، فانتشر أبناء العكيدات في مناطق العكيدات، وأبناء البكارة في مناطق البكارة. إلا أن هذه السياسة شهدت بعض التغيير مؤخرًا، خاصة بعد معركة حلب، حيث جرى تعديل توزيع العناصر ومواقعهم.

ويؤكد علاوي أن الثقل الديموغرافي لا ينعكس بالضرورة على الثقل القيادي أو العسكري، إذ إن معظم أبناء العشائر المنخرطين في "قسد" هم مجرد عناصر دون تسلسل قيادي هرمي حقيقي، ولا يشغلون مواقع قيادية مؤثرة. ويضيف أن قادة الساحات غالبًا ما يكونون من الأكراد، حتى في المناطق ذات الغالبية العربية، مشيرًا إلى أن أي مقاتل كردي يتمتع عادة برتبة أعلى وتأثير أكبر من القادة العرب المحليين.

مستقبل بقاء العناصر العشائرية في قسد

ويختم علاوي حديثه بالقول إن مستقبل بقاء هذه العناصر ضمن "قسد" مرتبط بشكل مباشر بطبيعة وحجم أي عملية عسكرية قادمة. فبحسب رأيه، تعتمد "قسد" سياسة العقاب الجماعي بحق عائلات المنشقين أو من يقاتلونها، ما يخلق حالة خوف شديدة لدى العناصر العشائرية، خاصة أنهم يعيشون في مناطقهم الأصلية ولا يستطيعون مغادرتها أو لا يرغبون بذلك.

وبناءً على ذلك، يرى علاوي أن أي عملية عسكرية واسعة قد تفتح الباب أمام انشقاقات داخل "قسد"، وربما تُحدث خروقات جدية في بنيتها العسكرية والأمنية.

الكلمات المفتاحية

قسد

الدمج المؤسساتي في الحسكة.. بين مركزية دمشق وهواجس "الإدارة الذاتية"

تشكل قضية اندماج المؤسسات في محافظة الحسكة تحديًا أمنيًا وعسكريًا وإداريًا للحكومة السورية


مدارس

"الكرمانجية" في دائرة الاعتراف.. تحديات تعليم اللغة الكردية في المدارس السورية

شكّل المرسوم الرئاسي رقم (13) المتعلق بالمكوّن الكردي في سوريا محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالهوية الكردية بوصفها جزءًا أصيلًا من النسيج المجتمعي السوري


مقاتل من فصائل المعارضة يطلق النار على صورة للأسد المعلّقة على واجهة مبنى محافظة حماة.

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه

ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024


التحالف الدولي

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟

عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert