تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية
7 فبراير 2026
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته. وسوريا اليوم، وهي تحاول الخروج من عقود طويلة من الاستبداد، تقف أمام اختبار معقّد: كيف تُثبت أنها تختلف عمّا سبقها، دون أن تُستنزف في معارك الماضي أو تُستدرج إلى فوضى سياسية وقانونية.
من هذا المنطلق، لا يُطرح ملف الانتهاكات بوصفه أداة اتهام أو تصفية حسابات، بل كجزء من مسؤولية الدولة في تثبيت شرعيتها وبناء الثقة العامة. وهنا تحديدًا تبرز الأسئلة الصعبة، لا حول النوايا، بل حول الآليات، وحدود الشفافية، وشكل المساءلة الممكنة في سياق انتقالي هشّ.
أين الخلل الحقيقي؟
الخطاب السائد يميل إلى حصر الإشكالية في مقاربات جزئية: إما إنكار الانتهاكات بدعوى "المرحلة الحساسة"، أو اختزالها في "أخطاء فردية" لا تمسّ بنية السلطة. لكن تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير يكشف أن الخلل أعمق من ذلك. الإشكال ليس في غياب التحقيقات كليًا، بل في غياب الشفافية حول من يُحاسَب، وكيف، ولماذا يتوقف المسار عند حدّ معين.
المساءلة هنا تُعالَج ضمن إطار إجرائي ضيق، بينما هي في الحقيقة مسألة سياسية قانونية تمسّ تعريف الدولة الجديدة لنفسها: هل تتجه الدولة نحو تغيير منهجي في مقاربة المساءلة، أم نحو الإبقاء عليها ضمن سقف سياسي وقانوني محدود؟
بين التحقيق والمسؤولية
يقرّ تقرير "هيومن رايتس ووتش" بأن السلطات السورية الانتقالية تعاملت مع موجات عنف خطيرة وقعت خلال عام 2025، واتخذ بعضها طابعًا قائمًا على الهوية/الطائفة، عبر فتح تحقيقات رسمية في هذه الوقائع. هذا التطور يُحسب ضمن سياق مرحلة انتقالية معقّدة، ويعكس اعترافًا بضرورة عدم تجاهل ما حدث. غير أن التقرير يلفت إلى أن التحقيق، حين يقتصر على توصيف الوقائع أو مساءلة أفراد في الميدان، يبقى قاصرًا عن معالجة جذور المشكلة.
الفرق الجوهري هنا يكمن بين مساءلة الفعل ومساءلة السياق الذي سمح بحدوثه. فحين لا يُوضَّح دور القيادات العسكرية أو المدنية في اتخاذ القرار، أو في الإشراف، أو في ضبط السلوك، تبقى منظومة العمل نفسها قائمة من دون مراجعة. هذا يعني أن الخلل لا يُعالج بوصفه مسألة بنيوية، بل يُختزل في حوادث منفصلة، وكأنها خرجت عن السياق العام للدولة ومؤسساتها.
الإشكال ليس في غياب التحقيقات كليًا، بل في غياب الشفافية حول من يُحاسَب، وكيف، ولماذا يتوقف المسار عند حدّ معين
في تجارب دول مرّت بمراحل انتقالية مشابهة، تُبيّن الخبرات أن الاقتصار على محاسبة المنفذين المباشرين قد يلبّي مطلبًا آنيًا بالردّ، لكنه لا يمنع التكرار. فغياب تحديد المسؤوليات القيادية والمؤسسية يبقي القواعد غير واضحة، وحدود الصلاحيات ملتبسة، وآليات الضبط ضعيفة. عندها، يتحوّل العنف في السردية الرسمية إلى استثناء عارض، لا إلى مؤشر على خلل يستوجب إصلاحًا أعمق.
من هذا المنطلق، لا تُطرح المسؤولية المؤسسية كإجراء قانوني إضافي، بل كوسيلة لضبط آليات القرار والتنفيذ داخل المؤسسات، بما يحدّ من تكرار الانتهاكات مستقبلًا.
العدالة في سياق انتقالي
سوريا اليوم ليست دولة مستقرة، ولا نظامًا مغلقًا كما في السابق، بل دولة تمرّ بمرحلة انتقالية تفرض مقاربة مختلفة لمسألة العدالة، مقاربة لا تقوم على التشدد أو التساهل، بل على التوازن. فالعدالة الانتقالية، وفق ما استقرّ عليه القانون الدولي العام، لا تهدف إلى الانتقام ولا إلى استدعاء الماضي لذاته، بل إلى التعامل معه بوصفه شرطًا ضروريًا لمنع تكرار الانتهاكات وبناء ثقة عامة مستدامة.
في هذا السياق، يلفت تقرير "هيومن رايتس ووتش" إلى غموض في كيفية إشراك الضحايا وأصحاب المصلحة في صياغة مسارات المساءلة وفي المشاركة بها. هذا الغموض لا يتعلق بالاعتراف بوجود الضحايا، بل بموقعهم الفعلي في العملية: هل هم مجرّد شهود على ما تقرّره المؤسسات، أم أطراف يُؤخذ برأيهم في تحديد الأولويات وحدود المحاسبة؟ في تجارب انتقالية سابقة، أظهرت مشاركة الضحايا أنها عنصر أساسي في منح أي مسار عدالة شرعية اجتماعية، بينما يؤدي تغييبهم إلى تراكم شعور بالإقصاء قد يظهر لاحقًا على شكل توترات جديدة.
تفكيك سردية "الأولوية للاستقرار"
من أكثر الأفكار تداولًا في النقاش العام هو أن فتح ملفات الانتهاكات قد يهدد الاستقرار في مرحلة انتقالية حسّاسة. هذه المقاربة تبدو واقعية للوهلة الأولى، لأنها تربط الاستقرار بتجنّب الصدام، لكنها تتجاهل عنصرًا أساسيًا: طبيعة الاستقرار نفسه. فالاستقرار الذي يقوم على تجاهل ملفات الانتهاكات وعدم حسمها، لا على معالجتها ضمن إطار واضح، يظلّ هشًّا وقابلًا للاهتزاز عند أول أزمة.
تجارب دول مرّت بظروف انتقالية مشابهة أظهرت أن ما يُسمّى "النسيان المنظّم" قد يخفف التوتر مؤقتًا، لكنه لا يعالج أسبابه. ومع مرور الوقت، تعود المشكلات بأشكال أكثر حدّة، خصوصًا حين تترافق مع أوضاع اجتماعية واقتصادية ضاغطة. تقرير هيومن رايتس ووتش يضع هذه النقطة في إطار واقعي حين يشير إلى أن غالبية السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة كبيرة منهم تعاني من انعدام الأمن الغذائي. في سياق كهذا، لا يكمن الخطر في طرح ملف المساءلة، بل في ترك مظالم غير معالجة داخل مجتمع يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وانعدام ثقة.
القانون الدولي كمرآة
إن إشارة تقرير "هيومن رايتس ووتش" إلى أهمية الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لا تأتي بوصفها توصية قانونية معزولة، بل في سياق تقييم قدرة الدولة على التعامل مع الجرائم الخطيرة وفق معايير معترف بها دوليًا. فمثل هذا الانضمام، أو تعزيز التعاون مع آليات الأمم المتحدة المعنية بالمساءلة، يُنظر إلى هذا الانضمام أو التعاون بوصفه أداة داعمة حين تكون الأطر الوطنية في طور البناء أو التطوير، لا كبديل عنها.
في هذا الإطار، لا يُفهَم اللجوء إلى الآليات الدولية على أنه تنازل عن السيادة، بل كطريقة لإعادة تأكيدها في مرحلة انتقالية حسّاسة. فالدولة التي تختار إخضاع نفسها لمعايير واضحة للمساءلة تُرسل رسالة بأنها تسعى إلى ضبط ممارساتها ضمن قواعد معلنة، وأن حماية الحقوق لا تتعارض مع سيادة القرار الوطني، بل تشكّل أحد أسسها في المدى الطويل.
الإصلاح الأمني: العقدة الصامتة
إن ملف الإصلاح الأمني يُعدّ من أكثر الملفات حساسية في أي مرحلة انتقالية، وهو ما يشير إليه تقرير هيومن رايتس ووتش بوضوح حين يدعو إلى إقصاء العناصر التي ثبت تورطها في انتهاكات، وإلى اعتماد هياكل قيادة واضحة ومدونات سلوك ملزمة. هذه الدعوة لا تتعلق بإجراءات تنظيمية شكلية، بل بمحاولة ضبط كيفية اتخاذ القرار، وحدود الصلاحيات، وآليات المساءلة داخل المؤسسات الأمنية.
فحين تستمر الأجهزة الأمنية بالعمل وفق قواعد غير محددة أو رقابة غير فعّالة، فإن الممارسات القديمة قد تستمر حتى لو تغيّر الخطاب السياسي العام. التجارب المقارنة تُظهر أن غياب إعادة الهيكلة لا يؤدي فقط إلى ضعف الثقة العامة، بل يخلق فجوة بين السلطة والمجتمع يصعب ردمها لاحقًا. من هنا، يتقاطع الإصلاح الأمني مع مسار العدالة: فلا يمكن ترسيخ الأمن دون قواعد مساءلة واضحة، ولا يمكن للعدالة أن تُطبَّق في بيئة أمنية غير منضبطة.
في المحصّلة، ومع اقتراب المرحلة الانتقالية من اختباراتها الأكثر حساسية، يضع تقرير هيومن رايتس ووتش سؤالًا جوهريًا لا ينحصر في تقييم ما إذا كانت السلطات قد قامت بما يكفي حتى الآن، بل يتعلّق بالمسار الذي يُراد للدولة أن تسلكه في هذه المرحلة المفصلية. فطريقة التعامل مع ملف المساءلة اليوم لا تعكس فقط إدارة أزمة، بل ترسم ملامح نموذج الدولة التي تتشكّل على المدى الطويل.
هل تُعامل المساءلة كملف مرحلي يُدار ضمن حدود ضيّقة لتجاوز الظرف الراهن، أم تُدرج بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء مؤسسات أكثر انضباطًا ووضوحًا؟ هذا الفرق ليس نظريًا، بل ينعكس مباشرة على ثقة المجتمع بالدولة وعلى قدرتها على تجنّب تكرار أخطاء الماضي.
الكلمات المفتاحية
هل تستعيد نقابة المحامين السورية دورها المهني؟
النقابات المهنية ليست مجرد مؤسسات تنظيمية تعنى بشؤون أعضائها، بل هي أحد المؤشرات الأساسية على مستوى الحريات العامة في أي مجتمع
سيدات الهلال في صدارة ذهاب دوري كرة القدم.. وحادثة ميدانية تعيد الجدل حول السلامة الطبية
حسمت سيدات الهلال صدارة ذهاب دوري كرة القدم بعد فوزهن على محافظة حمص، فيما كشفت حادثة طبية عن إهمال تنظيمي رافق المباراة
في ختام ذهاب سلة المحترفين.. الوحدة يتجاوز الحرية والنواعير يتربع على الصدارة
اختتمت مرحلة الذهاب من دوري سلة المحترفين بفوز الوحدة على الحرية، فيما حافظ النواعير على صدارة الترتيب العام
هيئة المفقودين: العثور على موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين عن استجابتها لبلاغ حول موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية
موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان
لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة