تهديد جديد لقيمة الليرة الوطنية.. تسعير الغرامات بالدولار يفتح باب الأسئلة القانونية والاقتصادية
3 نوفمبر 2025
أثارت قرارات تسعير المخالفات والغرامات بالدولار الأميركي بدلًا من الليرة السورية جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية السورية، إذ أصدر مدير التنمية الإدارية هادي الأحمد، بالتفويض عن محافظ دمشق مروان إدلبي، قرارًا يمنع التدخين في المكاتب والممرات، بالإضافة إلى أي مكان تابع لمديريات القطاع البلدي والأمانة العامة والخدمات الفنية، تحت طائلة الحبس والغرامة.
وحدد القرار غرامة لا تقل عن 100 دولار ولا تزيد عن 200، في حال التدخين في أحد الأماكن العامة المحظور التدخين فيها، فضلًا عن غرامة تتراوح بين 1000 دولار و3000 في حال سماح المسؤول عن المكان العام المحظور لأي شخص بالتدخين، وفي حال عدم الإعلان عن منع التدخين في المكان العام المستهدف بالقرار.
يرى حقوقيون تحدثوا لموقع "الترا سوريا" أن تسعير الغرامات والمخالفات بالدولار الأميركي يشكّل مخالفة صريحة للإعلان الدستوري والقوانين النافذة، ويمس بسيادة العملة الوطنية، مؤكدين ضرورة تحصيل الغرامات بالعملة المحلية فقط، فيما حذّر اقتصاديون من أن هذه الإجراءات تضعف قيمة الليرة وتزيد التضخم وتفتح الباب أمام اتساع السوق السوداء.
مخالفات تموينية تجبى بالدولار
يؤكد الدكتور في القانون، المحامي محمد درويش، لموقع "الترا سوريا" أن المخالفات التموينية باتت تجبى بالدولار الأميركي أيضًا، موضحًا أن إحدى هذه المخالفات طالت مسلخًا للفروج مخالفًا للشروط الصحية، حيث تضمن ضبط مخالفته إغلاق المسلخ وصالة التحضير لمدة 30 يومًا، ودفع 100 دولار عنهما عن كل يوم، أي ما يعادل 6000 دولار، بالإضافة إلى تنظيم ضبوط تموينية بحق عدة أشخاص، طلب منهم مراجعة مديرية حماية المستهلك، ليتم تسليمهم إيصالات لدفع الغرامات بالدولار في المصرف المركزي.
يبيّن درويش في سياق حديثه أن هذه الممارسات مخالفة للقانون، مؤكدًا أنه لا يجوز للدولة أن تسعر الضبوط بالدولار، لأن العملة الوطنية أحد رموز سيادة الدولة. وأضاف أن الضبط يعتبر قرينة، والقضاء هو الجهة التي تقرر ثبوت المخالفة، وهذه الإجراءات تمنع المخالفين من حقهم الدستوري في التقاضي، إلى جانب أن المبدأ الدستوري، يقضي بأن الغرامة لا تفرض إلا بقانون.
وذكر دكتور القانون أنه حين سأل موظفي الضابطة، من منظمي الضبوط، عن أساس تنظيمها، حيث من المفترض أن يكتب الموظف وصف المخالفة، والنص القانوني المنطبق عليها، أجيب بأنهم يكتبون "مخالفة القوانين والقرارات النافذة"، وحين سأل عن ماهيتها، أجيب بأنهم لا يعرفون، وأنه تم الإيعاز لهم بذلك شفهيًا.
وفي المقابل، أفاد المحامي، علي محجازي، لـ"الترا سوريا" بأن موكله تلقى مخالفة تموينية، بسبب تسعير بضاعته بالدولار، وسجلت قيمة المخالفة بـ25 دولارًا، الأمر الذي وصفه المحامي بـ"المفارقة الغريبة".
مخالفة للقوانين الناظمة والإعلان الدستوري
يؤكد الأستاذ الجامعي، المحامي "مازن بلوق، لـ"الترا سوريا" أن الإعلان الدستوري نص على أن القوانين النافذة في عهد النظام البائد، تبقى معمولًا بها، حتى تعديلها أصولًا، وحيث أنه لم يطرأ أي تعديل بخصوص جباية رسوم الضرائب والمخالفات، بما يتعلق بمقدارها ووجوب تحصيلها بالليرة السورية، وبناء عليه، فإن جباية الرسوم والمخالفات بغير الليرة تُعد مخالفة للإعلان الدستوري والقوانين والأنظمة النافذة والمرعية الإجراء، وهذا بطبيعة الحال يشمل كافة المحافظات.
ووفقًا للمحامي علي المليجي، فإن هذه القوانين لا تزال سارية بموجب الإعلان الدستوري، ولم يجر عليها أي تعديل، ولا يحق لأي سلطة تعديلها أو الخروج عن نصها. وأكد أن مهمة تعديل القوانين أو إصدار قوانين جديدة، من صلاحيات مجلس الشعب فقط.

ويتفق المحامي المؤمن بالله الخبي مع المحامي بلوق، مشيرًا إلى ذلك بقوله "من المعلوم أن العقوبة فرضت لتقويم اعوجاج المواطن الذي قد أخطأ، وليس لكي نؤدي به إلى الهاوية أو أن يخسر رزقه وقوت عياله". وأضاف "كما هو معلوم، فإن جميع التشريعات والقوانين السورية ما زالت سارية المفعول، ولم يتغير ولم يتعدل أي شيء".
ولفت الخبي إلى أن نص الإعلان الدستوري النافذ في البلاد منذ 13 آذار/مارس 2025 لم ينص على أن تُجبى أي غرامة أو مخالفة من خلال القطع الأجنبي، واصفًا تحصيل الغرامات والمخالفات التموينية بالدولار الإميركي بأنه "مخالفة فاضحة صريحة لنصوص الإعلان الدستوري النافذ حاليًا في البلاد، وجميع التشريعات والقوانين الناظمة لهذه المخالفات بحد ذاتها".
القوانين تؤكد جباية الغرامات بالعملة الوطنية
يوضح المحامي الخبي في حديثه لـ"الترا سوريا" أن المخالفات والغرامات تخضع في جميع دول العالم لقوانين مالية وضريبية وتشريعات تعنى بالنقد، وتعليمات تنفيذية تفصل ماهية الإجراءات وطريقة الدفع لتلك المخالفات والغرامات، مضيفًا أن هذا هو الحال في سوريا، حيث إن الإطار التشريعي قد أولى العناية اللازمة لذلك. ويذكّر الخبي بأن قانون التجارة الداخلية وحماية المستهلك رقم (14) لعام 2015، بالإضافة إلى بعض النصوص في قانون التجارة الداخلية وتعليماته التنفيذية، نظموا الجرائم والمخالفات التموينية والعقوبات والغرامات المترتبة على مرتكبي تلك المخالفات.
وأشار المحامي الحامل لإجازة ماجستير في القانون العام إلى أنه بالنظر إلى جميع نصوص القوانين المذكورة أعلاه، فإننا نجد أن جميع الغرامات تُجبى بالليرة السورية، ولا يوجد أي مستند قانوني أو تعيم أو قرار ينص على أن هذه الغرامات يجب أن تجبى بالدولار الإميركي أو بالقطع الأجنبي ككل
وبيّن الخبي أنه إذا استقرأنا التشريعات السابقة التي قد ألغاها القانون (14) لعام 2015، فإننا نجد أن جميع القوانين لم تنص على أن تكون الغرامات والمخالفات بالدولار الإميركي، لافتًا إلى أن من هذه التشريعات لدينا:
المرسوم الاشتراعي رقم (57) لعام 1936 وهو أول تقنين يعنى آنذاك بشؤون التموين والتسعير.
المرسوم التشريعي رقم (14) لعام 1958.
قانون التموين والتسعير رقم (123) لعام 1960 وتعديلاته.
قانون قمع الغش والتدليس رقم (158) لعام 1960.
قانون قمع الغش والتدليس رقم (47) لعام 2001.
القانون رقم (2) لعام 2008 الخاص بحماية المستهلك.
ونوّه الخبي بأن القانون رقم (5) لعام 2024 ما يزال ساري المفعول في البلاد، والذي يحظر التعامل بغير الليرة السورية في الدفعات والمعاملات الداخلية، بالإضافة إلى المرسوم التشريعي رقم (3) لعام 2020 وتعديلاته الذي نص صراحة على أن من يتعامل بغير الليرة السورية أو يزاول الصرافة غير المرخصة يعرض نفسه للمساءلة القانونية الجزائية.
واعتبر الباحث القانوني أن "الأمر الذي يثير العجب والاستغراب هو أن يقوم مصرف حكومي بعملية تحويل أموال وبالدولار من خلال فرع، وليس عبر المصرف المركزي أو مصرف الفرع الرئيسي"، مضيفًا أن "هنالك قاعدة قانونية تقول إن سيادة الدول تنبثق من شرعية وتطبيق أسمى قواعدها القانونية، فكيف إذ بالجهات الرسمية تخالف صراحة القوانين والتشريعات النافذة في البلاد وتعارض أسمى القواعد القانونية في الدولة، وهو الإعلان الدستوري النافذ حاليًا".
الأبعاد الاقتصادية للقرار
من الناحية الاقتصادية، أكد المستشار والباحث الاقتصادي يونس الكريم لـ"الترا سوريا" أن لجباية الرسوم والضرائب بالدولار جوانب إيجابية، تتمثل في أن ذلك يوفر احتياطيًا من الدولار لوزارة المالية، التي تتبع لها جباية الرسوم والمخالفات، ويخفف الضغط على السيولة السورية، التي يعاني السوق من شحها. وتطرق الكريم إلى الجوانب السلبية للقرار أيضًا، والتي يرى أنها تتلخص في تعزيز طلب الدولار من السوق السوداء، ما يعني رفع سعر الدولار مقابل الليرة السورية، وذلك ينعكس سلبا، ويؤدي إلى إنخفاض قيمة الليرة السورية، كما أنه يساهم في ازدياد الاختلاف بين سعر صرف الليرة مقابل الدولار بين البنك المركزي والسوق، ويجعل المواطنين يتجهون نحو "الدولرة"، إلا أنه، بالمقابل يزيد طرح العملة، مضيفًا أن هذا القرار، وإن كان غير رسمي، إلا أنه يهدف لزيادة معروض الليرة في السوق.
وعن المخاطر والتبعات لهذه الإجراءات، يؤكد الكريم أنها تزيد من الطلب على الدولار، ما يؤدي لقلة تواجده في السوق السوداء، وانخفاض قيمة الليرة نتيجة زيادة عرضها، ما ينجم عنه ارتفاع في أسعار السلع والخدمات، خاصة المستوردة، الأمر الذي يزيد من التضخم وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن، وينشط السوق السوداء، معيدًا العمل بالمضاربة كمصدر للرزق. ولفت الكريم في نهاية حديثه إلى أنه لا يوجد قرار رسمي بجباية الرسوم والمخالفات بالدولار، ما يعني العودة إلى زمن الفوضى في سوق المال، ما يؤدي لعدم الاعتراف بسلطة البنك المركزي وقدرته على إدارة التشريعات.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


