ultracheck
ثقافة وفنون

جسر عين ديوار.. حارس التاريخ الآيل للسقوط على حدود دجلة

6 يونيو 2026
جسر عين ديوار
شكّل الجسر في العصور الوسطى ممرًا رئيسيًا لا غنى عنه للقوافل التجارية والعسكرية (مواقع التواصل/الترا سوريا)
هيلين علي
هيلين علي صحافية سورية

على ضفاف نهر دجلة، في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، يقف جسر عين ديوار، المعروف محليًا بـ"برا بافلت" أو "بافد"، كقوس حجري عملاق يربط بين زمنين؛ زمنٍ مضى حين كان شريانًا حيويًا للقوافل التجارية العابرة على طريق الحرير، وزمنٍ حاضر يقف فيه هذا المعلم الأثري وحيدًا، يصارع الطبيعة والزمن.

يُعد الجسر البازلتي تحفة معمارية فريدة، إلا أنه اليوم أصبح حارسًا آيلًا للسقوط على الحدود، وسط مخاوف جدية من السكان المحليين والباحثين حول مصير واحد من أهم المعالم الثقافية في المنطقة.

عبق التاريخ: معبر الحضارات وطريق الحرير

يتعدد الجدل التاريخي حول زمن تشييد جسر عين ديوار، الذي يبعد نحو 8 كيلومترات عن قرية عين ديوار، وما يقارب 17 كيلومترًا عن مدينة المالكية (ديرك) في محافظة الحسكة. تشير بعض الدلائل التاريخية والباحثين إلى أن أساسات الجسر قد تعود إلى العصر الروماني في القرن الثاني الميلادي، حيث كان يُستخدم كطريقٍ استراتيجي يربط مناطق بلاد ما بين النهرين بالأناضول، ويُسهل حركة القوافل التجارية والعسكرية عبر سهول الجزيرة السورية.

بينما تُجمع مصادر أخرى، مدعومة بروايات محلية وإسلامية، على أن البناء الحالي أو الترميم الأكبر الذي منح الجسر طابعه المميز، يعود إلى العهد الزنكي وتحديدًا عام 1164 ميلادي، في عهد الأمير جمال الدين أبي جعفر محمد بن علي الأصفهاني، أمير جزيرة ابن عمر. هذه الفترة شهدت نهضة معمارية في المنطقة، حيث تم دمج البراعة الهندسية الرومانية القديمة مع الزخارف والفنون الإسلامية.

لقد شكّل الجسر في العصور الوسطى ممرًا رئيسيًا لا غنى عنه للقوافل التجارية والعسكرية، وكان حلقة وصل أساسية بين بلاد ما بين النهرين والأناضول. بُنيت أقواس الجسر من الحجارة البازلتية السوداء، المرتبطة بمونة جصية متينة، واحتوت على تفاصيل هندسية وزخرفية دقيقة، منها اثنا عشر برجًا منحوتًا على طول الجسر، تمثل أشهر السنة، ما يعكس معرفة صناع الجسر بالفلك والهندسة بشكل استثنائي.

صراع البقاء: تغير المناخ ومخاطر الطبيعة

لم تكن العوامل الطبيعية رحيمةً بهذا الصرح التاريخي. على مدى العقود الماضية، شهدت المنطقة تحولات جغرافية كبيرة، أبرزها انحسار نهر دجلة وتغير مجراه، حيث ابتعد عن الجسر مسافة تزيد على 100 متر. هذا الابتعاد أدى إلى تراجع تأثير المياه في الحفاظ على توازن التربة المحيطة بالقواعد الحجرية، ما جعل أساسات الجسر أكثر عرضة للضعف والانهيار.

تاريخيًا، كان الجسر يتألف من عدة قناطر متتالية، لكن عوامل الزمن والفيضانات المتكررة دمرت معظمها. واليوم، لم يبقَ سوى قنطرة واحدة تقع في منتصف الركائز البازلتية المتبقية، وهي تتعرض لتشققات وتصدعات تنذر بخطر الانهيار التام. ومع استمرار تآكل التربة وضعف أسس الجسر، يصبح أي مرور قريب منه محفوفًا بالمخاطر، ويستدعي اتخاذ إجراءات ترميمية عاجلة لحماية هذا الإرث من الانجراف والانهيار الكامل.

شهادات السكان: الجسر وذاكرة المكان

بالنسبة للسكان المحليين في قرى عين ديوار والمالكية، الجسر ليس مجرد معلم أثري، بل هو رمز لهويتهم الثقافية والتاريخية، مرتبط بأرضهم وتراثهم. يتناقل الأهالي قصصًا وأساطير حول الجسر، من بينها الرواية المتوارثة التي تتحدث عن "المعلم الأسطى" الذي بنى الجسر، وبنى تحفًا معمارية مشابهة في المنطقة، وكيف أمر الأمير بقطع يده لضمان عدم تكرار الإنجاز.

يعبر السكان عن قلقهم العميق من فقدان هذا الإرث. يقول حاجي إسماعيل، أحد كبار السن :"هذا الجسر ليس مجرد حجارة سوداء، إنه كتاب تاريخنا المفتوح على دجلة. كلما مررت بجانبه أرى كيف تبتلع الطبيعة أجزاءه ببطء. نشعر بالحزن لأننا نقف مكتوفي الأيدي أمام انهياره التدريجي".

ويطالب الأهالي والمنظمات المهتمة بالشأن الآثاري الجهات المعنية بالتدخل السريع لإنقاذ ما تبقى من "برا بافلت"، وتوثيقه وحمايته قبل فوات الأوان.

التحديات الأمنية وتأثيرها على صمود الجسر

إلى جانب عوامل الطبيعة والمناخ، يلقي الوضع الأمني المضطرب في أقصى الشمال السوري بظلاله على صمود جسر عين ديوار. القرب الجغرافي للجسر من الحدود السورية التركية وما تشهده المنطقة من توترات وهجمات متبادلة أدى إلى تراجع كبير في أعداد السياح والزوار، خاصة في فصل الربيع حين تكون الحقول المحيطة خضراء ومزهرة، وهو الوقت الذي كانت المنطقة فيه وجهة سياحية طبيعية فريدة.

كما أدت المخاطر الأمنية إلى عرقلة أي مشاريع تنقيب أو ترميم مستدامة كانت تسعى المديرية العامة للآثار والمتاحف لتنفيذها لحماية الموقع. فغياب عمليات الصيانة الوقائية المتخصصة، نتيجة صعوبة الوصول إلى المنطقة الحدودية، يضاعف من سرعة تآكل الحجارة البازلتية بفعل العوامل الجوية. إضافة إلى ذلك، تركت الاشتباكات السابقة ندوبًا واضحة في البيئة المحيطة، ما أثر سلبًا على استقرار الجسر ومتانته.

ضرورة عاجلة للتدخل وإنقاذ الإرث

يشكل جسر عين ديوار (برا بافلت) قيمة ثقافية استثنائية ليس فقط لسوريا، بل لتاريخ المنطقة بأكملها. بقاياه الحجرية تستدعي تحركًا عاجلًا من قبل المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي العالمي، مثل اليونسكو، لتوفير الدعم اللازم لترميم الأقواس الباقية وحماية قواعده من تآكل التربة والانجراف.

إن حماية هذا المعلم التاريخي لا تعني مجرد الحفاظ على حجارة أثرية، بل صون ذاكرة حية تعود لقرون مضت، وحماية إرث إنساني يعكس براعة الهندسة المعمارية في العصور الإسلامية. لقد صمد جسر عين ديوار قرونًا طويلة في وجه فيضانات دجلة وتغيرات العصور، واليوم، وهو يقف وحيدًا ومهمشًا، تقع المسؤولية على عاتق الجميع لإنقاذه، ليبقى شاهدًا للأجيال القادمة على عظمة التاريخ البشري.

الكلمات المفتاحية

أيمن عبد السلام

بين الدوبلاج والتمثيل.. أيمن عبد السلام يقرأ تجربة دراما الفورمات من منظور أكاديمي

يكشف الفنان أيمن عبد السلام، في حواره مع "الترا سوريا"، كواليس دراما الفورمات، وتكييف النصوص، وتجربة الأداء، ورؤيته لمستقبل الممثل العربي في الإنتاجات المشتركة


من يرمي الحجر الأول؟

"من يرمي الحجر الأول؟".. تجسيد مسرحي لاعتياد العنف والعدالة المأزومة

يخرج المشاهد من مسرحية "من يرمي الحجر الأول؟" مثقلًا بأسئلة شائكة تتجاوز حدود الخشبة؛ فالعمل لا يمنح الجمهور إجابات مريحة، بل يتركه وحيدًا في مواجهة مرآته الخاصة ومسؤولياته الأخلاقية تجاه العنف الذي يحيط به


مسرح الغرفة

تظاهرة "مسرح الغرفة" الثانية وإعادة تشكيل الفرجة البديلة بدمشق

تأتي التظاهرة كخطوة جديدة لإحياء فكرة المسرح المستقل في الأمكنة البديلة، ومحاولة جادة لاستقطاب طاقات مسرحية شابة ترفض الانصياع لقوانين الخشبة الكلاسيكية


يارا صبري

حوار| يارا صبري: المسرح السوري يملك تاريخًا لا ينكسر.. وتنفيذ "الفصول الأربعة 3" ليس سهلًا

في هذا الحوار مع موقع "الترا سوريا"، تتحدث الفنانة يارا صبري عن أهمية هذه العودة، ورؤيتها لمستقبل المسرح السوري، وتكشف موقفها من الأحاديث المتداولة حول إنتاج جزء ثالث من مسلسل "الفصول الأربعة"

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية
أخبار

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تدين استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود وتطالب بتحقيق دولي

أدانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في بيان لها اليوم الإثنين، بأشد العبارات تكرار الهجمات التي استهدفت سفنًا بحرية تجارية تضم على متنها بحارة وطواقم سورية

شيفرون
أخبار

تقرير: شركة "شيفرون" تدرس إعادة تشغيل خط نفط يربط العراق بالساحل السوري

تدرس شركة النفط الأميركية العملاقة "شيفرون" إمكانية إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي قديم يمتد من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس على الساحل السوري


حمص الفداء أهلي حلب
منوعات

بعد أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب.. كيف برر اتحاد السلة عقوباته؟

لم تكن أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب ضمن سلسلة مباريات "فانيال 4" في دوري سلة المحترفين مجرد لحظة عابرة في ذاكرة المنافسات الرياضية

طقس سوريا
أخبار

ارتفاع جديد في درجات الحرارة.. ماذا ينتظر السوريين هذا الأسبوع؟

تشهد سوريا خلال الأيام المقبلة موجة طقس صيفية حارة تبلغ ذروتها يومي الثلاثاء والأربعاء، قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض اعتبارًا من الخميس

الأكثر قراءة

1
أخبار

ارتفاع مؤقت للحرارة.. كيف سيكون طقس سوريا خلال الأيام المقبلة؟


2
سياسة

سوريا والتحولات الأميركية.. مكاسب الشراكة وكلفة التفويض


3
أخبار

انتهاء عمليات البحث في حادثة عبّارة دير الزور والحصيلة ثمانية ضحايا


4
قول

معارضة غائبة وسلطة حاضرة


5
أخبار

بعد العثور على جثمانها.. الأمن الداخلي يوقف مشتبهين في قضية وفاة الطفلة فرح الحمود


advert