جغرافية جديدة وكيانات موازية.. كيف هندست إسرائيل الجنوب السوري في 2025؟
30 ديسمبر 2025
شكّل الجنوب السوري، منذ سقوط نظام الأسد، حرجًا كبيرًا ومعضلة حقيقية أمام الإدارة السورية الجديدة، التي باتت عاجزة تمامًا عن الرد على التحركات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، إذ لم تَعُدْ تواجه توغلًا بريًا أو استيطانًا عسكريًا، بل باتت كيانات موازية داخل الجغرافيا السورية أثقلت كاهلها كونها مدعومة إسرائيليًا.
وإضافةً إلى هذه التحولات، باتت جولات التفاوض دون جدوى، إذ تتصاعد فيها حدة التصريحات والطلبات من المسؤولين في تل أبيب، في مسعى لفرض أجندة إسرائيلية لا طاقة ولا قدرة للحكومة السورية على تنفيذها، خاصةً أنها مرتبطة بالسيادة الوطنية والشعبية، ما يجعل المفاوضات أداة مماطلة إسرائيلية ليس أكثر.
على مدار العام الماضي، أخذت الجغرافيا في الجنوب السوري شكلًا سياسيًا وعسكريًا جديدًا، يمتد من ريف دمشق الغربي وصولًا إلى محافظة السويداء، وهو ما شكّلته ورسمته التدخلات الإسرائيلية في المنطقة لأشهر متتالية. وعليه، باتت المنطقة الجنوبية مقسمة جغرافيًا إلى مناطق محسوبة على إسرائيل خارج سيطرة الدولة في السويداء، ومناطق أخرى تحت السيطرة غير المباشرة عبر القواعد العسكرية ونقاط التفتيش، كما هو الحال في القنيطرة ودرعا، مع عدم السماح للدولة السورية بفرض سيطرتها بشكل كامل على المحافظتين.
واقع عسكري
منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، أقدم الجيش الإسرائيلي على إنهاء المنظومة العسكرية للجيش السوري القديم بأكثر من 1500 غارة على المعسكرات ومخازن السلاح، وتقدمت مدرعاته في العمق السوري تجاه القرى في جبل الشيخ وصولًا إلى المراصد في القمم، التي توفر له تغطية نارية ورصدًا لمساحات جغرافية واسعة تمتد إلى لبنان والأردن والأراضي المحتلة في الجولان، إضافةً إلى توفير منظومة خاصة للكشف المبكر عن "الصواريخ المعادية"، ما جعل قرى جبل الشيخ تحت السيطرة الأمنية العسكرية الإسرائيلية انطلاقًا من المدينة العسكرية التي تم بناؤها في القمة.
يشير المشهد على مدار عام كامل إلى أن الحكومة السورية فقدت سيطرتها على أجزاء واسعة من الجنوب السوري
أنشأ الجيش الإسرائيلي 9 قواعد عسكرية ممتدة في الجنوب السوري، اثنتان في ريف دمشق الغربي، وتحديدًا مرصد جبل الشيخ وقرص النفل غرب بلدة حضر، وست قواعد في القنيطرة، وهي التلول الحمر، وحرش جباتا الخشب وفيها مهبط طيران، وقاعدة شرق قرية الحميدية، وقرب سد المنطرة، وقاعدة في تل أحمر، إضافةً إلى القنيطرة المهدمة. أما في محافظة درعا، فتوجد نقطة وحيدة في سرية الجيزة.
شكّلت هذه النقاط الإسرائيلية نقطة ارتكاز للتوغل داخل العمق السوري، وتنفيذ عمليات الدهم والاعتقال بحق المدنيين، إضافةً إلى أنها منعت القوات الحكومية من الاقتراب من هذه القواعد، في خارطة جديدة للسيطرة الجغرافية، أعلن عنها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وأكدها في 23 كانون الأول/ديسمبر الجاري، بأن جيشه لن ينسحب أي ملّيمتر من الأراضي السورية.
على الرغم من السيطرة الأمنية والعسكرية، شهد الجنوب عدة حوادث من مقاومة شعبية، أولها في قرية كويا بريف درعا، التي أسفرت عن استشهاد 7 سوريين نتيجة القصف الإسرائيلي المكثف على القرية، وآخرها في بيت جن، التي أسفرت عن إصابة جنود إسرائيليين واستشهاد 13 مدنيًا من أبناء القرية.
محافظة خارج السيطرة
أخذت الأحداث الدامية في محافظة السويداء البلاد إلى حالة جديدة من التدخل الإسرائيلي والتهديد المباشر للإدارة السورية الجديدة، وصلت إلى القصر الرئاسي، حيث أسفرت العملية الأمنية للجيش السوري لفض الاشتباكات بين فصائل درزية ومجموعات عشائرية من درعا عن موجة عنف وقعت منتصف تموز/يوليو 2025، راح ضحيتها مئات المدنيين، لتتدخل إسرائيل وترسم خطوطًا جغرافية حمراء على السويداء بوصفها محمية إسرائيلية، وقصفت الأرتال التابعة للجيش السوري، ومقار سيادية كـرئاسة هيئة الأركان، ومحيط القصر الرئاسي في قلب العاصمة دمشق.
أعطت إسرائيل الضوء الأخضر للفصائل الدرزية للعمل على إنشاء مجتمعات محلية وعسكرية منفصلة عن دمشق للخروج من عباءتها بشكل كامل، وجرى نوع من التغيير الديمغرافي في المحافظة، وبدأ بتوجيهات إسرائيلية تشكيل ما سُمّي "الحرس الوطني" كجهة عسكرية تابعة للشيخ حكمت الهجري، وهي تتبع مباشرة للجيش الإسرائيلي ولا تخفي ولاءها، وتسيطر على القرار في المحافظة، فيما جرى تشكيل مجالس محلية لإدارة الشؤون المدنية، على اعتبار أن هذه الإجراءات نواة مستقبلية انفصالية للمحافظة. وبالتالي، باتت السويداء خارج سيطرة الحكومة السورية، تحت الحماية الإسرائيلية، وورقة ضغط تحملها تل أبيب في ملف الأقليات، كراعٍ لهم في المنطقة.
ورقة ضغط
منذ محادثات باكو في أذربيجان في 12 تموز/يوليو 2025، بدأت دمشق تعي المماطلة الإسرائيلية في المحادثات المنعقدة، خاصة أن إسرائيل استطاعت أن تمسك بالجنوب السوري كورقة ضغط عسكرية وأمنية في مفاوضاتها، التي تصاعدت مطالبها من دمشق بشكل تدريجي مع زيادة السيطرة على الجغرافيا السورية، كما تدرجت الطروحات الإسرائيلية من سحب السلاح الثقيل من الجنوب، إلى إنشاء ممر إنساني مع السويداء، وبعدها إلى اتفاق سلام غير مشروط، وآخرها عدم نية إسرائيل الانسحاب من أي نقطة تم التقدم فيها، ما يشي بأن إطار المفاوضات عديم الجدوى في ظل التصريحات الإسرائيلية.
يشير المشهد على مدار عام كامل إلى أن الحكومة السورية فقدت سيطرتها على أجزاء واسعة من الجنوب السوري، إذ تمتد القواعد العسكرية بشكل متوازٍ من ريف دمشق الغربي نزولًا إلى درعا، فيما تلاصقها السويداء التي باتت خارج السيطرة السورية وتحت الحماية الإسرائيلية، ويُعقّد المشهد الجنوبي أن إسرائيل لم تلتزم بأي مبادرة للحل في السويداء، وأبرزها “خارطة طريق السويداء” في 16 أيلول/سبتمبر 2025 برعاية أميركية وأردنية، وبتوافق عربي وأوروبي عليها، إضافةً إلى عدم الاستجابة للوساطات الأميركية المتكررة، وتوجيه الاتهامات للمبعوث الأميركي بالاصطفاف ضد المصالح الإسرائيلية في المنطقة، ما ينذر بمزيد من القلق وإطالة أمد الصراع في الجنوب السوري.
الكلمات المفتاحية

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟
عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية

"خارطة الطريق" وخيارات السويداء بعد طي ملف "قسد"
أسهمت العمليات العسكرية في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


