جمع النفايات في حلب.. احتياجات متزايدة وتوزيع غير متوازن للموارد بين الأحياء الراقية والمنسية
17 نوفمبر 2025
لم تعد حلب تستيقظ على صوت الباعة ولا على حركة الأسواق كما اعتادت، بل على رائحة النفايات المتخمرة التي تصعد من الحاويات الممتلئة وتلتصق بجدران الأبنية. في الصباحات الأولى، يصبح الهواء محملًا بما يشبه خليطًا من روائح مخلفات الطعام والدخان والمواد البلاستيكية المحترقة؛ وفي ساعات المساء، يزداد الوضع سوءًا حين يبدأ بعض السكان بإحراق القمامة هربًا من تراكمها، فيمتزج الدخان بالحرارة المرتفعة، وتغدو الأزقة والأحياء كتلًا باهتة محاطة بسحب كثيفة لا تهدأ.
هذه ليست حالات متفرقة، بل مشهد يومي في معظم الأحياء الشرقية من المدينة، تلك الأحياء التي تعيش اليوم تحت ضغط أكبر من قدرتها على الاحتمال. من السكري إلى الشعار والصاخور والشيخ سعيد والأنصاري والفردوس والجزماتي، يمتد خط طويل من المشكلات المتراكمة: حاويات مكتظة، غياب شبه كامل للعمال، انتشار النباشين، وتناقض صارخ بين هذه المناطق وأحياء أخرى لا تبعد عنها سوى دقائق قليلة، لكنّها تنعم بتنظيف مستمر وشوارع شبه خالية من أي نفايات.
ما يحدث في حلب اليوم ليس اضطرابًا عابرًا، بل أزمة متجذّرة تظهر في تفاصيل الحياة اليومية لأهل المدينة، وتتحول إلى جزء من المشهد العام، كأنّها قدر فرض نفسه بلا استئذان.
حي السكري.. شارع طويل بالنفايات
في السكري، أحد أكبر أحياء المدينة الشرقية وأكثرها ازدحامًا في السكان، يبدو المشهد أشبه بامتداد متواصل من الحاويات الممتلئة التي تتدلى منها الأكياس وتنساب على الأرصفة. النفايات هنا لا تبقى داخل الحاويات سوى ساعات قليلة قبل أن تفيض إلى الخارج، سواء بسبب عدد السكان الكبير أو بسبب مرور شاحنة جمع واحدة لا تكفي لتغطية ربع الحي.
تتداخل الروائح بشكل يصعب وصفه؛ روائح الطعام المتعفن، مخلفات الدواجن، بقايا الخضار، قطع الأقمشة السوداء التي يجمعها النباشون، فضلات الحيوانات الشاردة، كلها تذوب في الهواء الذي يهب من بين الأبنية المتلاصقة. عند الساعة السادسة صباحًا، يخرج الناس إلى أعمالهم على مضض، يحاولون الابتعاد عن الحاويات قدر الإمكان، لكن الحارات الضيقة تجعل الأمر صعبًا.
يقول إسماعيل العمري، أحد سكان الحي وهو رجل في الخمسين يعمل في محل للنجارة، لموقع "الترا سوريا": "الحاوية التي بجانب منزلي تُفرغ كل يومين تقريبًا، وفي أيام كثيرة لا تمر شاحنة أبدًا قبل أن يصل العامل، يكون النباشون قد قلبوا الحاوية بالكامل".
النقطة الأكثر صعوبة في السكري ليست فقط تراكم النفايات، بل الموقع الجغرافي للحي نفسه، الشوارع كثيرة، الأزقة متفرعة، عدد السكان ضخم. وفي المقابل، لا يوجد سوى عدد قليل من العمال الذين يجهدون لإكمال ما يستطيعون ضمن وقتهم. وبحسب سكان الحي، يحتاج الحي إلى ما لا يقل عن عشرة عمال موزعين على ورديتين، بينما يعمل فيه اليوم أقل من ربع هذا العدد.
حاويات قليلة.. ومشهد يتكرر
في كثير من الأحياء، يشتكي السكان من نقص واضح في عدد الحاويات. تقول ليلى دلّي، من حي ميسلون، لـ"الترا سوريا": "الحاوية الواحدة تخدم شارعًا كاملًا. خلال ساعتين، تمتلئ فيبدأ الناس برمي النفايات حولها"، مشيرةً إلى أن هذا "الوضع يتكرر يوميًا".
ويؤكد رامي شدود، من حي الميريديان، أن المشكلة لا تقتصر على الأحياء الشرقية فقط: "حتى هنا، في الأحياء التي يفترض أنها أفضل حالًا، نرى الحاويات ممتلئة. ربما تُجمع القمامة من الطرق الرئيسية، لكن الأزقة الداخلية منسية".
النباشون.. فصل إضافي في أزمة لا تتوقف
ما إن يمتلئ نصف الحاوية حتى يبدأ النباشون بفتحها، يأتون عادة بعد شروق الشمس أو قبله بقليل. يحملون عصيًا خشبية أو خطافات معدنية، يقلبون الأكياس، يفتشون داخل الحاوية، يخرجون البلاستيك القابل للبيع، الألمنيوم، قطع النحاس الصغيرة، وحتى عبوات المياه الفارغة، وبعد انتهاء البحث، يتركون كل شيء خارج الحاوية.
في صباح اليوم التالي، يبدو المشهد كما لو أن المكان تعرض لعاصفة نفايات مبعثرة في كل الاتجاهات، بعضها ملتف حول العجلات، بعضها ملتصق بالأبواب الحديدية للمحال. رغم أن النباشين يجدون ما يساعدهم على كسب قوتهم، إلا أن الفوضى التي يخلفونها تزيد معاناة السكان بأضعاف.
يقول فراس الطه (46 عامًا)، وهو صاحب محل صغير في الكلاسة، لـ"الترا سوريا": "أحيانًا أستيقظ لأجد أمام محلي كومة من القمامة لا أعرف من أين أتت. النباشون يفرغون الحاوية ثم يرحلون، حين يأتي عامل النظافة لا يمكنه جمع كل شيء بمفرده، فيبقى نصفها على الأرض".
ويضيف: "بعض النباشين يستخدم عربات صغيرة يجمعون عليها المواد التي يجدونها، وآخرون يستخدمون أكياسًا ضخمة يعلقونها على أكتافهم. وفي جميع الحالات، يُخلّف نشاطهم فوضى مضاعفة تحتاج إلى عدة عمال لجمعها، بينما لا يوجد في بعض الأحياء الشرقية سوى عامل واحد أو اثنان".
النباشون في مكب الشيخ سعيد
يبقى حي الشيخ سعيد واحدًا من أكثر المناطق تعرضًا للروائح الكثيفة بسبب المكب القريب منه؛ في الليل، تشتعل النفايات تلقائيًا أو بفعل سكان يعتقدون أنهم يقللون الكميات بالحرق، الدخان يدخل البيوت من النوافذ مهما كانت مغلقة، والجدران تتحول مع الأيام إلى طبقة رمادية.
بعد سلسلة مناشدات من سكان حي الشيخ سعيد بسبب تراكم القمامة وانتشار الروائح، بدأت محافظة حلب حملة لإزالة النفايات من المنطقة التي طالها الإهمال لسنوات، لكن الحملة واجهت عقبة غير متوقعة تمثّلت في تدخل أعداد كبيرة من النبّاشين الذين يعتمدون على فرز القمامة كمصدر للمعيشة.
انطلقت الحملة صباح 7 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري لإزالة الأكوام ونقلها إلى المكب الجديد خارج المدينة، بعدما تحول الموقع القديم داخل الحي إلى بؤرة تلوث وروائح خانقة. ومع بدء العمل، تجمع أكثر من مئة نبّاش حول الجرافات، معظمهم من القاطنين في الأبنية المهدّمة المحيطة بالمكان؛ فرضوا على السائقين ترك الأكوام جانب الطريق لفرزها أولًا قبل السماح بترحيلها.
يقول نادر القصير، وهو سائق جرافة مشارك في الحملة، لـ"الترا سوريا": "نبدأ العمل لكننا نتوقف عند كل خطوة تقريبًا، النبّاشون يقتربون من الجرافة ولا نستطيع على دفعهم بعيدًا، خصوصًا أن بينهم أطفال صغار، ننتظرهم حتى ينهوا فرز الكومة ثم نتابع".
الفارق الصارخ.. أحياء نظيفة وأخرى منسية
بين الأحياء الشرقية وأحياء مثل العزيزية، الفرقان، الشهباء الجديدة، والموكمبو، يظهر تناقض يصعب تجاهله. في هذه المناطق الراقية، تمر شاحنات جمع القمامة أكثر من مرة في اليوم. الحاويات تُغسل دوريًا، الشوارع نادرًا ما ترى أكياسًا ملقاة على الأرصفة، والأهم عدد العمال في هذه الأحياء يتضاعف مقارنة بالأحياء الشرقية.
ففي حين لا يتجاوز عدد عمال النظافة في بعض الأحياء الشرقية أربعة أو خمسة عمال لتغطية مساحة شاسعة، تعمل في الأحياء الراقية فرق كاملة موزّعة على ورديات صباحية ومسائية. هذه المفارقة ليست أمرًا خفيًا، بل يشاهدها السكان كل يوم كجزء من شرحهم لمعاناتهم.
يقول أبو عدنان (55 عامًا)، من حي الأنصاري، لـ"الترا سوريا": "تمر شاحنات القمامة على الأحياء الراقية كل يوم، وأحيانًا مرتين هنا يأتون مرة كل ثلاثة أيام نحن لا نطلب سوى المساواة". هذا التفاوت يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي، ويجعل سكان الأحياء الشرقية يشعرون بأن مناطقهم لا تُعامل باعتبارها جزءًا متساويًا من المدينة.
الحرق.. الحل الذي يضاعف الكارثة
مع ازدياد النفايات، يصبح الحرق خيارًا متاحًا لبعض السكان، لكنه خيار يحمل تبعات خطيرة. دخان كثيف، غازات بلاستيكية سامة، روائح لا تطاق، ويصبح الليل في بعض الأحياء، مثل الفردوس والصالحين، أشبه بضباب أسود يملأ السماء حتى ساعات الفجر.
في بعض الأزقة، تُعلّق أكياس القمامة على النوافذ أو على شرفات الطابق الأول كي لا تُترك على الأرض فتبعثرها الحيوانات؛ وفي أحياء أخرى، يضطر السكان لإبقاء القمامة داخل منازلهم لساعات طويلة، في انتظار مرور شاحنة قد لا تأتي في موعدها.
يدخل دخان حرق القمامة البيوت، الملابس المغسولة تفقد رائحتها بسرعة، والأطفال يذهبون إلى المدارس وهم يتنفسون هواءً مشبعًا بروائح يصعب تحديد مصدرها. تظهر حالات سعال مزمن لدى الأطفال، ويشكو كبار السن من ضيق تنفس متكرر، بينما يتحدث بعض الأهالي عن ظهور حشرات جديدة لم تكن مألوفة في الماضي.
تقول امرأة من حي الصالحين، تُدعى أم كنان، لـ"الترا سوريا": "لم يعد بإمكاننا فتح النوافذ، الروائح تدخل من كل مكان نشعر أننا محاصرون". تبدو أزمة القمامة في حلب أبعد من مجرد تكدس نفايات، بل إنها أزمة إدارة، توزيع عمال، فوضى يخلقها النباشون، تفاوت كبير بين الأحياء، وغياب واضح لخطة حقيقية تضع الأحياء الشرقية في مستوى الخدمات ذاته الذي تحظى به الأحياء الراقية.
الكلمات المفتاحية

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية
توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية
يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية

أسعار المدافئ ترتفع في القامشلي.. والأهالي يلجؤون لإصلاح القديم
انخفاض القدرة الشرائية أدت إلى تراجع الإقبال على شراء المدافئ واللجوء إلى خيارات أخرى تبدو أكثر اقتصادية

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية
توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية
يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد
يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية
ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل

