"جيران" لـ مانو خليل.. من هم الذين يستحقون لقب الجيرة؟
10 ديسمبر 2025
يحاول فيلم "جيران" للكاتب والمخرج مانو خليل نقل حكاية قرية كردية صغيرة تقع على الحدود السورية التركية، والتغيرات التي طرأت عليها وعلى البلاد عامة في مرحلة حافلة بالأحداث والصراعات والممارسات القمعية التي عصفت بالجميع.
يدور الفيلم في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، خلال حكم الرئيس الأسبق حافظ الأسد وهيمنة السلطة البعثية على مختلف أوجه الحياة في سوريا، حتى في تلك القرية النائية، مسلطًا الضوء على تأثير الديكتاتورية والقمع على سكانها، خصوصًا الأكراد الذين دُفعوا نحو العمل المسلح، واليهود الذين أُجبروا على الهجرة.
يُقدِّم الفيلم هذه الحكاية بلغة سينمائية مفعمة بالشاعرية والأسى، وبأسلوب يمزج بين التراجيديا والسخرية على نحو يقترب من "الكوميديا السوداء".
تُروى حكاية القرية من خلال عيني الطفل الكردي شيرو (يلعب دوره سرهد خليل) ذي الستة أعوام، الذي يدخل سنته الدراسية الأولى ويتعين عليه التكيف مع تحولات عالمه الصغير الذي يتغير بشكل جذري بسبب ما يحيط به من بؤس وقمع وقتل عبثي. في ظل سيطرة النظام على التعليم وسعيه لفرض أيديولوجية حزب البعث، يجسد المعلم وحيد (يؤديه جلال الطويل) القادم من دمشق، السياسات التعريبية والقومية للحزب، حاملًا معه اللغة العربية وشعارات البعث إلى الفصل والقرية.
يشير المخرج الكردي السوري إلى أن فكرة الفيلم تستحضر تجربته الشخصية وذكريات طفولته المشبعة بالاضطهاد والمعاناة وظروف الحياة القاسية، وسطوة سياسية واجتماعية في عالم تسوده ثقافة الرعب والخوف وتغيب فيه قيم الكرامة والأخلاق والمحبة والتسامح.
نجح المخرج خليل في تقديم مشاهد المدرسة وعلاقة الأستاذ بتلاميذه بقالب كوميدي ساخر، يذكر بفيلم "الطوفان" للمخرج الراحل عمر أميرلاي، حيث تقوم هذه المشاهد على مفارقة حادة بين اعتقاد الأستاذ بأنه يؤدي رسالة نبيلة لنقل العلم والمعرفة إلى قرية يعمها الجهل، وبين الواقع المؤلم والتأثير السلبي الذي يتركه على الطلاب وأهالي القرية، وهو تأثير مغاير تمامًا لغاياته المتصورة.
ملاحظات ومفارقات
مع الاعتراف بهذا النجاح، ثمة ملاحظة حول صورة المعلم البعثي وحيد: اقتناعه بنبل "الرسالة" قد ينطبق على البعثيين الأوائل (في الخمسينات والستينات)، وليس على "بعثيي الأسد" في الثمانينات، حيث أصبح النفاق والانتهازية والوصولية سمات بارزة للأغلبية الساحقة منهم، مما يجعل وجود بعثي مثالي كالأستاذ وحيد في تلك المرحلة المتأخرة أمرًا نادرًا. فالبعثيون الأوائل هم من فكروا بغرس شجر النخيل (العربي) في المناطق الكردية، كما في أحد مشاهد الفيلم، في إشارة إلى سياسات التعريب في الستينيات، بينما انشغل بعثيو حافظ الأسد بالمنفعة المالية والدوس على الكرامات في مناخ من الفساد واللهاث وراء المصالح المادية، وهو ما تجسده مشاهد الرشوة والفساد أثناء استخراج والد شيرو (سليم) لجوازات السفر المزورة.
تتضمن المفارقة الأخرى في الفيلم التركيز على العلاقة الإنسانية بين أسرة شيرو والعائلة اليهودية المجاورة (الأب ناحوم (جهاد عبدو)، وزوجته روزا، وابنته حنة)، حيث نرى شيرو وعمه آرام يزوران العائلة كل سبت لمساعدتهم في إشعال النار، لأن التقليد اليهودي يحظر عليهم العمل في ذلك اليوم. في إطار هذه العلاقة، تتطور قصة حب شائكة بين آرام وحنة، ثم تنتقل لتصبح بين شيرو وحنة بعد مقتل آرام. وينتهي الفيلم بسفر حنة وأمها روزا إلى سويسرا بجوازات سفر مزورة قدمهما والد شيرو، لتعود حنة بعد أربعين عامًا إلى المخيمات وتلتقي بشيرو مجددًا.
وجه المفارقة هنا هو أن اليهود السوريين في الثمانينات لم يتبق منهم سوى العشرات في عموم سوريا. فبعد أن بلغ عدد يهود القامشلي 1319 نسمة عام 1943، وعاشوا سنوات من الهدوء والازدهار، أصبحت المدينة الآن خالية منهم تقريبًا، باستثناء عائلة واحدة تُدير أملاكهم عبر "دائرة شؤون أملاك اليهود" البيروقراطية.
بدأ التضييق على اليهود بعد قيام إسرائيل، وتعرضوا لمداهمات أمنية شبه ليلية ومنعوا من الهروب، مما أدى إلى هجرة الأغلبية، خاصة بعد الاعتداءات في حلب أواخر 1947 التي أسفرت عن مقتل 75 يهوديًا وتدمير معابد ومدارس ومنازل عديدة، وانفجار كنيس المنشارة في دمشق 1949 الذي قتل 12 مصليًا، وأحداث عام 1967 التي قُتل فيها 18 يهوديًا. يُعتقد أن أقل من 100 يهودي بقوا في سوريا اليوم، مما يعني أنهم لم يعودوا أقلية بالمعنى الفعلي، حتى لو أدت معاناتهم السابقة إلى تقارب مع الأكراد في كفاح مشترك من أجل البقاء، وهو ما أراد الفيلم إبرازه.
"جيران" ورسالته السياسية
من الواضح أن المخرج خليل قصد تعيين فيلمه بـ"جيران"، مستثمرًا الدلالات الأخلاقية والسياسية المتعددة للمفردة. فالمشاهد يتساءل بداية: من هم الجيران المقصودون؟ لكنه يكتشف أن المعنيين ليسوا الأتراك الذين يطلقون النار على البالونات الملونة بألوان العلم الكردي ويجبرون الأكراد على التحدث بالتركية ويتسببون بمقتل والدة شيرو (روشان)، وليسوا العرب السوريين أيضًا، حيث أن جميع الشخصيات العربية التي ظهرت في الفيلم كانت سلبية في تعاملها مع الأكراد.
بالتالي، لا يتبقى من تنطبق عليه صفة الجيرة بحمولتها الإيجابية سوى اليهود، سواء الذين عاشوا في القرية أو الذين أصبحوا خلف الحدود، في إيحاء غير خفي لإسرائيل والحاجة إلى التطبيع أو التحالف معها، على الأقل من منظور الأكراد، في إطار ما يمكن تسميته "تحالف المظلومين".
بهذا المعنى، ورغم أن الفيلم إنتاج سويسري يعود لعام 2021، إلا أنه في ظل الأوضاع الحالية في سوريا، بعد التحرر من الحكم الأسدي، يبدو وكأنه يحمل رسالة سياسية تبرر تحالف الأكراد (أو غيرهم من الأقليات السورية) مع إسرائيل، على الرغم من كل ما تفعله بالفلسطينيين والسوريين والعرب عمومًا.
الكلمات المفتاحية

حوار | عبد الكريم القادري: كيف جرى تدمير المعنى العمراني لدمشق؟
يقدّم القادري قراءة تحليلية لمسار التحوّلات العمرانية في العاصمة السورية، متوقفًا عند لحظات الفقد والتشكّل في هوية دمشق المعمارية

دار "نينوى" تصدر الرواية الأولى للكاتب والصحفي محمد أمين: "كأن الريح تحتي"
صدرت حديثًا عن دار "نينوى للدراسات والنشر والتوزيع" رواية جديدة للكاتب والصحفي محمد أمين بعنوان "كأن الريح تحتي"، وهي الرواية الأولى له

سولين أوسي: الفن بوصفه مساحة نجاة لا مهنة
منذ طفولتها في مدينة القامشلي شُغفت سولين أوسي بالألوان وكانت تشعر بأن شيئًا في داخلها يبحث عن الخروج

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


