ultracheck
عدالة انتقالية

حدود الكوميديا الساخرة في سوريا.. قراءة قانونية في حرية التعبير

13 يوليو 2026
الكوميديا السوداء
أثار مقطع الكوميدي عمار دبا جدلًا حول حدود السخرية وحرية التعبير (رويترز/الترا سوريا)
بتول الحكيم
بتول الحكيم إعلامية مستقلة

تنتشر المقاطع المصوّرة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسميات عدة، من بينها مقاطع لعروض "ستاند أب كوميدي". ويعتمد هذا الشكل الفني على السخرية والكوميديا السوداء، اللتين يفصل بينهما وبين الازدراء والتعرض لحريات الآخرين ومعتقداتهم خيط رفيع، ما يستدعي الحذر من الوقوع في فخ إثارة النعرات، وفي الوقت ذاته عدم المغالاة في تجريم أي خطاب فكاهي أو نقدي، بما قد يعرّض حرية التعبير للتقييد.

مؤخرًا، ظهر أحد مقدمي عروض "ستاند أب كوميدي"، عمار دبا، في مقطع مصور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، تناول فيه أغنية تُعد رمزًا من رموز الثورة السورية في إطار فكاهي، من دون إساءة مباشرة، إلا أنه تعرض لأهل دمشق بلفظ غير لائق، ما أثار حفيظة المتابعين وانقسامهم بين من اعتبر هذا الشكل أحد الفنون النقدية التي تعالج الظواهر المجتمعية عبر السخرية، ومن رأى فيه تجاوزًا لحدود السخرية واتجاهًا نحو إثارة النعرات.

وضمن هذا السياق، يحاول موقع "لترا سوريا" الوقوف على الفروقات بين حرية التعبير والسخرية، والبحث في الحدود الفاصلة بين النقد الفني المشروع والخطابات التي قد تتحول إلى إساءة أو تحريض، إضافة إلى استعراض الآليات التي تضمن حماية حرية التعبير دون فرض قيود تحد من دورها.

الأطر القانونية التي تُجرم هذا الفعل

يؤكد المحامي هادي بازغلان، خلال حديثه لـ"الترا سوريا"، أن القانون السوري يعاقب على الازدراء الذي يمارسه الفنان تجاه أهل مدينة معينة، في حال تجاوز حدود الفكاهة البريئة وتحول إلى إساءة علنية أو إثارة للنعرات، بينما يتيح مساحة معينة للنقد والكوميديا الاجتماعية المستوحاة من البيئات المحلية، كاللهجات والعادات. ويشير إلى أن قانون العقوبات السوري وتشريعات النشر والمطبوعات يضعان خطوطًا حمراء صارمة تمنع الطعن الجماعي أو الحط من كرامة المكونات المجتمعية.

ويوضح المحامي بازغلان أن الأطر القانونية التي تجرّم هذا الفعل تتمثل في تجريم إثارة النعرات الإقليمية والطائفية، حين يحمل العمل الفني نبرة ازدراء تحط من شأن مدينة أو منطقة، بما يهدد السلم الأهلي، إذ يجرّم كل عمل أو خطاب ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية، أو يحمل في طياته حضًّا على النزاع بين المكونات والطوائف.

ويشير بازغلان إلى أن المحاكم السورية تفرق بين النقد الفني الساخر المقبول، وتوجيه صفات مهينة أو شتائم جماعية إلى فئة معينة، حيث يتضمن فعل القدح إهانات مباشرة، فيما يتم الذم عبر إلصاق تهم معيبة بحق فئة يجمعها رابط جغرافي أو إقليمي، إذ يُعد ذلك جرمًا علنيًا يستوجب الحبس مدة تصل إلى ثلاثة أشهر مع الغرامة المالية، وتُشدد العقوبة في حال النشر عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة.

القواعد المنظمة للإعلام والدراما في سوريا

بحسب المحامي بازغلان، تمنع القواعد المنظمة للإعلام والدراما في سوريا إنتاج أو بث محتويات رقمية أو تلفزيونية تحتوي على خطاب ازدراء قائم على الهوية المناطقية أو العشائرية أو العرقية. ويُعفى الفنان من العقوبة حين تأتي السخرية في إطار حق النقد الفني وتسليط الضوء على ظاهرة اجتماعية عامة، دون توافر نية الإساءة إلى شرف أهل المدينة، ودون استخدام ألفاظ نابية أو الحط من كرامتهم الإنسانية.

وأضاف بازغلان لـ"الترا سوريا" أن الدول الأوروبية والغربية، والدول المتقدمة في مجال حقوق الإنسان، لا تعاقب الفنان الذي يسخر من سكان مدينة معينة، طالما تندرج سخريته تحت بند العمل الفني والفكاهة وإيصال الرسائل أو الأفكار، بشرط ألا تتجاوز السخرية الحدود القانونية الصارمة، أو تتحول إلى تحريض مباشر على العنف أو التمييز العنصري أو العرقي أو الديني. ولفت إلى أن حرية التعبير الفني والساخر تتمتع بحماية قانونية قوية جدًا في أوروبا والغرب، وتخضع المحاكمات في هذا الشأن لمعايير دقيقة تفصل بين الإهانة المقبولة في إطار الفن، والجريمة التي تستدعي العقاب.

ويرى بازغلان أن الفنان في الخارج يمتلك مساحة أوسع بكثير من نظيره السوري، فالمجتمع السوري لا يزال يعاني من احتقانات وخلافات سياسية ومذهبية، ولم يصل بعد إلى مستوى يتحلى فيه بفهم الكوميديا السوداء والنقد والسخرية، والتعاطي معها على أنها وسيلة للطرح الفني أو الدرامي أو المسرحي. وأشار إلى أن النقد الساخر من أصعب الفنون على الإطلاق، وأن الحاجة إليه تبدو ملحة لتهذيب أنفسنا والإقلاع عن عادات الغضب والوعيد في مواجهة أي كلمة ينطق بها الآخرون ضدنا، فالتمسك بحرية التعبير هو أولى خطوات طريق التغيير.

وفي ختام حديثه لـ"الترا سوريا"، علّق المحامي بازغلان على فيديو دبا قائلًا إنه لم يشعر بالإهانة من الفيديو، داعيًا إلى الرد على سخرية دبا بالنوع نفسه من الفن أو الكوميديا، معتبرًا النقد الساخر من أصعب الفنون.

المعايير الفاصلة بين حرية التعبير والتحريض

من جانبه، تحدث الدكتور في القانون الجنائي الدولي عادل خليان لـ"الترا سوريا" عن المعيار الفاصل بين حرية التعبير والسخرية المشروعة، وبين خطاب الكراهية أو التحريض، مبينًا أن الحديث لا يتمحور حول طبيعة الخطاب، سواء كان فكاهيًا أو جديًا، وإنما يدور حول محلّ الاستهداف وطبيعته. فحرية التعبير، المكفولة دستوريًا وبموجب المواثيق الدولية التي تُعدّ سوريا طرفًا فيها، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 19)، تحمي النقد الموجّه إلى الأفكار والسياسات والسلطة والسلوك الفردي، مهما بلغت حدّته.

وأضاف الدكتور خليان مستدركًا أن هذه الحماية تتوقف عند حدّ استهداف صفة جماعية ثابتة لا تُختار، كالانتماء الجغرافي أو الطائفي أو الإثني، لأن الخطاب هنا لا ينتقد فعلًا أو سلوكًا، بل يُدين وجودًا. وهذا ما فعله دبا عبر استهداف الثورة ومكوناتها وحاضنتها الشعبية وأناشيدها، بالإضافة إلى السخرية من أهل الشام لغةً.

وأشار دكتور القانون الدولي إلى أن مثل هذه الممارسات تُعالج بموجب المادة (307) من قانون العقوبات السوري، والتي تقوم على الركن المادي، المتمثل في القول أو الكتابة أو الفعل العلني، والركن المعنوي، المتمثل في القصد الجرمي العام، أي إدراك أن من شأن الفعل إثارة النعرات. ولا يُشترط توافر قصد خاص بإحداث اضطراب فعلي، بل يكفي أن يكون الفعل بطبيعته مؤديًا إلى هذا الأثر، وهو ما يجعلها جريمة خطر لا جريمة ضرر.

ويرى الدكتور خليان أن السخرية الكوميدية يمكن أن تتحول إلى فعل يندرج ضمن التمييز أو ازدراء فئة اجتماعية أو مناطقية، مشيرًا إلى المعايير التي تحكم هذه الطروحات، والمتمثلة في معيار محل الاستهداف. فإذا كان الاستهداف موجهًا إلى فرد بصفته الشخصية، فقد يندرج ضمن النقد أو القذف الفردي، أما إذا انصبّ على جماعة بصفتها الجماعية، فإنه يصبح مثيرًا لشبهة إثارة النعرات.

ووفقًا للدكتور خليان، تراعي المعايير أيضًا التعميم والتنميط، اللذين يشملان إسناد صفات دونية ثابتة، كـ"الخداع" أو "الدناءة"، إلى جماعة بأكملها، دون ربطها بواقعة أو سلوك محدد، بالإضافة إلى معيار القابلية للتبرير الفني، الذي يخضع لإمكانية تصنيف الخطاب على أنه سخرية سياسية أو اجتماعية مشروعة، أو ألفاظ مستخدمة للتحقير والإهانة، مؤكدًا أن هذا المعيار معتمد فقهًا وقضاءً مقارنًا، ويصلح مرجعيةً استرشاديةً أمام القضاء السوري. كما لفت إلى معيار الأثر المحتمل لا الفعلي، فالمادة /307/ لا تشترط وقوع اضطراب فعلي، وتكتفي بانطواء الفعل بذاته على خطر التحريض وإثارة النعرات

الموقف القانوني من فيديو دبا

يعتبر السياق السياسي والاجتماعي، وفقًا للدكتور خليان، من أهم معايير التقييم في الحالة الراهنة، ففي المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، وفيما لا يزال النسيج الاجتماعي هشًا وقابلًا للاستثارة بعد سنوات النزاع، يرتفع معيار تقدير الأثر المتوقع لأي خطاب مناطقي أو طائفي بصورة واضحة، مؤكدًا أن هذا ينسجم مع فلسفة المشرّع في المادة /307/ من قانون العقوبات، التي شُرّعت أساسًا لحماية السلم الأهلي في مجتمع متعدد المكونات.

وضمن هذا السياق، أشار دكتور القانون الدولي إلى أن نشر المحتوى عبر منصة رقمية ذات جمهور واسع يُعدّ عاملًا يزيد من خطورة الفعل، ويبرر تطبيق أحكام قانون الجرائم المعلوماتية إلى جانب قانون العقوبات، باعتبار أن وسيلة النشر الرقمية توسّع دائرة التأثير وتضاعف احتمالية وقوع الضرر.

وكشف الدكتور خليان، في حديثه لـ"الترا سوريا"، عن إجراءات اتخذها بصفته القانونية ضد الستاند أب كوميدي دبا، حيال ما اعتبره إساءة واضحة لجمهور الثورة وأهالي دمشق، إذ تقدم بإخبار للنيابة العامة المختصة، وليس بشكوى شخصية، وذلك لسبب قانوني دقيق، فالفعل المرتكب لا يمس حقًا شخصيًا لشخص بعينه، وإنما يطال النظام العام والسلم الأهلي.

وختم دكتور القانون الدولي حديثه لـ"الترا سوريا"، مشيرًا إلى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري يجيز، بل يوجب، لكل مواطن أو محامٍ يطّلع على واقعة تشكل جرمًا عامًا، أن يتقدّم بإخبار إلى النيابة العامة المختصة، دون اشتراط أن يكون متضررًا مباشرًا، موضحًا أن الغاية من الإخبار هي الحد من خطاب الكراهية وإثارة النعرات الطائفية، وأن العقاب هو الضمان لعدم التكرار وعدم توسّع دائرة خطاب الكراهية الذي يشكل تهديدًا للسلم الأهلي.

في نهاية المطاف، تكشف هذه القضية عن التحدي القائم بين حماية حرية التعبير الفني، والحاجة إلى ضبط الخطابات التي قد تتحول إلى إساءة أو تحريض، خصوصًا في المجتمعات الخارجة من نزاعات. وبينما تبقى السخرية أداة للنقد وطرح الأسئلة، فإن حدودها القانونية والاجتماعية تظل محل نقاش مستمر.

الكلمات المفتاحية

حسام لوقا
عدالة انتقالية

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا

النفط العراقي
مجتمع واقتصاد

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الأمن الداخلي
أخبار

الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق

ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت

العنف الأسري
عدالة انتقالية

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره

الأكثر قراءة

1
أخبار

قتيلان و17 مصابًا.. خلاف عائلي يتحول إلى اشتباك مسلح في حمص


2
أخبار

بعد موجة من الجدل والانتقادات.. مديرية الآثار توضح حقيقة ما يجري في مهرجان "صيف دمشق"


3
أخبار

هيئة العدالة الانتقالية تدعو لتوثيق الانتهاكات المرتبطة بمحمد الشعار


4
أخبار

بعد مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية.. هيئة المنافذ والجمارك تتسلم مواقع تجارية في مرفأ طرطوس


5
أخبار

الهيئة العامة للطيران المدني تتسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي


advert