حملات التبرع في سوريا.. بين تباين الواقع الاقتصادي وسؤال العدالة التنموية بين المحافظات
26 أكتوبر 2025
تطرح حملات التبرع التي نُظّمت في عدة محافظات سورية، وبشكل غير مسبوق، صورة مركبة، لتكشف عن ملامح المشهد الاقتصادي والاجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب. فعلى الرغم من مساهمتها في تعزيز مبدأ التكافل الاجتماعي وتقديم دعم عاجل للعائلات المتضررة، فإنها في الوقت ذاته تسلّط الضوء على تفاوت واضح في الإمكانيات الاقتصادية والبنى التحتية بين المحافظات.
تظهر هذه المفارقة بوضوح عند مقارنة حجم ونوعية التبرعات بين المحافظات والمناطق، إذ تبدو بعض المحافظات أكثر قدرة على التنظيم والحشد، مقابل أخرى تعتمد على مبادرات محدودة ذات أثر قصير المدى. هذا الواقع يثير تساؤلات حول التوازن بين الجهد الأهلي والدور الحكومي، وحدود مسؤولية الدولة في إدارة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في بيئة تتّسم بالهشاشة والتفاوت.
مشاريع التبرع.. أمل صغير في اقتصاد مثقل
تؤدي حملات التبرع دورًا مهمًا في التكافل الاجتماعي، من خلال الزخم الكبير الذي حظيت به بمشاركة شعبية واسعة، إضافة إلى دور عدد من رجال الأعمال السوريين الحاضرين، والذي عكس أهمية المجتمع المدني والمحلي، ودوره في النهوض بالواقع التنموي والاقتصادي على مستوى المناطق والمحافظات والمرافق المحلية، بما يعزّز مبدأ التشاركية الفعّالة بين المواطنين والمجتمع المدني من جهة، والدور الحكومي من جهة أخرى.
يرى الباحث والمستشار الاقتصادي، مناف قومان، أن هذه الحملات تشكّل إحدى أبرز الحركات المجتمعية التي قادها المدنيون في المحافظات السورية، برعاية مجالس المحافظات والمجالس المحلية، في محاولة لسدّ الفراغ الناتج عن غياب فعالية الحكومة المركزية وتراجع الخدمات العامة. وتأتي هذه التحركات في ظل تعثّر إطلاق عملية إعادة الإعمار، والحاجة الملحّة لتنفيذ مشاريع خدمية عاجلة، بما يتناسب مع حجم الأضرار والاحتياجات المتزايدة.
ويضيف قومان لموقع "الترا سوريا" أن هذه المبادرات الشعبية قد أسهمت في تعزيز شعور المواطنين بالقدرة على الفعل والمشاركة، وأعادت إحياء مفهوم التضامن الأهلي في مواجهة الظروف الصعبة، لكنها في المقابل، فتحت باب النقاش حول قضايا العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد ودور الدولة في إدارة التنمية المحلية.
تبرعات سخيّة في ظل تحديات عميقة
يبرز التفاوت في حجم المبالغ التي تم التبرع بها بين مختلف المحافظات والمناطق، إذ بلغ إجمالي التبرعات نحو 400 مليون دولار، موزعة بمعظمها على الشكل التالي: حملة "أبشري حوران" 44.3 مليون دولار، حملة " دير العز" 30 مليون دولار، حملة " أربعاء حمص" 13 مليون دولار، حملة "ريفنا بيستاهل" أكثر من 76 مليون دولار، حملة "الوفاء لإدلب" أكثر من 208 ملايين دولار، حملة "أربعاء الرستن" 4 مليون دولار، حملة "باب الخير" في منطقة الباب في ريف حلب 5 مليون دولار، بالإضافة إلى حملة " فزعة منبج" في ريف حلب 11 مليون دولار.
وستخصص هذه الحملات لإعادة إعمار البنى التحتية في قطاعات التعليم و الصحة والتنمية وتطويرها بما ينعكس بالفائدة المباشرة على المجتمعات المحلية والمناطق، إضافة إلى وجود تساؤلات حول شفافية وجدية المتبرعين، خاصة مع عدم وفاء ببعض الالتزامات.
يؤكد المستشار قومان أن هذه الحملات تتمتع بخصوصية لافتة، فهي تنطلق من القاعدة الاجتماعية ذاتها، حيث يحدّد الأهالي أولوياتهم بأنفسهم، ويدرسون احتياجاتهم، ثم يموّلون وينفّذون مشاريعهم بوسائلهم الخاصة. وأضاف أن هذه البنية المحلية تمنح تلك المبادرات شرعية اجتماعية قوية، وتُكسبها قدرة أكبر على تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان، غير أنّ هذا النموذج، رغم مرونته، يواجه مجموعة من التحديات الموضوعية تحدّ من فاعليته على المدى البعيد.

أولى هذه التحديات يتصل بالفوارق التمويلية بين المحافظات، إذ جمعت إدلب على سبيل المثال نحو 208 ملايين دولار، بينما لم تتجاوز مساهمات حمص 13 مليونًا. هذا التفاوت لا يعكس بالضرورة حجم الحاجة بقدر ما يعكس اختلاف الكثافة السكانية، وانتشار شبكات المغتربين، ومستوى التنظيم المجتمعي، النتيجة المباشرة هي خدمات متفاوتة وتوزيع غير متوازن للموارد، ما قد يعمّق الفجوة الاقتصادية بين المحافظات.
ويرتبط التحدي الثاني بغياب رؤية وطنية موحّدة، فمعظم الحملات تفكّر ضمن نطاق محلي ضيّق دون تنسيق بين المحافظات، ما يؤدي أحيانًا إلى تكرار الجهود في مجالات معينة مقابل إهمال قطاعات أخرى. وبينما يرى البعض في ذلك تطبيقًا عمليًا لمبدأ اللامركزية، يرى آخرون أنّ غياب آلية مركزية لتنسيق الأولويات قد يعيق أي خطة وطنية متكاملة لإعادة الإعمار.
أما التحدي الثالث، والأكثر أهمية، فهو محدودية استدامة التمويل. فغالبًا ما تعتمد هذه الحملات على موجات من الحماس الشعبي والتعبئة العاطفية، وهي عوامل يصعب استمرارها على المدى الطويل. في المقابل، فإن إعادة إعمار سوريا تتطلّب تدفقات مالية مستمرة ومستقرة، تقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، وهو ما يفوق قدرة الجهود المحلية المتفرّقة على تحقيقه.
المجتمع المدني وصندوق التنمية: شراكة ضرورية
في 4 أيلول/سبتمبر 2025، أُعلن عن تأسيس "صندوق التنمية السوري" (SYDF)، وهو مؤسسة مركزية مقرها دمشق، تهدف بشكل أساسي إلى جمع الموارد التي يتم رصدها وتوجيهها نحو المشاريع المتعددة في سوريا. هذا الصندوق الذي يحظى باستقلال مالي وإداري ويرتبط برئاسة الجمهورية بشكل مباشر، والذي يُنتظر أن يؤدي دورًا حيويًا في عملية البناء و إعادة إعمار البنى التحتية، غير أن ذلك أثار أسئلة جوهرية تتعلق بمدى الشفافية في تنفيذ المشاريع في مختلف المناطق، وفق أولويات من الأكثر حاجة الصندوق نفسه بوصفه كيانًا ذا استقلال مالي وإداري، ومدى ارتباطه بالحملات الحاصلة.
يشير المستشار الاقتصادي إلى أنه يُنظر إلى صندوق التنمية من زوايا متباينة، فبينما يراه البعض خطوة تنظيمية ضرورية لتوحيد الجهود التنموية، يعتبره آخرون امتدادًا لنهجٍ مركزي قد يحدّ من دور المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني. فاحتكار الصندوق للموارد وقرارات التمويل قد يُضعف المبادرات المحلية التي أثبتت قدرتها على التحرك بمرونة واستجابة أسرع لاحتياجات الناس، لذلك تبقى الثقة المجتمعية مشروطة بوجود آليات واضحة للشفافية والمساءلة، تضمن الإعلان الدوري عن الإيرادات والمصروفات والمشاريع.
ويضيف أنه وفقًا للتقديرات، تحتاج سوريا إلى نحو 400 مليار دولار لإعادة إعمارها، وحتى في حال افتراض نسبة واقعية تبلغ 10% من هذا الرقم، أي نحو 40 مليار دولار، فإن ذلك يتجاوز بكثير إمكانات التمويل المحلي. كما أنه لا يتحقق المفاضلة بين طرفين، بل على أسس صيغة تكاملية تضمن التوازن بين الدينامية المجتمعية والإدارة المركزية، فالمجتمع المدني مطالب بالاستمرار في إطلاق حملات تعبئة وجمع تبرعات محلية تُبقي المواطنين شركاء في القرار وشعورهم بملكية المشاريع. وفي المقابل، على الصندوق أن يوظف قدراته المالية والدبلوماسية في استقطاب أموال المانحين وتوزيعها بعدالة بين المحافظات، ضمن إطار شفاف يتيح إشراك ممثلي المجتمع المدني في الإدارة والرقابة.
ويختم المستشار الاقتصادي حديثه لـ"الترا سوريا" مؤكدًا أن نأن االقضية المحورية هنا هي العدالة الجغرافية، إذ لا يجوز أن تستفيد محافظات مثل إدلب من مشاريع وخدمات عالية الجودة بفضل قدرتها على جمع التبرعات، بينما تعاني درعا أو دير الزور من ضعف التمويل، لأن ذلك سيعيد إنتاج الفوارق التنموية، وربما النزاعات، وهنا تبرز أهمية الصندوق كأداة وطنية لتصحيح الاختلالات وضمان حدّ أدنى من الخدمات في جميع المناطق.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


