"حواجز عابرة" لأيمن زيدان.. وجعٌ مقيمٌ في السطور
8 سبتمبر 2025
في "حواجز عابرة" الصادر عن دار "أندلسيات"، لا يقدّم أيمن زيدان نفسه كممثلٍ مخضرمٍ فحسب، بل ككاتبٍ مغموسٍ في الخسارة، وحاملٍ لذاكرة أمةٍ أنهكها النزيف، وُضعت في العراء، تنهشها الذاكرة كما تنهشها الحرب. لا يُمكن تصنيف الكتاب بسهولة: لا هو سيرة، ولا مذكرات، ولا خواطر عابرة فعلًا، بل نسيجٌ متماوجٌ من الكتابة الشاهدة، يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي، والحميم بالوطني، والوجدان بالتاريخ الصغير للناس العاديين.
إنه كتاب لا يُقرأ، بل يُستشعَر؛ نثرٌ مشبعٌ بروح الشعر، صوتٌ داخليٌّ يصرخ همسًا، ولا يدّعي الحياد أو التماسك؛ بل يمشي بعينين دامعتين فوق رماد الأيام.
نصوصٌ عابرة.. لكنها تنغرس
النصوص القصيرة التي تتوزع على صفحات الكتاب ليست قصصًا تقليدية، ولا تسلسلات سردية تُبنى ثم تُحلّ، بل هي ومضات، أو شذرات، نثر وجداني متفجّر بالمجاز والرمز. الحكايات ليست مكتملة، ولا تحتاج أن تكتمل؛ فهي تستمد قوتها من بترها، من انقطاعها كما انقطعت حيوات كثيرين في واقع الحرب. القارئ هنا لا يبحث عن نهاية، بل عن مرآة لندوبه.
يتنقّل الكاتب بين شخوصٍ يذكرهم بلا أسماء، وكأنهم رموزٌ لفقدٍ جماعيّ: أم، حبيبة، طفل، صديق، وطن. الجميع غائب، لكنه حاضر بكثافة الألم. وهذا التعميم الرمزي يعطي للنصوص بعدها الجمعي، فتتحول الذكريات الخاصة إلى ذاكرة جمعية، إلى نوع من الحِداد الذي لا يخصّ فردًا بعينه.
اللغة.. عزفٌ على جراحٍ مفتوحة
لغة الكتاب هي بطله الحقيقي. جملٌ قصيرة، مشحونة، تستعير من الشعر روحه دون أن تتقيد بإيقاعه. لا تزخرف، لكنها تلمّح، تُخفي أكثر مما تُفصح، وتكثف بدل أن تشرح. نقرأ على سبيل المثال: "ورمت السماءُ أكفّها... اكفهرت الأزقةُ، وعمّها الصمتُ سوى لا شيء".
في "حواجز عابرة" الصادر عن دار "أندلسيات"، لا يقدّم أيمن زيدان نفسه كممثلٍ مخضرمٍ فحسب، بل ككاتبٍ مغموسٍ في الخسارة، وحاملٍ لذاكرة أمةٍ أنهكها النزيف
عباراتٌ كهذه لا تصف الواقع بل تخلق مناخًا. إنها كتابةٌ تتنفّس عبر المجاز، تحتشد بالعاطفة، وتنفجر أحيانًا بالحنين الذي لا يبرأ. حتى الفراغات بين الجمل تحمل معنى، وكأن الصمت ذاته جزءٌ من النص، شاهدٌ إضافي على المأساة.
أكثر ما يشد القارئ في "حواجز عابرة" هو ذلك الحضور الكثيف للذاكرة: بيوتٌ طينية، روائح الجدّات، دخان السجائر، صوت المذياع، نقرات الحروف على ورقٍ أصفر. لا شيء يُذكر عبثًا، بل كل تفصيلة صغيرة تُستعاد وكأنها محاولة لإعادة بناء ما تهدّم.
يكتب زيدان كمن يحاول ترميم الخراب بالكلمات، يعاند النسيان، ويرفض أن تتحول الخسارات إلى أرقام. إنه توثيق عاطفي للهزيمة، بعيد عن الشعارات أو الانفعالات الزائفة، وهو ما يمنح الكتاب صدقه الفريد.
حضورُ الحرب.. وغيابُ الوطن
الحرب ليست حدثًا في "حواجز عابرة"، بل خلفيةٌ وجودية. لا أحد ينجو من وطأتها. تتبدّى في نبرة الكتاب، في انكسار عباراته، في الملامح التي تتلاشى من شدّة الغياب. الوطن لا يُذكَر كثيرًا، لكنه يُفتقَد في كل سطر. إنه الغائب الحاضر، الحيّ الميّت، الحُلم الذي فقد ملامحه.
وهذا الغياب يُصوّر بألم داخلي لا خطابي. لا يوجد لوم مباشر، ولا تحليل سياسي، بل شعور إنساني خالص بالخذلان. كأن زيدان يقول: "حتى حين صمتُّ، كانت الحرب تتكلم عني".
رغم الجماليات العالية للنص، يمكن القول إن الكتاب يقع أحيانًا في فخّ التكرار العاطفي، إذ تتناوب النصوص على إيقاعٍ وجدانيٍّ واحد يكاد يُنهك القارئ. الإحساس الطاغي بالحداد لا يُفسح المجال لكثير من التنوّع الشعوري، وقد يُثقل التجربة على من يبحث عن بارقة أمل أو نقطة ضوء في النفق الطويل.
لكن من الظلم أن يُطلَب من كاتبٍ غارقٍ في الحداد أن يُنشد الفرح. فالصدق هنا أقوى من التوازن، والحبر ينوب عن النحيب، والكلمات تخرج كأنها آخر ما تبقى من الإنسان.
"حواجز عابرة" لا يقدّم مهربًا من الواقع، بل يقدّم الواقع مجرّدًا من المساحيق. إنه كتابة مواجهة، لا تصالح، كتابة تُرينا وجوهنا في مرآة الوجع، دون مواربة. وهنا تكمن خصوصية التجربة: فهي ليست للراحة أو الترف الثقافي، بل للمواجهة، وربما للمصالحة البطيئة مع الألم.
زاوج زيدان في كتابه بين القسوة والشفافية، فكتب عن أكثر اللحظات هشاشة بلغة لا تستجدي العطف، بل تُحرّر الألم من الكتمان. لا يطلب الشفقة، بل الفهم. لا ينادي القارئ ليمشي معه في الحداد، بل ليفهم أن لا بيت ينجو حين تحترق المدينة.
من التمثيل إلى التدوين.. نفسُ الجسد ونفسُ الوجع
تحضر تجربة زيدان التمثيلية بشكلٍ خفي بين السطور. فكما جسّد على الشاشة رجالًا مهزومين، وآباءً فقدوا أبناءهم، وعشّاقًا تتكسّر أحلامهم على عتبات الواقع، ها هو هنا يدوّن وجعًا شبيهًا، لكن دون حوار أو حركة كاميرا. الجملةُ وحدها تتحمل عبء المشهد، والكلمةُ تصير دمعةً أو تنهيدة. كأن الكتاب امتدادٌ لجسد زيدان المرهق بالصراخ الصامت، وكأن القلم أخذ عن صوته ما لم تستطع الكاميرا قوله.
هذا النوع من الكتب لا يرضى بقارئ حيادي. هو يدفعك لأن تكون شاهدًا، بل مشاركًا، في البكاء الصامت، في التنهيدة التي تتكرر، في السؤال الذي لا يُجاب. ولذلك، لا يُنصح به لمن يبحث عن تسلية أو إلهاء، بل لمن يملك شجاعة الغوص في الذاكرة، حتى وإن كانت مشبعةً بالرماد.
ربما لذلك، يشعر القارئ أحيانًا بثقل التجربة، لكن في المقابل، يجد في هذا الثقل نوعًا من التطهير. كما لو أن الألم، حين يُقال، يتقاسمه الآخرون، فيصبح أقلّ وحدة.
"حواجز عابرة" ليس مجرد كتاب. إنه حالة وجدانية مكتوبة. شهادة حميمية عن الخراب، وعن الإنسان الذي يصرّ على أن يروي حكايته ولو من بين الركام. إننا أمام تجربة نادرة لكاتب يكتب لا لأنه محترف كتابة، بل لأنه لا يستطيع أن لا يكتب.
الكتابة هنا ليست هواية، ولا حتى مقاومة واعية، بل غريزة بقاء. وكأن زيدان يقول: "أكتب كي لا أموت، كي لا أنسى، وكي لا يُمحى من أحببت".
الكلمات المفتاحية
منمنمات على خشبة الحمراء.. ابن بطوطة يلتقي شباب دمشق
العرض الذي امتد زمنه ليبلغ الساعة والنصف كان بمثابة مغامرة فنية جمعت أكثر من عشرين شابًا وفتاة على الخشبة
"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب
سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها
"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد
سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024
أسواق سوريا قبل رمضان 2026.. ركود في الألبسة وإقبال على المواد الغذائية
بين محاولات التجار تحريك السوق بالعروض، وترقب المواطنين لأي انفراج في الأسعار، تبقى حركة الشراء مرهونة بتحسن القدرة الشرائية وحدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية
بين منشآت متهالكة وملاعب طينية… من يتحمّل مسؤولية تراجع البنية التحتية الرياضية؟
مدربون ومختصون يكشفون لـ"الترا سوريا" واقع المنشآت والملاعب الرياضية في سوريا، بين اعتراف بحجم التراجع وترقب حذر لمحاولات المعالجة الجارية
"ميتافورا" تطرح الإعلان الترويجي لمسلسل "الخروج إلى البئر".. عمل درامي يستعيد أحداث صيدنايا
يظهر في المقطع الفنان جمال سليمان بشخصية سلطان الغائب، وهو سجين سابق في "سجن صيدنايا"، قاتل في العراق ضد الاحتلال الأميركي قبل أن يقع في قبضة النظام السوري
"بنت النعمان".. عمل كوميدي يجمع محمد أوسو وريام كفارنة في رمضان
تتناول حلقات المسلسل المتصلة المنصلة مواقف يومية تعكس تفاصيل الحياة وهمومها، بروح ساخرة ولغة قريبة من الجمهور