حوار| المعتصم الكيلاني: العدالة الانتقالية تعاني من حالة تأخير ممنهجة
2 يناير 2026
المعتصم الكيلاني، متخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، باحث في الدكتوراه في العلاقات الدولية، مقيم بين دمشق وباريس. يتحدث لـ"ألترا سوريا" في هذا الحوار الطويل حول ملفات عديدة تحوز على اهتمام السوريين، وأهمها ملف العدالة الانتقالية الذي يغوص في تفاصيله بمعرفة المتخصص. إلى ذلك، يبدي رأيه القانوني في المحاكمات العلنية التي يجريها القضاء السوري اليوم. بينما لا يخفي ضرورة إدخال تعديلات جذرية على البنية القانونية السورية. حول هذه القضايا وسواها، كان الحوار التالي:
ــ لديك نشاط ملموس حول مسار العدالة الانتقالية. وسبق أن تم تعيينك متحدثًا رسميًا باسم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. اليوم، ما موقع المعتصم الكيلاني في الدولة الجديدة؟
موقعي اليوم ليس موقع منصب أو سلطة، بل موقع مواطن منخرط في الشأن العام، يحمل تجربة سابقة في مسار العدالة الانتقالية والتقاضي الاستراتيجي ومسيرة طويلة في النضال بحقوق الإنسان ويحاول أن يظل وفيًّا لقيمها. عندما كنت متحدثًا رسميًا باسم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، كان ذلك تكليفًا مؤسساتيًا مرتبطًا بسياق تاريخي محدّد نتيجة ظروف خاصة لم يكتب لهذا التكليف بالاستمرار، أما اليوم فالدور مختلف، لكنه لا يقل أهمية.
في الدولة الجديدة، أرى نفسي جزءًا من الضمير النقدي المدني: أتابع، أقيّم، وأُعبّر عن مواقف عند الاقتضاء، سواء عبر النقاش العام أو الكتابة أو المساهمة الفكرية. العدالة الانتقالية، كما تؤكد الأدبيات الدولية، ليست مرحلة إدارية تنتهي بإغلاق هيئة، بل مسار طويل يتعلّق بالذاكرة، والإصلاح، وضمان عدم التكرار، وهي مسؤولية مجتمع بأكمله، لا مؤسسة بعينها.
من هذا المنطلق، لا أبحث عن موقع داخل هياكل الدولة، بل عن موقع داخل النقاش الوطني، دفاعًا عن دولة القانون، وحقوق الضحايا، واحترام الحقيقة. الدولة الجديدة، إذا كانت فعلًا جديدة، فهي تحتاج إلى أصوات مستقلة بقدر حاجتها إلى مؤسسات قوية.
لكن ما أنا حريص عليه هو نجاح مرحلة الانتقال السياسي في سوريا، هذه إحدى أخطر مراحل الاستقرار في البلاد، علينا واجب كسوريين وسوريات في دعم هذه المرحلة والمشاركة بها من أجل النجاة ومن أجل بناء سوريا الجديدة.
ــ ما الملاحظات التي ترصدها على الأداء الحكومي في مسار العدالة الانتقالية؟
إذا أردنا توصيفًا حقيقيًا للأداء الحكومي في ملف العدالة الانتقالية في سوريا، فعلينا الاعتراف بأن المشكلة ليست في غياب الخطاب، بل في تعثّر الانتقال من النوايا إلى الآليات. ما نعيشه اليوم هو حالة تأخير ممنهجة في إطلاق مسار متكامل، لأسباب متشابكة سياسية، ومؤسساتية، وأمنية.
حتى الآن، لا يوجد قانون شامل للعدالة الانتقالية يحدد بوضوح: الآليات، الصلاحيات، العلاقة مع القضاء، ومعايير المساءلة وجبر الضرر. هذا الفراغ القانوني جعل كل حديث عن العدالة الانتقالية أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى سياسة عامة، وهو ما تحذّر منه الأمم المتحدة باعتباره أحد أخطر معوّقات الانتقال بعد النزاعات.
من جانب آخر، هناك تأخير في إنشاء الآليات الأساسية، فلم تُطلق بعد آليات مركزية مثل: هيئة الحقيقة والإنصاف، أو برنامج وطني لجبر الضرر، بينما لا توجد آلية واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
هذا التأخير لا يُقرأ فقط كعجز إداري، بل كـ تردد سياسي في فتح ملفات الماضي لما تحمله من كلفة اجتماعية وأمنية، وهو نمط موثق في تجارب انتقالية عديدة.
ــ كيف تتعامل الحكومة مع ملف العدالة الانتقالية. هل فعلًا تم تجميد هذا الملف حتى إشعار آخر؟
تتعامل الحكومة، عمليًا، مع العدالة الانتقالية بوصفها ملفًا مؤجّلًا، يمكن العودة إليه بعد “ترسيخ الاستقرار”. هذه المقاربة تتناقض مع المعايير الدولية التي تؤكد أن العدالة شرط للاستقرار، لا نتيجة له، كما ورد صراحة في تقارير الامم المتحدة حول الدول الخارجة من النزاع.
لا يزال الضحايا وأسر المفقودين خارج عملية التصميم وصنع القرار. لا توجد مشاورات وطنية واسعة، ولا قنوات تواصل مؤسسية تضمن مشاركتهم الفعلية. هذه الفجوة تُضعف الثقة وتحوّل العدالة الانتقالية إلى مسار فوقي، بينما جوهرها أن تكون عملية مجتمعية تقودها احتياجات الضحايا.
ــ عطفًا على السؤال السابق، ما أبرز العوائق التي تقف أمام هذا المسار؟
لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية في ظل غياب إصلاح جدي للأجهزة الأمنية والقضائية. استمرار بعض الممارسات القديمة، ولو بأشكال مختلفة، يبعث برسالة سلبية مفادها أن الدولة تريد إدارة الماضي لا تفكيكه، وهو ما تعتبره منظمات حقوق الإنسان معوقًا بنيويًا لأي مسار عدالة حقيقي.
ألاحظ أيضًا وجود ضعف التنسيق وتشتت المرجعيات. فالملف موزّع بين جهات متعددة، دون مرجعية واحدة واضحة أو استراتيجية وطنية معلنة. هذا التشتت يؤدي إلى بطء القرار، وتضارب المقاربات، ويُفرغ مفهوم العدالة الانتقالية من مضمونه العملي.
ــ في حال استمرت هذه العوائق، برأيك، ما مصير هذا المسار؟
إذا استمر هذا الوضع، فإن الخطر الحقيقي هو أن تتحول العدالة الانتقالية إلى شعار يُستهلك في الخطاب، بدل أن تكون مسارًا يؤسس لعدم التكرار وبناء دولة القانون.
ــ كمطلع على الملف الحقوقي المتعلق بالضحايا السوريين.. إلى أين وصلنا في هذا الملف بعد عام على سقوط النظام؟
بعد مرور عام كامل على سقوط نظام الأسد في سوريا، لا يمكن وصف الملف الحقوقي المتعلق بضحايا الانتهاكات بأنه انتهى أو حتى في مرحلة متقدمة من العدالة الانتقالية. بل ما تحقق حتى الآن هو بدايات رمزية وإجراءات مؤسسية أولية، مع استمرار فجوات جوهرية وتأخير في إطلاق آليات العدالة على الأرض.
ومن حيث الواقع والنتائج الميدانية هناك خطوات أولية رسمية مع استمرار الجمود العملي، مثل إنشاء هيئة وطنية للعدالة الانتقالية وهيئة للمفقودين، وأعلنت السلطات مؤخرًا عن قانون مبدئي ومسارات تحقيق أولية.
كما بدأت بعض المحاكمات المحلية المحدودة في مناطق معينة مثل الساحل.
لكن هذه الإجراءات ما زالت في بداياتها ولا تلبي مطالب الضحايا الذين يتطلعون إلى آليات أعمق للمساءلة وجبر الضرر.
ــ ترى إذًا أن الخطوات القانونية والمؤسساتية قائمة، لكنها غير كافية حتى الآن لتحقيق العدالة الكاملة أو لتلبية مطالب الضحايا الرئيسية.. ماذا عن حقوق الضحايا في هذا الملف؟
حقوق الضحايا غالبًا ليست في مقدمة الأولويات. هناك منظمات حقوقية دعت صراحة إلى أن حقوق الناجين وعائلات الضحايا يجب أن تكون محور العملية الانتقالية، مع المطالبة بضرورة عدم الاقتصار على التمثيل الرسمي فقط، بل إشراك المجتمع المدني والضحايا أنفسهم في صياغة الآليات.
هناك دعوات تركز على العدالة الشمولية التي تشمل جميع الأطراف (لا تقتصر على نظام الأسد فقط)، سواء كانت الانتهاكات من جهات حكومية سابقة أو أطراف النزاع الأخرى.
في المحصلة، إن ما تحقق حتى الآن لا يتماشى مع توقعات الضحايا أو مطالبهم الأساسية للعدالة والتحقيقات الشاملة.
ــ هل توجد ملاحظات أخرى تتعلق بهذا المسار؟
نعم. استمرار الانتهاكات رغم سقوط النظام. فلا تزال جرائم الاختفاء القسري تعتبر واحدة من أكثر الملفات المأساوية بلا حل واضح.
بصراحة، لا توجد حتى الآن إحصاءات نهائية أو قاعدة بيانات واضحة موثوقة لجميع ضحايا الحرب ومفقوديها.
إضافة لذلك، الإفلات من العقاب لا يزال واسعًا، حيث تظهر تحقيقات دولية وإعلامية أن عددًا كبيرًا من كبار مسؤولي النظام السابق يعيشون في منفى أو بحكم الإفلات من العقاب.
هذا الإحساس العام بعدم وجود مساءلة حقيقية يفاقم شعور الضحايا بالإحباط ويضعف ثقتهم في المسار الوطني للعدالة.
ــ هل تتفق مع توجه السلطة المتعلق بتسوية أوضاع بعض رجالات النظام السابق؟
بوصفي مطّلعًا على ملف الضحايا والعدالة الانتقالية، لا أستطيع أن أتعامل مع مسألة “تسوية أوضاع بعض رجالات النظام السابق” بوصفها مسألة إجرائية أو أمنية فقط، لأنها تمسّ جوهر العدالة ومعنى الانتقال نفسه.
مبدئيًا، لا أعارض فكرة التسويات بحد ذاتها؛ فالعدالة الانتقالية، وفق المعايير الدولية، لا تقوم دائمًا على العقاب الشامل، بل تسمح بأدوات متنوّعة مثل العفو المشروط، أو التسويات القانونية، أو بدائل الملاحقة الجنائية.
لكن الخلاف الحقيقي هو حول الشروط، والسياق، والضمانات وغياب الشفافية، من غير المعقول مثلًا أن يكون مشتبه بتورطه بارتكاب جرائم حرب في البلاد جزءًا من عملية سلم أهلي في البلاد وهذه حال العديد من رجالات الأسد في يومنا هذا.
ــ طيب.. أليس لديك أي تحفظات على التعاطي الحكومي مع هذه القضية المثيرة للجدل؟
أكيد. ما أتحفّظ عليه اليوم هو أن التوجّه الحالي يبدو سابقًا لأوانه، وغير مؤطّر بمعايير واضحة. نحن نتحدث عن تسويات تُطرح قبل أن نملك حقيقة مكتملة عمّا جرى، أو تحديدًا دقيقًا لمسؤوليات الأفراد، أو تمييزًا واضحًا بين من أصدر القرار، ومن نفّذه، ومن استفاد من منظومة القمع.
في غياب هذه العناصر، تتحوّل التسوية من أداة عدالة انتقالية إلى إعادة تدوير سياسية للنخب القديمة، وهو ما تحذّر منه صراحة أدبيات العدالة الانتقالية، لأنه يضرب ثقة الضحايا ويُكرّس الإفلات من العقاب.
الأخطر من ذلك أن الضحايا أنفسهم غائبون عن هذا النقاش. لا يمكن الحديث عن تسويات من دون إشراك الضحايا، أو على الأقل من دون أن تكون حقوقهم – في الحقيقة، والاعتراف، وجبر الضرر – مضمونة ومُقدَّمة على أي اعتبار سياسي أو أمني. فالتسوية التي لا تمر عبر الضحية ليست تسوية، بل صفقة.
المعايير التي وضعتها الأمم المتحدة واضحة: لا شرعية لأي تسوية إذا لم تكن مشروطة بكشف الحقيقة، وتحمل المسؤولية، وضمان عدم التكرار.
ــ هل تعتقد أن انتقاد السلطة خصوصًا في ملفي حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية يمكن أن يقود إلى نتائج إيجابية؟
نعم، أعتقد أن انتقاد السلطة، خصوصًا في ملفي حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، ليس فقط مفيدًا، بل ضروريًا إذا أردنا نتائج إيجابية حقيقية. لكن بشرط أن يكون هذا النقد مسؤولًا، معلَّلًا، وموجَّهًا نحو الإصلاح لا نحو الهدم.
من واقع التجارب المقارنة، ومن خلال ما تؤكده المعايير الدولية، فإن العدالة الانتقالية لا تتقدّم في البيئات التي يُجرَّم فيها النقد أو يُنظر إليه كتهديد سياسي. على العكس، أغلب المسارات التي حققت حدًّا أدنى من النجاح كانت تلك التي سمحت بوجود ضغط مدني وحقوقي مستمر، يذكّر السلطة بحدودها وبالتزاماتها.
في حالتنا، النقد في ملف حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية يمكن أن يقود إلى نتائج إيجابية لأنه يكسر وهم الاكتمال، حيث تميل السلطات الخارجة من نزاع إلى اعتبار نفسها “سلطة إنقاذ” أو “سلطة مرحلة استثنائية”، ما يجعلها أقل تقبّلًا للمساءلة. النقد هنا يعيد التذكير بأن الشرعية الانتقالية لا تُغني عن المحاسبة.
كما أن النقد يمنح الضحايا صوتًا غير رسمي حين يُهمَّش الصوت الرسمي، عندما تغيب آليات المشاركة الحقيقية يصبح النقد الحقوقي أحد آخر المساحات المتاحة للدفاع عن حقوق الضحايا، وهو ما تؤكد عليه تقارير الامم المتحدة التي تشدد على أن مشاركة الضحايا لا تكون فقط عبر المؤسسات، بل أيضًا عبر الفضاء العام.
والأهم أنه يعتبر أداة تصحيح مبكر. فالنقد في المراحل الأولى قد يمنع أخطاء جسيمة لاحقًا مثل التسويات غير المشروطة، والقوانين الناقصة وغيرها.
لكن، وبكل وضوح، النقد وحده لا يكفي. لكي يكون منتجًا، يجب أن يكون قائمًا على الوقائع لا الانطباعات، وأن يميّز بين النقد السياسي والنقد الحقوقي، فضلًا عن تقديمه بدائل وتوصيات، لا مجرد إدانة.
أما الخطر الحقيقي، فليس في النقد، بل في شيطنته أو تخوينه. حين تُغلق السلطة أذنها عن النقد الحقوقي، فهي لا تحمي الاستقرار، بل تؤجّل الانفجار، لأن العدالة المؤجّلة غالبًا ما تعود في شكل غضب اجتماعي أو فقدان ثقة شامل.
ــ عطفًا على السؤال السابق، هل تعرضت لأي انتقاد أو لوم من السلطة أو المقربين منها بسبب نقدك الصريح والمباشر في ملف الضحايا؟
نعم، لم أتعرّض لانتقادات مباشرة أو لوم معلن من قبل السلطة بسبب مواقفي ونقدي الصريح في ملف الضحايا، لكن ما حصل، وهو ربما أخطر، هو التهميش.
والتهميش هنا لا يكون قرارًا مكتوبًا أو موقفًا مُعلنًا، بل ممارسة هادئة.
غياب عن دوائر النقاش، إقصاء غير مُصرَّح به عن مسارات التشاور، وتجاهل متعمّد للأصوات التي تطرح أسئلة غير مريحة. وهذا النمط معروف في المراحل الانتقالية؛ حيث تُفضّل السلطات أحيانًا الأصوات المتوافقة أو الصامتة على الأصوات النقدية، حتى وإن كانت هذه الأصوات نابعة من الحرص على حقوق الضحايا لا من خصومة سياسية.
أنا أقرأ هذا التهميش لا بوصفه عقوبة شخصية، بل مؤشّرًا على ضيق هامش تقبّل النقد الحقوقي، خصوصًا عندما يطال ملفات حساسة مثل: الحقيقة، المساءلة، وحقوق الضحايا.
وهو ما يتناقض مع روح العدالة الانتقالية التي تؤكد، كما تبيّن أدبيات وتجارب دولية موثقة، أن النقد المستقل جزء من الضمانات، لا عائقًا أمام الاستقرار.
مع ذلك، لا أعتبر التهميش سببًا للتراجع أو الصمت. في مسار كهذا، القيمة الحقيقية ليست في القرب من السلطة، بل في القرب من الضحايا. وإذا كان ثمن قول الحقيقة هو الإقصاء من بعض المساحات، فهو ثمن يمكن تحمّله، لأن البديل هو التواطؤ بالصمت، وهذا أخطر بكثير على مستقبل العدالة والانتقال.
بكلمة واحدة: لم أُعاقَب، لكن جرى تجاهلي، وهذا، في المراحل الانتقالية، لغة سياسية بحد ذاتها.
ــ من الملاحظ عدم اهتمام بعض الدوائر الفاعلة في السلطة بوثائق المرحلة الأسدية، ما سمح بتمرير الآلاف منها إلى الخارج.. برأيك ما نتائج هذه اللامبالاة؟
هذه الملاحظة في محلّها، وهي خطيرة جدًا على مسار العدالة الانتقالية، لأن وثائق المرحلة الأسدية ليست مجرد أوراق إدارية، بل ذاكرة دولة وأدلة جرائم. اللامبالاة التي أبدتها بعض الدوائر الفاعلة تجاه هذه الوثائق تركت آثارًا عميقة، وستكون لها كلفة طويلة الأمد إذا لم يُعالج الأمر سريعًا.
أما عن نتائج هذه اللامبالاة، فتتمثل بإضعاف مسار كشف الحقيقة، لأن وثائق الأجهزة الأمنية والقضائية هي العمود الفقري لأي عملية حقيقة ومساءلة. وخروج آلاف الوثائق إلى الخارج، دون إطار قانوني أو إشراف وطني، يعني أن السردية حول ما جرى قد تُبنى خارج البلاد، وبمعزل عن المجتمع السوري نفسه. هذا يخلق فجوة بين الحقيقة والذاكرة الوطنية.
كما تؤدي اللامبالاة إلى تعقيد المساءلة القضائية الوطنية. فالعدالة الانتقالية لا تقوم فقط على الشهادات، بل على الأدلة الوثائقية. فقدان السيطرة على الوثائق أو تشتتها يضعف قدرة القضاء الوطني لاحقًا على فتح ملفات متماسكة، ويعزز الاعتماد على مسارات خارجية بدل بناء عدالة داخلية، وهو ما تحذّر منه تقارير الأمم المتحدة. وتقود أيضًا إلى خطر تسييس الوثائق أو توظيفها خارج سياق العدالة.
فعندما تغيب الدولة، تتحول الوثائق إلى مادة للاستخدام السياسي أو الإعلامي أو حتى التفاوضي، بدل أن تكون أداة عدالة ومساءلة. وهذا خطر موثق في تجارب انتقالية أخرى، حيث أدى فقدان السيطرة على الأرشيف إلى تشويه الحقيقة بدل كشفها.
ــ ما رأيك بلجوء البعض إلى تهريب الوثائق خارج البلاد؟
الوثائق ليست ملكًا للسلطة ولا للباحثين، بل حق أصيل للضحايا. حين تُهرَّب أو تُتداول خارج أي إطار وطني، يُحرم الضحايا من الوصول إليها، ومن معرفة مصير أحبّتهم أو الجهات التي اتخذت القرارات بحقهم، وهو ما يُعدّ انتهاكًا إضافيًا لحقوقهم.
-ماذا يتوجب على السلطة فعله لتصحيح هذا المسار؟
يجب اعتبار أرشيف المرحلة الأسدية جزءًا من الأمن القانوني الوطني، لا ملفًا ثانويًا. هذا يتطلب قرارًا سياسيًا واضحًا بحمايته، لا تركه لاجتهادات فردية أو مؤسساتية.
ووفقًا للمعايير الدولية التي يوصي بها المركز الدولي للعدالة الانتقالية، يجب إنشاء هيئة مستقلة تضم قضاة، مختصين بالأرشفة، وممثلين عن الضحايا، تكون مهمتها جمع الوثائق وحفظها وتأمينها، وتنظيم الوصول إليها وفق ضوابط قانونية واضحة، والأهم وقف النزيف فورًا وتنظيم ما خرج بالفعل سواء عبر توثيق ما هو موجود في الخارج، أو عقد اتفاقيات تعاون مع الجهات الحائزة عليه.
كما ينبغي ربط ملف الوثائق بمسار العدالة الانتقالية لا بالسياسة اليومية. يجب أن يكون الأرشيف جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة للعدالة الانتقالية، مرتبطة بهيئة الحقيقة والمساءلة، لا ملفًا أمنيًا أو تفاوضيًا.
ــ لننتقل إلى ملف آخر حاز على الكثير من النقاش مؤخرًا. هل تعتقد بوجود ضرورة لإدخال تعديلات جذرية على البنية القانونية السورية؟
نعم، هناك ضرورة حقيقية وعاجلة لإدخال تعديلات جذرية على البنية القانونية السورية، لا تعديلات تجميلية أو جزئية. لأن الإشكال في سوريا لا يقتصر على سوء تطبيق القانون، بل في أن جزءًا كبيرًا من المنظومة القانونية صُمّم أصلًا لحماية السلطة لا لحماية الحقوق. ومن دون تفكيك هذا الإرث القانوني، ستبقى العدالة الانتقالية معلّقة، وستظل دولة القانون شكلية.
هذا التقييم ليس رأيًا شخصيًا فقط، بل يتطابق مع ما تقوله المعايير الدولية وتقارير الأمم المتحدة والمركز الدولي للعدالة الانتقالية حول الدول الخارجة من أنظمة استبدادية.
ــ برأيك، لماذا التعديل الجذري ضروري؟
لأن القانون كان أداة قمع لا إطار حماية. ونلاحظ أن عددًا كبيرًا من القوانين السورية استُخدم لتجريم السياسة، وتقييد الحريات، وتوفير غطاء “قانوني” للاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري.
ولأن العدالة الانتقالية لا تُبنى فوق قوانين استبدادية. ولأن الضحايا لا يمكن إنصافهم ضمن الإطار القانوني القديم. القوانين الحالية لا تعترف بالضحايا كما يجب، ولا تضمن حقهم في الحقيقة أو جبر الضرر أو المشاركة.
ــ ما أبرز القوانين التي تجب مراجعتها؟
1. الدستور الدائم في البلاد مستقبلًا يجب أن يكافح تركّز السلطة وتغوّل الأجهزة الأمنية وضعف استقلال القضاء.
نحن نؤكد على أن أي مسار انتقالي جدي يحتاج إلى نص دستوري جديد أو إعلان دستوري انتقالي يكرّس الفصل الحقيقي بين السلطات، وسمو حقوق الإنسان، وخضوع الأجهزة الأمنية للقانون.
2. قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب.
3. قوانين القضاء والتنظيم القضائي، خاصة فيما يتعلق بإنهاء تبعية القضاء للسلطة التنفيذية، وإعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وضمان حصانة القاضي لا خضوعه.
4. قوانين الأجهزة الأمنية، التي تحتاج إلى قوانين جديدة تحدد الصلاحيات بدقة، فضلًا عن إخضاع الأجهزة لرقابة قضائية وبرلمانية.
5. قانون العقوبات الذي تجب مراجعته لجهة إدخال تعريفات واضحة للجرائم الدولية (التعذيب، الجرائم ضد الإنسانية، الإخفاء القسري)، وإلغاء المواد التي تجرّم حرية التعبير والعمل السياسي، وإلغاء التقادم في الجرائم الجسيمة كجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية.
6. قوانين العفو والحصانات التي يجب مراجعتها أو إلغاؤها لأنها تتعارض مع مبدأ عدم الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة.
ــ ما رأيك بالمحاكمات العلنية التي يجريها القضاء السوري اليوم؟
برأيي، المحاكمات العلنية التي يجريها القضاء السوري اليوم تمثّل خطوة مهمّة على مستوى الشكل، لكنها لا تزال خطوة ناقصة على مستوى المضمون، ولذلك لا يمكن تصنيفها بعد بوصفها جزءًا مكتملًا من مسار العدالة الانتقالية، بل إجراء قضائي انتقالي معزول لم يُدمَج بعد في رؤية شاملة.
يُحسب لهذه المحاكمات أن علنيتها تكسر جزئيًا ثقافة القضاء السري التي سادت لعقود، وتوجّه رسالة رمزية بأن الانتهاكات لم تعد شأنًا محظورًا.
وهذا يتماشى، من حيث المبدأ، مع ما تشجّع عليه الأمم المتحدة من علنية الإجراءات القضائية كجزء من ضمانات المحاكمة العادلة.
ــ أين تكمن الإشكاليات إذًا؟
تكمن في غياب الإطار القانوني للعدالة الانتقالية. فهذه المحاكمات تجري في ظل قوانين عادية، ومن دون ربطها بقانون عدالة انتقالية يحدد طبيعة الجرائم المشمولة وتسلسل المسؤوليات وعلاقتها بالحقيقة وجبر الضرر.
وبذلك تبقى محاكمات جزئية وانتقائية، لا جزءًا من مسار وطني متكامل.
ومن الإشكاليات أيضًا، التركيز على منفذين دون البنية التي أنتجت الجريمة.
ما نراه حتى الآن هو محاسبة أفراد في مستويات محدودة، من دون الاقتراب الجدي من منظومة القرار، أو القيادات العليا، أو حتى البنية المؤسسية التي شرعنت الانتهاكات. وهذا يتناقض مع فلسفة العدالة الانتقالية التي تؤكد، وفق المركز الدولي للعدالة الانتقالية، على مساءلة الأنماط والأنظمة لا فقط الأشخاص.
هناك ملاحظة أخرى، تتعلق بغياب التكامل مع بقية الآليات. فالعدالة الانتقالية مسار متكامل يشمل الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، وما يجري اليوم هو مكوّن واحد منفصل، لا يتقاطع مؤسسيًا مع هذه العناصر.
ــ أخيرًا.. هل يمكن أن تصبح هذه المحاكمات جزءًا من العدالة الانتقالية؟
نعم، يمكن ذلك بشروط واضحة، مثل إدماجها ضمن إطار قانوني شامل للعدالة الانتقالية، وتوسيع نطاقها ليشمل الجرائم الجسيمة وسلسلة القيادة، وضمان مشاركة الضحايا وحقوقهم الإجرائية.
من دون ذلك، ستبقى هذه المحاكمات إشارات سياسية وقضائية محدودة الأثر، وقد تُقرأ لاحقًا بوصفها محاولة لإدارة الماضي لا تفكيكه.
الكلمات المفتاحية

إطلاق سراح مدلول العزيز يجدد القلق حول مصير العدالة الانتقالية
أثار خبر إطلاق سراح مدلول العزيز استياء في الأوساط الحقوقية وبين المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، الذين اعتبروا ذلك طعنة جديدة في مسار العدالة الانتقالية

لماذا رفضت رابطة الصحفيين السوريين "مدونة السلوك" الصادرة عن وزارة الإعلام؟
أصدرت رابطة الصحفيين السوريين، بيانا ترفض من خلاله، مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة الإعلام، مؤكدة بطلان الوصاية الحكومية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا
الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري هي من أبرز الجرائم التي ارتكبها النظام السوري ضد أبناء شعبه

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


