حوار | ديمة الشكر: التاريخ يكتبه الأقوياء لكن السرديات المهمَّشة تبقى
8 سبتمبر 2025
لم تبدأ الكاتبة والناقدة والمترجمة السورية ديمة الشكر مسيرتها من الرواية، بل من الوزن؛ كأنها أرادت أن تُفكّك هيكل اللغة قبل أن تسكنها الشخصيات، وأن تدخل عالم الكتابة من بوابة البنية لا من الحكاية.
في روايتها "أين اسمي؟" لم يكن السؤال مجرّد سؤال شخصية تبحث عن اسم، بل سؤال كاتبة تُنقّب في الهوية والتاريخ. وكان لـ"الترا سوريا" هذا الحوار مع ديمة الشكر لاستطلاع رؤيتها حول اللغة والكتابة والترجمة، والاقتراب من مسار كاتبة تسير بثبات بين النقد والسرد، بين التأصيل والتجريب، من دون أن تفقد دهشتها الأولى.. أو سؤالها المفتوح.
- في "أين اسمي؟" تفقد قمّور اسمها كمؤلفة للكتاب الذي كتبته، تمامًا كما بقيت شهرزاد بلا توقيع في "ألف ليلة وليلة". برأيك، لماذا يرتبط فقدان الاسم في النصوص الأنثوية دومًا بالتهميش الثقافي؟ وهل يمكن اعتبار الرواية احتجاجًا على ذلك الصمت التاريخي؟
قمّور لا تفقد اسمها، بل يُمحى ببساطة على يد زوجها المحبّ. والأنكى أنها لا تجرؤ على سؤاله عن الأمر، تكتفي بالنظر إلى غلاف كتابها لترى اسم زوجها بدلًا من اسمها. المقصود من ذلك هو إبراز فكرة الاستحواذ: أن يستولي الرجل على عمل المرأة وجهدها، وهو أمر شائع جدًا، ويمرّ أحيانًا من دون أن تنتبه المرأة إليه، وكأنه تحصيل حاصل.
قد تبدو قمّور ضعيفة وخانعة، لكنها كانت تملك شرارة تمرّد تتناسب مع وضعها الاجتماعي، تزداد قوة كلما اتسعت معرفتها. على خلاف شهرزاد، القوية ذات المعرفة المكتملة والهيمنة منذ البداية، والتي وإن لم توقّع اسمها – كما تقترحين – فقد نُسب كتاب "ألف ليلة وليلة" إليها. مع أننا نعلم، خصوصًا من خلال الدراسات الكثيرة والرائعة عنه، أن تلك الحكايات لم يكتبها مؤلف واحد، بل تناقلتها شفاهة مجتمعات عربية وهندية وفارسية متنوّعة، قبل أن تصل إلى التدوين العربي الذي نعرفه.
وصحيح أن عمل المرأة غالبًا ما يُهمَّش ويُقلَّل من شأنه، خاصة في المجتمعات غير الديمقراطية وغير المتعلّمة، حيث تُعبد الدروب أو تُقطع وفقًا للجندر بشكل شبه تلقائي. لكن الموضوع، حين يطول الاسم، يتجاوز التهميش الثقافي ليقترب من المحو والإقصاء. وهذا ما حاولت الإضاءة عليه في الرواية من خلال شخصية طالبة العمارة "زينة"، التي تستنكر غياب اسم قمّور عن كتابها.
- يبدو أن سؤال "أين اسمي؟" لا يقتصر على قمّور أو زينة، بل يمتد ليغدو سؤالًا حول من يملك حق السرد في التاريخ. هل كنتِ تقصدين توجيه النقد إلى نظم الكتابة الرسمية أيضًا، وليس فقط إلى البنى الذكورية؟
من حيث المبدأ، للجميع الحق في السرد. لكن حين يتعلق الأمر بالتاريخ يُقال إن "التاريخ يكتبه الأقوياء"، وهو قول صحيح جزئيًا لكنه غير دقيق تمامًا. أفضّل القول إن هناك سردية مهيمنة وأخرى مهمَّشة، تتبدلان أماكنهما باستمرار.
الشكر: التاريخ يكتبه الأقوياء، لكن السرديات المهمَّشة سرعان ما تتحوّل إلى المرجع، كما حدث مع مجزرة 1860، أو كما يحدث مع فلسطين اليوم: فمهما بلغت قوة إسرائيل، فإن سردها لا يمكن أن يهيمن
ما جرى عام 1860 مثال واضح؛ إذ منعت السلطات العثمانية آنذاك الكتابة عن المذبحة لأسباب متعددة، واحتكرت "سرد التاريخ". ومع ذلك، كتب الناس رواياتهم، لكنهم لم يطبعوها فورًا، بل نسخوها وتداولوها فيما بينهم. وقد أشار المؤرخ الأميركي يوجين روغان إلى ذلك، وضرب مثالًا بكتاب الدكتور ميخائيل مشاقة "مشهد العيان في تاريخ سورية ولبنان"، الذي أصبح مصدرًا رئيسًا لتاريخ المذبحة بعد أن طُبع متأخرًا بسنوات عن تاريخ تأليفه.
بكلام آخر، فإن السردية المهيمنة للسلطة العثمانية، وإن فرضت وجهة نظرها في البداية، فشلت لاحقًا في احتكار السرد حين غدت السرديات المهمَّشة هي المرجع. وينطبق الأمر على فلسطين أيضًا: فمهما بلغت قوة إسرائيل، فإن سردها لا يمكن أن يهيمن.
- الفرق بين "الكتابة" و"التدوين" حاضر بوضوح في تعليمات القنصل لقمّور. هل قصدتِ الإيحاء بأن "الكتابة الحرة" تُهدِّد السلطة، بينما "التوثيق الصامت" يخدمها؟
القنصل كان يعتبرها مجرد ناسخة، أو خادمة كتابة في أحسن الأحوال، بينما كانت قمّور ترى نفسها متعلّمة، ونمت في داخلها رويدًا رويدًا رغبة في الكتابة، وهناك اصطدمت بالقنصل.
فالكتابة تمتلك سلطة التأثير كما لا يخفى، وكلما كانت حرّة أزعجت السلطات على اختلافها: الدينية والاجتماعية والذكورية والسياسية. وهذه السلطات لا تحتمل حتى هذا الإزعاج، إذ تراه تهديدًا لهيمنتها المطلقة، خصوصًا في عالمنا العربي. لذلك كثيرًا ما تلجأ إلى الرقابة والحذف والتهميش، ثم إلى التدجين والتوجيه، وصولًا إلى البروباغاندا، خادمتها المفضّلة. وغالبًا ما تلجأ أيضًا إلى القمع والنفي والسجن والتعذيب.
فالكتابة تخدم السلطة كلما اقتربت من البروباغاندا وتملّقتها. وبالعودة إلى القنصل وقمّور، فقد انزعج من مجرد استعمالها كلمة "الكتابة"؛ إلى هذا الحد كانت نظرته لها دونية.
- قمّور تبدأ خادمة لا تملك حتى لغتها، لكنها تتحوّل إلى "كاتبة" تقفز بين اللغتين. هل يُعدّ ذلك انتصارًا للذات الأنثوية، أم تعبيرًا عن ضياعها بين ثقافتين؟ بمعنى آخر، هل قصدتِ أن اللغة قد تكون أداة تحرّر وأداة تفكّك في آن واحد؟
صارت قمّور خادمة لأن المذبحة، شأنها شأن الحروب والكوارث، تبدّل مواقع الطبقات الاجتماعية؛ فقد يغدو الفقير غنيًا والعكس صحيح. هكذا انحدرت قمّور وعائلتها من الطبقة المتوسطة إلى الفقيرة.
لكن التعليم وحده هو ما حوّلها من خادمة إلى كاتبة: تمكّنها من العربية، ثم تعلّمها الإنجليزية، فضلًا عن سفرها وتجربتها في نسخ المخطوطات وتدوين أحداث المذبحة بالعربية، ثم كتابتها بالإنجليزية، كل ذلك أسهم في صنعها ككاتبة. صحيح أن هناك ميلًا إلى النظر في بعدها كأنثى، لكن الميل الأقوى يبقى لأثر التعليم، فامتلاك لغتين يوسّع أفق المرء ويغنيه. وفي حالة قمّور، كان اختيارها للإنجليزية حاسمًا لانتزاع موافقة ضمنية من زوجها لتسمح لها بالكتابة. وإن كان ثمة انتصار، فهو انتصار للتعلّم.
- في الرواية، يُطلَب من قمّور توثيق شهادات المجزرة من دون ذكر الأسماء، في ممارسة توثيقية تُقصي الهوية الفردية لصالح البيانات المجرَّدة. كيف تنظرين إلى هذا الحذف المنهجي؟ وهل ترين أن غياب الاسم يعرّض الضحية لمحو مضاعف، حتى داخل الذاكرة الجمعية؟
ممارسة الحذف بحدّ ذاتها مغرية لأنها تشبه ممارسة الرقابة؛ فكلاهما يحضر عند أي كتابة ويتداخل معها: قد يكون الحذف في أثناء عملية التأليف، فيما تأتي الرقابة بعدها، وقد يحدث العكس. أغرتني فكرة الكتابة تحت رقابة مشروطة بالحذف؛ فحين يطلب القنصل البريطاني ريتشارد فرنسيس بورتون من قمّور، أول مرة في دمشق، تدوين أحداث المذبحة بلسان أهل باب توما، يعطيها تعليمات واضحة: لا أسماء، لا أصوات… أي أنه يضعها منذ البدء تحت رقابة مشروطة بالحذف.
هي تكتب تحت سيطرته، مع إيحاء واضح برغبته في الاستحواذ على تلك المرويات الشفاهية ليصوغها في كتاب لاحقًا. وهذا أمر يتسق مع ما فعله في كتابه عن الأمثال السورية، وينسجم أيضًا مع التيار السائد لدى بعض المكتشفين والكتّاب والباحثين الغربيين في القرن التاسع عشر.
تدوّن قمّور وفقًا لتعليماته أو "الرقابة المشروطة بالحذف"، فتبدو تلك الشهادات فاقدة لأي قيمة. لذلك يطلب منها مرة ثانية في تريستا ويخفف بعض شروط الحذف، فتصبح كتابتها أقرب إلى ما كان سائدًا في كتب شهود العيان، مثل كتاب ميخائيل مشاقّة الذي سبق ذكره، أو مذكّرات ديمتري الدبّاس، أو شهادة جبرائيل ميخائيل شحادة.
لكن في المرة الثالثة، بعيدًا عن سلطته وعن الرقابة بمعناها الأوسع، "تتحرر" قمّور وتكتب كما تريد، بصوت الأنا وبكل عواطفها. وفي الحالات الثلاث أردتُ أن أبيّن التدرّج في الكتابة وأثر الوعي والتعلّم في تجويدها. ربما هو وهم أو فكرة طوباوية، لكنني أؤمن أن الكتابة تصير أفضل كلما كان المرء أكثر تعلّمًا ووعيًا.
- قمّور وزينة، رغم اختلاف الزمن، تعودان إلى دمشق. فهل كانت العودة فعل شوق، أم استجابة لشعور بالواجب؟ وهل العودة إلى المدينة بحث عن الاسم، أم عن اللغة؟
تعود قمّور إلى دمشق عودة كاملة وواعية، بل تُضفي على ذلك نوعًا من التمرّد على واقعها كخادمة لدى القنصل البريطاني ريتشارد فرنسيس بورتون وزوجته. وهناك، في دمشق، تقرّر أن تكتب كما تشاء.
أمّا زينة فتعود عودة غير مكتملة؛ تستغل إجازة قصيرة لتزور المدينة، وتقف حيرى أمام مدخل الجامع الأموي. فإذا كانت الأمور واضحة في ذهن الأولى، فإن الثانية مثقلة بالضياع والحيرة، ولم تحسم أيًّا من خياراتها، فلا نعرف إن كانت ستبقى في دمشق أم تعود لتكمل دراستها. قمّور اختارت دمشق، بينما ظلّت زينة عالقة في أوهامها واهتماماتها الصغيرة.
- في كتابك "الرنين المطوّق"، تتبعين نشأة علم العَروض قبل الخليل بن أحمد، وتستعرضين تطوره عبر العصور. ما الذي دفعكِ إلى هذا التتبّع التاريخي؟ وكيف ترين أهمية فهم الجذور التاريخية للعَروض في دراسته المعاصرة؟
للشعر العربي الحديث فضل كبير في ذلك؛ ففيه الموزون وغير الموزون، وهذا الفرق أثار فضولي ودفعني إلى الشغف بعلم العَروض وبالخليل بن أحمد الفراهيدي وإنجازه الباهر في هذا المجال وغيره. تكمن أهمية عمل الخليل في أن تدوينه لإيقاعات الشعر العربي كان كاملًا ومقنعًا ودقيقًا إلى درجة لا تسمح بالزيادة عليه أو الخروج عنه، وهو أمر استثنائي فعلًا.
الرواية ليست احتجاجًا فقط، بل إضاءة على فكرة الاستحواذ
فالخليل دوّن الإيقاعات في بدايات عصر التدوين في القرن الثاني للهجرة، بينما الكتب الأخرى التي وصلتنا من تلك الفترة لا تبدو على هذا القدر من الإتقان. وهذه مفارقة تفتح شهية البحث. ومن بين كل الكتب التي درستها لم أجد سوى كتاب واحد بدا مقنعًا وخارجًا عن منظور الخليل، وهو «دائرة الوحدة في أوزان الشعر العربي» لعبد الصاحب مختار. والمفارقة الأهم أن كتاب الخليل نفسه ضائع، ومع ذلك وصلنا علم العَروض كاملًا، وهذه مفارقة ثانية تفتح باب البحث مثل الأولى.
للأسف، الدراسات المعاصرة حول علم العَروض قليلة جدًا، خلافًا مثلًا للدراسات في علم النحو. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى الجذور التاريخية، نظرًا لتقاطع إيقاعات الشعر العربي مع إيقاعات لغات سامية أخرى، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة، فضلًا عما تكشفه من تطور الأشكال الشعرية، من ما قبل القصيد كنداءات التلبية مثلًا، مرورًا بالموشحات والأزجال، وصولًا إلى شعر التفعيلة.
- عنوان الكتاب يحمل طابعًا شعريًا بحد ذاته. لماذا "الرنين المطوّق"؟ وهل كنتِ ترين في العَروض نوعًا من القيد الجميل أم من الحرية المقنّنة؟
استلهمت العنوان من قصيدة حب لابن هانئ الأندلسي يناجي فيها حمامة مطوّقة. ولست شاعرة كي أرى في العَروض قيدًا، لكن يشغفني تتبعه عبر أشكال الشعر: كيف نشأ شكل القصيد واستقر طويلًا، وكيف أن البحور الستة عشر والقوافي دقيقة كميزان الذهب، حتى أنها شغفت أبا العلاء المعري في لزومياته.
كما أن المعارك الجميلة – إن صح التعبير – لخلق شكل جديد في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين كانت مدهشة. وقتها راقني كثيرًا التعبير الشائع: «تحرير البحر». فقد كتب بدر شاكر السيّاب قصيدة بعنوان "ها هو هي" حاول فيها تحرير البحر الطويل لكنه لم ينجح. ومع ذلك تحررت معظم البحور الشعرية تدريجيًا من شكل القصيد، وولد الشعر الحديث الموزون المسمّى بشعر التفعيلة.
- ما المشروع الذي تتمنين كتابته ولم تكتبيه بعد؟ وهل من حلم روائي أو ترجمي ما يزال يراودكِ؟
الكتابة والترجمة دومًا حاضرتان في ذهني.
الكلمات المفتاحية

"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب
سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها

"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد
سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية
خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


