ultracheck
ثقافة وفنون

حوار | عبد الكريم القادري: كيف جرى تدمير المعنى العمراني لدمشق؟

11 يناير 2026
عبد الكريم القادري
عبد الكريم القادري (الترا سوريا)
فريق التحرير
فريق التحرير

تتجاوز التغيّرات التي عرفتها مدينة دمشق الحجرَ والشوارعَ إلى السياسة والمجتمع، بوصفها مسارًا عميق الأثر فرض تغيّرات كبيرة على المدينة.

بين السياسة والأمن، وتداخلهما بالتخطيط، فُرض على دمشق مسار تحوّلات عمرانية شاذة، أبعد من مجرد تغيّر شكلي في العمارة. فمنذ العصور الإمبراطورية، وصولًا إلى الانتداب، ثم الدولة الأمنية في عهد البعث، اكتسبت دمشق صورة أخرى قائمة على تهميش الساحات العامة، وتفريغ الفضاء العمراني من وظيفته السياسية والاجتماعية، وخلق العشوائيات كأداة احتواء ثم كعامل انفجار.

في هذا الحوار، يقدّم عبد الكريم القادري، الباحث في مركز الوثائق التاريخية بدمشق، قراءة تحليلية لمسار التحوّلات العمرانية في العاصمة السورية، متوقفًا عند لحظات الفقد والتشكّل في هوية دمشق المعمارية.


  • ما هي اللحظة الحاسمة التي بدأت فيها دمشق تفقد هويتها العمرانية التقليدية؟

ربما أول تغيير تخطيطي معماري ملحوظ حصل في دمشق هو إقامة الشارع المستقيم، وهو عمل إمبراطوري مفهوم، خصوصًا أن الروم، وقبلهم اليونان، لم يشكّلوا أغلبية في المدينة.

أما التغيير الذي يليه في دمشق فبدأ منذ نهاية العصر الأموي عام 750 ميلادي. فرغم كون الأمويين حضارة مختلفة عن الروم البيزنطيين (حكّام دمشق آنذاك)، إلا أنهم اقتبسوا منهم عمرانيًا الكثير، وهذا يظهر في استخدام المئذنة مثلًا، ويظهر في قبة النسر، وبشكل جلي في قصور الخلفاء الأمويين كقصر خربة المفجر والرصافة وعمرة.

أما العصر العباسي فهو عصر تدهور لم تشهد المدينة مثله من قبل، فقد أحدث انقطاعًا جراء الإهمال الكبير الذي عوقبت به المدينة، حتى مجيء نور الدين زنكي إليها، الذي اهتم بالعمارة بشكل كبير جدًا، وابتدأت حلقة جديدة في تاريخ المدينة معماريًا، أكملها الأيوبيون ثم المماليك، ولم تنتهِ مع العصر العثماني، الذي افتتن أغنياؤه في نهاية الدولة بالعمارة الغربية، فأدخلوا أنماطًا معمارية مختلفة كالروكوكو والباروك.

مع بداية الدولة السورية نجد أبنية حديثة في شارع النصر (جمال باشا على اسم من شقّه)، بعضها من أعمال الإسباني العثماني فرناندو دي أراندا، وبعضها بُني في عهد الرئيس تاج الدين ابن بدر الدين الحسني المغربي.

ومنها مبنى مياه عين الفيجة، التحفة المعمارية التي عبّرت عن الزخرفة الدمشقية بشكل رائع. كان توسّع الدمشقيّين خارج مدينتهم مفهومًا في ظل زيادة السكان.

لم يبدأ الخراب مع البعث فحسب، بل مع التحديث الإجباري الذي فرضته فرنسا بما يتناسب مع مصالحها. فبدلًا من شوارع المدينة القديمة العفوية، فُرض نمطها الشعاعي في الساحات، بما يتناسب مع الجيوش والاستعراضات العسكرية وفرض الأمن.

ويمكن لمذكّرات الكثير من أبناء الطبقة الغنية أن تُرينا كيف تركوا بيوتهم العربية ضمن "السور"، الذي بقي حدًا اجتماعيًا فحسب، وانتقلوا إلى منازل في المهاجرين وسفح قاسيون.

ساعدهم على ذلك الترام الذي كان يخدم المنطقة هناك، إلى جانب عمل المخططين الفرنسيين على إحداث مخططات تتناسب مع السياسة الفرنسية.

هذه السياسة الأخيرة كانت شماعةً لمن أتى بعدهم (بحسب باحثين) لكي يقولوا إنهم ليسوا مسؤولين عن الخراب، حيث إن المخطط الفرنسي حافظ على شيء من الغطاء الأخضر وبساتين دمشق، التي وصفها الرحالة بأنها تحيط بدمشق كما يحيط السوار بالمعصم.

اللحظة الفارقة هي استلامُ منظومةِ إفساد، ساعدها متعهدو بناء وطامعون ببناء ثروة سريعة من أبناء المدينة، مع جهل وتجهيل بما يحدث، وبدأ الخراب.

كان الحاكمُ لعقل حافظ الأسد هو الأمن، وهذا يفرض عليه أن يرى المدينة القديمة خطرًا لأنها ليست خاضعة للمراقبة، والواجبُ أن تتحول المدينة إلى جهاز ضبط، كما يقول ميشيل فوكو، عكس الأزقة المتعرجة ذات الزوايا المكسورة والعتمة والمفاجأة.

فالتغيير الذي أحدثه حافظ كان أمنيًا أولًا، وهو الذي أدى إلى نشوء أحياء مثل المزة 86 وعش الورور وغيرها. أما الأخطرُ فهو السماح بالمخالفات لتأمين مساكن مرحلية (لا يهم أن تكون كريمة)، المهم أن 90 في المئة من العائلات لديها منازلها.

عهد بشار، الذي لم يكن ابن فلاح كوالده ولم يعش أيامًا مثله، شكّل عهده فسادًا رأسماليًا تمثّل ببناء مناطق لا توائم النسيج العام، وليست للناس بل للأغنياء، مثل ماروتا وباسيليا، وإهمال التخطيط السليم والحاجات الحقيقية. هذا الاختصار المُخلّ هو اختصار مفتاحي لما كان عليه كلٌّ من بشار وحافظ.

  • هل ترى أن هناك تصورًا عدائيًا خفيًا لدى الدولة تجاه "المدينة التاريخية" بوصفها مكانًا يصعب السيطرة عليه؟

نعم، ولقد أرهقت العاصمةُ مدينةَ دمشق. حافظ، الذي جلب نازيًا لبناء سجن صيدنايا، وكان قصره مطلًا على كل شبرٍ من دمشق، ورسالتُه المسرّبة إلى زوجته، التي تحكيها الرسالة عن عقليته النيتشويّة واحتقاره للمشاعر الإنسانية، وارتقاؤه إلى الحكم بقتل أصحابه؛ نعم، هو يرى هذا وأكثر.

ويرى ما يراه هوبز من أن الإنسان خطر، وأن النظام يحميه من نفسه، ويعرف أن السياسة تحتاج مكانًا، كما تقول حنّة أرنت. ولذا نرى أن الساحات في سوريا مجرد دورات عبور، وفُرض هذا النمط على المدارس والجامعات والمساجد. قارن بين مكتب عنبر، الذي خرج منه شكري القوتلي، وبين أي مدرسة بُنيت في الثمانينيات!

  • كيف تفسر علاقة النظام بالعشوائيات؟ هل هي نتيجة فشل، أم أداة لضبط الطبقات الفقيرة والهامشية؟

النظام خلق العشوائيات بفشله وبمحاولات غبية لاستيعاب الكتلة السكانية، ثم خلقت العشوائيات الثورة. هذا الديالكتيك حاضر بكثرة في تاريخ الأمم، وفي مسارات صعودها وسقوطها. حاول النظام، وخصوصًا في العشوائيات، ضبط الناس إمّا بخلق جماعة مغايرة بالقرب منها (أكراد ركن الدين وعش الورور)، أو عبر مؤسسات، سواء مدرسية أو حزبية أو دينية حتى، أو بخلق انقسامات داخلية. وحين لم يستطع، هجرها عن بكرة أبيها، كما حدث في مخيم اليرموك.

  • ⁠هل ترى أن من المجدي الحفاظ على الطابع الدمشقي التقليدي؟ أم أن الزمن قد تغيّر ويجب اختراع طابع جديد؟

لست أدافع عن شكل دمشق، إنما عن معنى دمشق. الهوية ليست شكلًا، لذلك فإن مصطلح «الطابع» هو أبسط معنى من معاني دمشق.

دمشق هي الفراغ العمراني، والساحة التفاعلية لأهلها، لكي يكونوا دمشقيين، ويفكروا كدمشقيين، ويحافظوا على التراكم المعرفي الذي يُصلح حالهم ويحفظ هويتهم.

  • برأيك، ما العلاقة بين العمارة والسياسة في دمشق؟ وهل يمكن لعمران عادل أن يخلق سياسة أكثر عدالة؟

الفضاء العام هو ما يخلق السياسة. فلسفة اليونان تَشكّلت في الأغورا. كان النظام يُغلق الجامعات مع نهاية الدوام، ويربطها أمنيًا بالفروع (الهمك وفرع فلسطين)، وكان يُغلق المساجد فور انتهاء الصلاة بحجة نظافة الميضآت.

في دمشق كلها لا توجد ساحة واحدة، وفي سوريا كلها لا تحضرني سوى ساحةُ سعد الله الجابري في حلب؛ أمّا البقية فهي دوّارات فقط.

  • ⁠لو سُمح لك بإعادة تخطيط دمشق، من أين تبدأ؟ وما هو أول قرار يجب اتخاذه في اليوم الأول؟

هناك جملة قرارات، أبرزها جمع الخبراء وعقد مؤتمر، واتفاق الناس، بعد مخرجات المؤتمرات، على شكل مدينتهم، لتخفيف تغليب المصلحة الشخصية، ولتحمّل ثِقَل القرارات.

الاتجاه نحو الريف وتنميته (بعد تنسيق أو دمج محافظتي دمشق وريفها)، وإعادة النسيج الأخضر للمدينة، وتشجير قاسيون، وتفعيل مختبر بردى ودعمه بكل الإمكانيات، ووضع خطة لإعادة تفعيل دور تجار دمشق في الدفاع عن مدينتهم، عبر تحميلهم مسؤولياتٍ ومنحهم صلاحياتٍ (التجار لأنهم مادة المدينة وأصلها).

دعم الحِرف اليدوية، واتخاذ قرارات، بالتنسيق مع وزارة السياحة، للترويج للمدينة وتخديمها بما يلزم للسياح (جولات مجانية، فنادق، مسارات، كهرباء، محلات صرافة آمنة)، إضافةً إلى الاهتمام بآثار دمشق والمشهد العمراني بشكل عام.

تحويل الدوّارات إلى ساحات، فنحن لا ساحات لدينا للاحتفال، ولا للتظاهر، ولا لاجتماع الناس. الحدائق في دمشق جيدة، لكن ليس جميعها (الطلائع: إعادة تسمية وتأهيل، جنينة الزاهرة، ابن عساكر، وغيرها)، وغير ذلك.

  • ⁠إذا كان لديك ابن أو حفيد، هل تتمنى أن يعيش في دمشق المستقبل؟ ولماذا؟

لقد صنعتني دمشق، سواء تلك التي أعيش فيها أو تلك التي في المخيّلة، والتي قرأت عنها في مذكّرات الطنطاوي ورحلات ابن جبير. أتمنى أن يتفهم ابني لماذا عشت فيها بعيدًا عمّا أتمناه له، وعندها سيفهم، على ما أعتقد.

الكلمات المفتاحية

معرض الكتاب

"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب

سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها


معرض الكتاب

"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد

سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024


الفرات

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية

خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات


معرض الكتاب

بطلب من بغداد: دمشق تمنع عرض كتاب يضم خطب الزرقاوي في معرض الكتاب

أفادت وكالة "رويترز" بأن الحكومة السورية منعت عرض كتاب مرتبط بـ"تنظيم القاعدة" في معرض الكتاب بدمشق، عقب طلب تقدّمت به بغداد

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert