ultracheck
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

6 فبراير 2026
المناهج الدراسية
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية (رويترز/الترا سوريا)
سامر سيف الدين
سامر سيف الدين كاتب وأكاديمي

في البيوت السورية، لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك. صارت تجلس إلى مائدة الطعام، وتشارك العائلة نقاشاتها، وتنام معها على قلقٍ مزمن، وتستيقظ على توترٍ لا يهدأ. فالمناهج السورية، بصعوبتها وكثافتها، وبانفصالها شبه الكامل عن واقع بلدٍ خرج لتوّه من حرب طويلة، لم تعد شأنًا تربويًا يخص الطالب وحده، بل تحوّلت إلى قضية عائلية بامتياز، تستنزف الأعصاب وتعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة.

مناهج ثقيلة لبلدٍ منهك

ما زالت المناهج السورية تُبنى على فلسفة قديمة تقوم على الحشو، والتلقين، وقياس "التفوق" بعدد الصفحات المحفوظة لا بعمق الفهم أو القدرة على التفكير. كان هذا النموذج قاسيًا حتى في سنوات الاستقرار النسبي، فكيف به اليوم في بلدٍ تراجع فيه مستوى التعليم، واكتظت صفوفه بأعداد تفوق طاقتها، وغاب عنه الحد الأدنى من شروط البيئة التعليمية السليمة؟

تقول أم بحر، وهي مدرسة لمادة الفيزياء، في حديثها لموقع "الترا سوريا"، إنها تعود إلى بيتها منهكة كما لو أنها خرجت من معركة صغيرة. وتضيف: "الصفوف مكتظة، والمناهج ثقيلة، ويُطلب من الأهل أن يكونوا شركاء كاملين في التعليم"، وتابعت بمرارة: " لكن أي أهل؟ معظمهم لا يمتلك القدرة العلمية، وإن امتلكها فهو غارق في همّ تأمين لقمة العيش".

وفي بيتٍ آخر، تعمل أم كريم ممرضة بنوبات تمتد يومًا كاملًا، فيما زوجها مغترب في الخليج. لم تجد حلًا سوى وضع طفلها الوحيد عند معلمة خاصة، بأجر يتجاوز الأربعين ألف ليرة للدرس الواحد. ومع ذلك، لا يهدأ الصراخ في المنزل. فحتى الدروس الخاصة لا تستطيع أن تعوّض كثافة مناهج لا تراعي طفلًا متوسط الذكاء ولا أمًا غائبة أغلب الوقت.

هذه ليست حالات استثنائية، بل صورة شائعة، خاصة في الريف السوري. فكيف لطفل يعيش في بيتٍ يعاني الفقر، وانقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت، أن يُنجز واجبات تفوق طاقته العمرية، وأن يحفظ كمًا هائلًا من المعلومات، وأن يستعد لامتحانات مصيرية لا تراعي الفروق الفردية ولا الظروف المحيطة؟ هنا، ينتقل العبء تلقائيًا من كتفي الطالب إلى كتفي الأهل.

الأهل.. معلمون رغمًا عنهم

وجد كثير من الأهالي أنفسهم، من دون تدريب أو خيار، في موقع المعلم المساعد، أو المراقب الدائم، أو الخصم. الأم، وهي الأكثر التصاقًا بالتفاصيل اليومية، تتحول إلى حلقة وصل مرهقة بين المنهج والطفل: تشرح، وتعيد الشرح، وتراقب الواجبات، وتعدّ امتحانات منزلية، بينما هي نفسها تعيش تحت ضغط معيشي ونفسي خانق.

تقول إيمان، وهي حاصلة على شهادة جامعية، إن قدرتها على تعليم أولادها تتوقف عند الصف الرابع. وأضافت لـ"الترا سوريا": "أستعين بزوجي المهندس في تدريس الرياضيات والعلوم والإنكليزية، وحتى العربية أصبحت صعبة"، مشيرةً إلى أن الإنترنت – حين يتوفر – هو المنقذ الأخير.

وتابعت أنه ثم تأتي "المشاريع المدرسية" التي تفترض وجود إنترنت دائم ومعرفة تقنية لدى الأهل. تقول إيمان متسائلة: "كأن واضعي المناهج يعيشون في بلدٍ آخر؟"، قبل أن تستدرك: " ثم أجد لهم عذرًا.. المنهاج نفسه مفروض عليهم".

أما الأب السوري، المنشغل طوال النهار بتأمين أساسيات الحياة، فيعود مساءً ليجد نفسه في دور لا يقل إنهاكًا: سلطة انضباط، وقاضٍ منزلي. تراجع العلامات يتحول إلى اتهام، والامتحان إلى محكمة، والتقصير الدراسي إلى أزمة عاطفية. شيئًا فشيئًا، تتآكل العلاقة بين الأهل وأبنائهم، ويُنظر إلى الطفل لا كإنسان يتعلم، بل كمشروع نجاح أو فشل.

حتى المدرسين أنفسهم ليسوا خارج هذه الدائرة. يقول عماد، وهو مدرس للغة الفرنسية، إنه يعمل من الثامنة صباحًا حتى العاشرة ليلًا متنقلًا بين بيوت الميسورين والفقراء. وأضاف لـ"الترا سوريا": "من يريد مستقبلًا جامعيًا جيدًا لأولاده، عليه أن يؤمن الدروس الخاصة"، وتابع بواقعية قاسية لافتًا إلى أنه هو نفسه يضع دروسًا لأولاده في مواد أساسية، ومضى قائلًا: "المناهج صعبة، والأهالي غير مهيئين، حتى نحن".

توتر يومي لا يُرى

نادرًا ما يظهر هذا التوتر في شكل شجارٍ واضح. غالبًا ما يتسلل بصمت: نبرة صوت أعلى من المعتاد، ضيق مفاجئ عند ذكر الامتحانات، مقارنات جارحة مع أبناء الأقارب والجيران. ومع الوقت، تتشكل داخل البيت بيئة مشحونة، يرتبط فيها التعلم بالخوف، والنجاح بالرضا المشروط.

الأخطر أن هذا المناخ لا يدمّر التحصيل الدراسي فحسب، بل ينهك الصحة النفسية للأسرة بأكملها. الأهل يشعرون بالعجز أمام منهج لا يستطيعون تغييره، والطفل يشعر بالذنب لأنه لا يرقى إلى التوقعات. وهكذا، تتآكل الثقة، ويحل القلق محلها.

مدرسة افتراضية وواقع مختلف

ترى الآنسة ربيعة، مديرة مدرسة بخبرة تزيد على 15 عامًا، أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن المناهج التي ما زالت تُصاغ لبيئة مثالية: صفوف منضبطة، معلمون مدربون، وسائل حديثة، واستقرار نفسي. تقول لـ"الترا سوريا: "معظم هذه الشروط غائبة"، مضيفة "لكن المناهج بقيت، بل ازدادت كثافة".

هذا الانفصال يجعل الأسرة خط الدفاع الأخير، تحاول تعويض نقص المدرسة وفشل النظام وغياب الدعم النفسي. لكن الأسرة، المنهكة أصلًا، ليست مؤسسة تعليمية، ولا يمكن تحميلها هذا الدور دون ثمن اجتماعي باهظ.

إلى أين؟

ترى الدكتورة عهد، وهي أستاذة في كلية التربية، أن تخفيف العبء لا يبدأ من البيت، بل من إعادة النظر في فلسفة التعليم نفسها: تقليص الحشو، التركيز على الفهم لا الحفظ، إدخال مهارات حياتية، مراعاة الفروق الفردية، وتخفيف مركزية الامتحان. كما أن دعم الأهل نفسيًا وتربويًا لم يعد ترفًا، بل ضرورة.

فالتعليم، في جوهره، يجب أن يكون أداة بناء، لا عامل تصدع أسري. وإذا استمرت المناهج السورية في تجاهل الواقع الاجتماعي والنفسي للطلاب وأهاليهم، فإن ثمن التفوق الورقي قد يكون عائلات أكثر إنهاكًا، وأطفالًا أكثر قلقًا، ومستقبلًا هشًا لا تعالجه الشهادات.

الكلمات المفتاحية

كفرنبودة

كفرنبودة بعد الحرب: عودة بطيئة وسط الركام وارتفاع تكاليف الحياة

تعاني بلدة كفرنبودة بريف حماة الشمالي من غلاء الأسعار وغياب الخدمات والركام، ما فاقم من العائدين بعد سنوات من النزوح على أمل استعادة حياتهم الطبيعية


معرة النعمان

موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان

لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة


إدلب

إدلب تستقبل العائدين من الخارج.. أزمات السكن والعمل والخدمات تعيد طرح سؤال الاستقرار

لم تعد صدمة السوريين المغتربين والعائدين إلى إدلب وريفها حالة فردية أو مؤقتة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية متنامية تحمل مخاطر نفسية واجتماعية طويلة الأمد


الاقتصاد السوري

سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي

يكشف واقع الاقتصاد السوري بعد الحرب اتساع الفقر واعتماد ملايين السكان على المساعدات، وسط تعافٍ بطيء وعقبات تعرقل الاستثمار وإعادة الإعمار

الهلال ومحافظة حمص
منوعات

سيدات الهلال في صدارة ذهاب دوري كرة القدم.. وحادثة ميدانية تعيد الجدل حول السلامة الطبية

حسمت سيدات الهلال صدارة ذهاب دوري كرة القدم بعد فوزهن على محافظة حمص، فيما كشفت حادثة طبية عن إهمال تنظيمي رافق المباراة

الوحدة والحرية
منوعات

في ختام ذهاب سلة المحترفين.. الوحدة يتجاوز الحرية والنواعير يتربع على الصدارة

اختتمت مرحلة الذهاب من دوري سلة المحترفين بفوز الوحدة على الحرية، فيما حافظ النواعير على صدارة الترتيب العام


هيئة المفقودين
أخبار

هيئة المفقودين: العثور على موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية

أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين عن استجابتها لبلاغ حول موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية

معرة النعمان
مجتمع واقتصاد

موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان

لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة

الأكثر قراءة

1
أخبار

وسط أزمات متفاقمة.. الاتحاد الأوروبي يقدّم 210 مليون يورو مساعدات إنسانية لسوريا


2
سياسة

بين هدنة هشة وتسوية مؤجلة.. ملف السويداء يختبر صبر السياسة


3
مجتمع واقتصاد

كفرنبودة بعد الحرب: عودة بطيئة وسط الركام وارتفاع تكاليف الحياة


4
أخبار

الأمطار الغزيرة في الحسكة ترفع مخاطر فيضان الخابور وتحذيرات للأحياء القريبة


5
أخبار

"منظمة الصحة العالمية" تخصص تمويلًا طارئًا لدعم الاستجابة الصحية في سوريا


advert