ultracheck
قول

حين فقد السوريون الإصغاء: عن العجز الخفي في مجتمع يتكلم كثيرًا

12 نوفمبر 2025
مواقع التواصل
الفضاء الرقمي: ضجيج جديد بصدى الخوف القديم (مواقع التواصل)
فاطمة عمراني
فاطمة عمرانيصحافية سورية

لم يفقد السوريون صوتهم، بل فقدوا الإصغاء إلى بعضهم.

الكلام لم يتوقف يومًا، لكنه تحوّل إلى صدى متكرر لا يحمل معنى. في البيوت، في المدارس، في العمل، في الفضاء العام، الجميع يتكلم بصوت عالٍ أحيانًا، وبهمسٍ حذر أحيانًا أخرى لكن أحدًا لا يسمع حقًا.

منذ وقت طويل، تشكّل الوعي السوري في بيئة تعتبر السكون فضيلة، والطاعة أمانًا. تعلّم الطفل أن يُنصت ليطيع لا ليفهم، وأن يردّد ما يُقال له لا ما يعتقده. ومع كل جيل، ترسّخ هذا النمط حتى صار الإصغاء مهارة نادرة، والكلام مجرّد وسيلة للدفاع لا للتعبير.

وحين تبدّل كل شيء: السلطة، اللغة، المشهد. لم ينته الصمت كما تخيّلنا، بل تحوّل إلى ضجيج. خرجت الأصوات دفعة واحدة تبحث عن معنى، لكنها اصطدمت ببعضها وتاهت في صدى طويل. صار السوري يتكلم كثيرًا، لكنّه لا يجد من يفهمه، وصار المجتمع أكثر ضجيجًا وأقل تواصلًا.

هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل كانت مشكلتنا يومًا في الصمت، أم في الضجيج الذي أخفى العجز عن الفهم؟

لغة الخوف الأولى

في بدايات التكوين الاجتماعي، لم يكن الخوف حدثًا طارئًا، بل جزءًا من التربية اليومية. في البيوت السورية، كان الصمت غالبًا علامة أدب لا كبت. الطفل يتعلم أن يخفض صوته أمام الكبار، ألا يسأل كثيرًا، وألا يجادل. ثم، في المدرسة، يتكرّس الدرس: الإجابة الصحيحة ليست ما تعرفه، بل ما يُنتظر منك أن تقوله.

بهذه الطريقة، تنشأ رقابة داخلية مبكرة؛ رقابة لا تحتاج سلطة حقيقية لتفرضها. كما يصف عالم النفس الاجتماعي إريك فروم، يتحول الخوف من العقاب إلى خوف من الحرية ذاتها. الحرية في أن تفكر بصوتك، أن تقول ما تعنيه، أن تخاطر بأن يُساء فهمك.

ومع الوقت، صارت اللغة نفسها أداة للبقاء. يتحدث الفرد لكنه يختار كلماته كما لو كان يسير في حقل ألغام. يتعلّم أن يقول دون أن يقول، أن يموّه ما يقصده بعبارات آمنة. وهكذا نشأت "اللغة المقنّعة": لغة تلتف حول المعنى لتنجو منه.

هذه اللغة لا تنقل المشاعر، بل تخفيها. لا تشرح الموقف، بل تبرّره. إنها لغة جماعية، لكنها بلا تواصل فعلي، لأن المتكلم والمستمع كلاهما يعرف أن ما يُقال ليس بالضرورة ما يُراد قوله.

الحرب وانهيار المعنى

حين اندلعت الحرب، لم تكن المسافة بين الكلام والفهم بحاجة لتبرير جديد، لكنها اتسعت حتى صارت هوة. لم تدمّر الحرب المدن فقط، بل خرّبت اللغة التي تجمع الناس حول معنى واحد. كل طرف بدأ يصوغ واقعه بلغة جديدة، كلّها صحيحة في نظر أصحابها، وكلّها زائفة في نظر الآخرين.

انهارت المرجعية المشتركة التي كانت تمنح الكلام معنى عامًا. صار الحدث الواحد يحمل عشرات التفسيرات، وكل جملة تُفهم ضمن معسكرها. فقدت اللغة دورها كوسيلة للفهم، وصارت وسيلة للانقسام.

من منظور نفسي، هذا التحول ليس مجرد اختلاف في الآراء، بل شكل مما يمكن تسميته "الانفصال الإدراكي الجماعي" أي حين يعيش المجتمع ضمن خرائط ذهنية مختلفة لا تلتقي. والنتيجة: الحوار يتحول إلى معركة هوية، لا إلى تبادل أفكار. كل جملة تصبح إعلانًا عن الانتماء، وكل إصغاء يبدو كتهديد.

هكذا تحوّل التواصل إلى نظام مغلق: الناس يتكلمون، لكنهم لا يتبادلون الفهم. اللغة، التي كانت يومًا وسيلة للبقاء الجماعي، صارت دليلًا على الفرقة.

الفضاء الرقمي: ضجيج جديد بصدى الخوف القديم

عندما دخل السوريون الفضاء الرقمي، بدا وكأنه فرصة أخير للانفتاح. المنصات كانت تعدهم بحرية الكلام، لكن سرعان ما أعادت إنتاج القيد بطرق مختلفة. خوارزميات “غرف الصدى” جعلت كل شخص يسمع من يشبهه فقط، ويرى ما يصدّق عليه مسبقًا.

بالمعنى النفسي، تحولت هذه المنصات إلى مرآة مضخّمة للذات لا نافذة للعالم. صار المستخدم يكرر أفكاره داخل فقاعة رقمية، فيتوهّم أنه يعبّر بحرية، بينما هو في الواقع يتحدث إلى صورته فقط.

ومع الخوف المتراكم من المراقبة، صار حتى الفضاء الافتراضي مراقبًا نفسيًا. الناس يكتبون كما لو أن أحدًا يقرأهم ليدينهم. الكلمات تمر عبر رقابة لا مرئية، لا تفرضها السلطة هذه المرة، بل الذاكرة الجمعية للخوف.

وهكذا، تكرّست العزلة من جديد، لكن بثوبٍ رقميّ. التواصل صار أكثر سرعة، وأقل عمقًا. الكلمة تنتشر، لكن المعنى يضيع في الطريق.

الشتات: حين تغترب اللغة عن أصحابها

في المنافي، انكشفت المفارقة. بعد سنين من الخوف من الكلام، صار الكلام ممكنًا لكن التعبير لم يعد سهلًا. اللاجئ السوري يتحدث بحرية، لكنه يصطدم بفراغ داخلي: كأن اللغة التي يحملها لم تعد تفي بالغرض.

في علم النفس الجمعي، تُعرف هذه الحالة بـ"الاغتراب اللغوي"، أن تصبح لغتك عاجزة عن حمل تجربتك لأنها تشبه عالمًا لم يعد موجودًا. السوري في المنفى يتحدث العربية، لكنه يحمل فيها رائحة الغياب، كأنها لغة فقدت بيتها.

كشفت دراسة بعنوان The Impact of Asylum on Psychological Alienation: An Analytical Study from the Perspective of Syrian Refugee Students in Jordan، أجراها باحثون في الأردن على عينة من الطلاب السوريين اللاجئين، عن تأثير اللجوء في تعزيز الاغتراب النفسي، خاصة في التعبير العاطفي والتكيف الاجتماعي، حيث يعيق الضغوط الاقتصادية والثقافية القدرة على البوح الحقيقي رغم التواصل اليومي. أما دراسة Psychological and socio-cultural adaptation of Syrian refugees in Turkey، التي اعتمدت على مقابلات عميقة مع لاجئين سوريين في تركيا، فقد أبرزت صعوبات التكيف النفسي الثقافي الناتجة عن الصدمات المتراكمة، مما يؤدي إلى انقطاع في التعبير عن العواطف وتحويل الكلام من أداة بقاء إلى تحدٍّ عاطفيّ يعمق العزلة. هذه الدراسات تؤكّد أن الاغتراب اللغوي لا يقتصر على العزلة الثقافية، بل يمتدّ إلى انقطاع القدرة على التعبير الحقيقي، فالكلام الذي كان وسيلة للنجاة يحتاج الآن لغة حيّة غير مشروخة ليصبح بوحًا يعيد بناء الروابط.

ومع ذلك، وسط هذا الارتباك، يظهر أمل صغير: حين تزول الرقابة، حتى تدريجيًا، يبدأ الصوت في استعادة طبيعته. يبدأ الكلام في أن يصبح وسيلة للفهم لا للبقاء، والإصغاء في أن يعود كقدرة على الثقة.

الصمت الجديد: الإصغاء كبداية للنجاة

السوريون يتحدثون، لكن أصواتهم غالبًا لا تصل كما يُراد، محاصرة بالخوف الذي توارثوه وبالعزلة التي شكلت حياتهم.

الكلام حاضر، لكنه يُقاس بالحذر أكثر من الصدق، والحديث ليس مساحة للفهم بل محاولة للبقاء وسط صدى يكرر نفسه دون أن يلتقي بالآخر. بعضهم يتحدث ليهرب من الصمت، وبعضهم يصمت لأنه تعب من الكلام، وبين الاثنين تضيع القدرة على الإصغاء، وتضيع فرصة اللقاء الحقيقي بين الناس.

هذا الضجيج لا يعكس قوة أو حرية، بل إرهاق طويل من محاولة التعبير وسط قيود داخلية وخارجية ممتدة. الخوف لم يخرس السوريين فقط، بل أعاد تشكيلهم من الداخل، جعلهم يشكّون بالآخر، يصححون كلماته قبل أن يسمعوه، ويُخفّفون معانيها كي لا تكشفهم أو تكشف ماضيهم.

ربما يبدأ التعافي من أبسط ما تجاهلناه: الإصغاء. ليس كأدب اجتماعي أو لياقة سلوكية، بل كفعل شجاعة. أن تسمع الآخر دون أن تتهيأ للرد، أن تسمح له بأن يكون حاضرًا بلا قيد، أن تستقبل كلامه دون أن تُعيد صوغه لنفسك. الإصغاء لفهم الآخر، لا لإثبات الذات.

حين تُستعاد هذه القدرة، قد يتحول الضجيج الطويل إلى صوت حقيقي، لا يصرخ ليُسمع، بل يصغي ليُفهم، ويعيد بناء المعنى المشترك الذي تهدّم بفعل الخوف الطويل والصمت الموارب.

الكلمات المفتاحية

سوريون يحتفلون بالسقوط

عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟

بعد مرور عام كامل على سقوط النظام، يبرز سؤال جوهري: هل نجحت مؤسسات الدولة في استعادة ثقة السوريين؟


ترامب ونتنياهو

ترامب بين نتنياهو والشرع

كان كثير من المحللين رأوا أن الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة في الآونة الأخيرة، تأتي على خلفية شعور إسرائيلي بالغضب جرّاء التقارب الأميركي ـ السوري


النشيد السوري الجديد

عن النشيد الجديد والأحرار والعبيد

إن نشيد "في سبيل المجد" الذي كتب قبل قرن من الزمان، لا يصلح اليوم إن بقي على حاله دون تعديل


حشود

لا صوت يعلو فوق صوت التطرّف

في المحصلة، يظلّ المشهد اليومي في سوريا محكومًا بقانون واحد: في الساحات يُقصى صوت العقل كي لا يعكّر صفو المشهد، ويُهجّر خطاب الاعتدال إلى زوايا لا تُرى

حملة 16 يومًا
مجتمع واقتصاد

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية

توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

مستشفيات دير الزور
مجتمع واقتصاد

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية

يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية


أرشيف الموت السوري
عدالة انتقالية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد

يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

الطاقة الشمسية
مجتمع واقتصاد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية

ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل

الأكثر قراءة

1
قول

عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟


2
منوعات

دوري "سيريتل" لكرة السلة.. تسعة أندية في سباق موسم يبحث عن استقرار وتنظيم جديد


3
أخبار

تقرير: شبكات تمويل وتجنيد سرية.. مخلوف وحسن يتنافسان على إعادة تشكيل نفوذ ما بعد الأسد


4
أخبار

قوة إسرائيلية من 6 آليات تتوغل في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة


5
أخبار

غارة أميركية تستهدف مسؤولًا في "داعش" وتقتل عميلًا سوريًا بشكل خاطئ


advert