خطاب "التسامح القسري".. كيف يُستخدم السلام المعلّب لإقصاء الذاكرة؟
4 فبراير 2026
في المجتمعات الخارجة من الحرب أو القمع الطويل، لا يبدأ البناء الحقيقي إلا عندما يُعترف بالخراب الذي مرّت به، وتُسمع أصوات الضحايا دون رتوش. غير أن بعض الخطابات السياسية، وربما حتى الحقوقية، تسعى في مراحل ما بعد الصراع إلى فرض ما يُعرف بـ"التسامح القسري"، نوع من المصالحة الشكلية يُطلب فيه من الضحية أن تنسى وتسامح باسم المصلحة العامة أو السلم الأهلي، دون أن تُمنح فرصة قول جرحها أو مساءلة الجاني.
يبدو خطاب التسامح، في هذه الحالة، كأداة مضادة للعدالة، يستخدم اللغة النبيلة ذاتها ــ السلام، التعايش، الوحدة، المستقبل ــ لكن بوظيفة مقلوبة. فهو لا يُطرح كخيار أخلاقي نابع من الاعتراف، بل يُفرض كشرط سياسي، وكأن الاعتراف بما جرى يُهدد الدولة، لا يؤسسها.
التسامح القسري كمفهوم مضاد للعدالة
العدالة الانتقالية، وفق تعريفها الحقوقي، ليست انتقامًا، بل مسارًا يهدف إلى الاعتراف بالضحايا، والمساءلة، وضمان عدم التكرار. لكن حين يُختزل هذا المفهوم في تسويات سياسية عاجلة، تتحول العدالة إلى "تسامح"، وغالبًا ما يكون هذا التسامح مفروضًا من الأعلى إلى الأسفل، ومصوغًا بلغة وطنية منمّقة.
تقول إلهام العمر من القامشلي، وهي امرأة ناجية من الاعتقال في أحد الفروع الأمنية، لـ"ألترا سوريا": "في البداية، خطاب التسامح ينبع من السلام الداخلي، من قبول الآخر والعيش المشترك في المجتمع رغم الاختلافات في الدين، الثقافة، والعرق. في هذه المرحلة العصيبة التي نمر بها، نحن بحاجة ماسة إلى خطاب التسامح. هناك من يروّج لخطاب الكراهية والفتنة بين مكونات المنطقة، بينما نحن في دوامة حرب بقاء ووجود وكرامة. وفي ظل هذا الواقع، نحتاج أولًا إلى السلام الداخلي، ثم إلى خطاب يعانق جميع مكونات المجتمع ويحتضنها".
وتضيف: "في هذه المرحلة، يجب أن نكون أكثر إنسانية، أن نساعد، نهتم، ونشعر بمحيطنا، وأن نسعى بكل الطرق لأن نكون صوت السلام والتسامح والمحبة. في مواجهة الهمجية التي نراها حولنا، يجب أن نكون صوت الحق والسلام".
الحالة السورية: حين يُفرض النسيان كحل سياسي
في سوريا، وبعد أكثر من عقد من الحرب، يُطرح سؤال "كيف نعيش معًا؟" بإلحاح، لكن معظم الإجابات السائدة تتجاوز سؤالًا أكثر جوهرية: كيف نعيش دون الاعتراف بما جرى؟
في مناطق سيطرة النظام السابق، يُعامل الحديث عن الاختفاء القسري والتعذيب كخيانة. وفي بعض الأوساط السياسية المعارضة، يُطلب من أهالي الضحايا "ألا يُحرجوا" مسار الحل السياسي. أما في الإعلام، فيلاحظ ميل متزايد إلى إنتاج خطاب عام، محايد ظاهريًا، لا يُدين أحدًا، ولا يُنصف أحدًا.
تقول والدة فرهاد حمو، الذي اختُطف منذ عام 2014، الهام الأحمد: "لا أريد الانتقام، أريد أن أعرف أين ابني. يطلبون منا أن نسامح، لكن من؟ وعلى ماذا؟ حتى الآن، لم يعترف أحد أن ما حدث كان جريمة".
كيف يُستخدم خطاب التسامح لكتم الصوت؟
يتسلّل خطاب التسامح القسري إلى مستويات متعددة. في الإعلام، تُستبدل توصيفات مثل "مجزرة" أو "تعذيب" بعبارات ضبابية كـ"أحداث مؤسفة" أو "تداعيات الأزمة". في التعليم، تُحذف سنوات الحرب من بعض المناهج غير الرسمية بحجة "توحيد الرواية الوطنية". وفي القانون، تُطرح مشاريع عفو عام دون تصنيف واضح للجناة أو اعتراف بالضحايا.
حتى في الفضاء الرقمي، تُمارس رقابة اجتماعية ناعمة: من يكتب عن التعذيب يُتهم بإثارة الكراهية، ومن يروي تجربته يُسأل: "ألا تريد أن نعيش بسلام؟"
تقول فدوى محمود، زوجة عبد العزيز الخير ووالدة إياس عياش، المختفين قسرًا منذ 2012: "السماح لا بدّ منه، لكن له خطوات، أولها تحقيق العدالة. حين تتحقق العدالة، يقرر الإنسان إن كان يسامح أم لا. لكن السؤال هو: من سنسامح؟ وعلى أي أساس؟ إذا كنت لا أعرف ما الذي حدث بعائلتي، لا أستطيع أن أسامح من يخفي معرفة الحقيقة".
التسامح الحقيقي أم إعادة إنتاج الصمت؟
ترى الناشطة السياسية مجدولين حسن أن: "التسامح يُبنى بالعدالة، والاعتراف، والحق في معرفة الحقيقة، وتجريم خطاب الكراهية وإنكار سرديات لا تروق للبعض، واعتماد سرديات أخرى قد تولّد غضبًا وكراهية. عندها فقط يكون التسامح نابعًا من رغبة حقيقية بالمضي إلى المستقبل، لا تسامحًا خارجيًا أو قسريًا".
وتضيف: "التسامح لا يمكن أن يتحقق دون الحقوق، وعدم التمييز، والمساواة، وإلا فلن تكون هناك مصالحة مجتمعية فعلية".
كلفة الصمت: حين تُكتب الذاكرة لصالح الأقوياء
حين تُحجب سرديات الضحايا، لا يعود الماضي أداة للفهم، بل مادة للإنكار، ويُعاد تشكيل التاريخ بما يخدم السردية الغالبة. تُبنى الدولة حينها على وهم المصالحة، لا على أسس أخلاقية متينة.
يقول الشاعر ضياء العبدالله: "في مقاربة مفهوم التسامح، يجب التمييز بين الحق الشخصي والحق العام. في حالتنا، وأمام مجازر إبادة جماعية، لا يجوز الكلام عن التسامح قبل تطبيق العدالة. بعد العدالة وجبر الضرر، يمكن الحديث عن التسامح، لكن ذلك مشروط بزوال الأسباب التي أدت إلى المجازر".
ويضيف: "المشكلة لا تكمن فقط في الجرائم، بل في الذهنيات والعقائد التي حملها الجناة، والتي ما تزال فاعلة في ظل سلطة متغلّبة، ما يجعل الحديث عن تسامح جامع، بنظر كثيرين، سابقًا لأوانه".
نحو عدالة لا تُخيف
الخروج من منطق التسامح القسري يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الحقيقة والسلام. فالحقيقة لا تُهدد السلم، بل تحميه، والعدالة لا تعني الانتقام، بل ردّ الكرامة، ومنح الضحايا موقعهم الطبيعي في السرد العام.
في سوريا، لا يُطرح سؤال "كيف نعيش معًا؟" غالبًا بوصفه بحثًا عن عدالة مشتركة، بل كطلب غير معلن من الضحايا أن يصمتوا كي تستقيم صورة السلام. غير أن السلام الذي يُبنى على الصمت، لا يدوم.
في سوريا، كما في أي مجتمع خارج من القمع، لا يمكن بناء مستقبل مستقر على ذاكرة مبتورة. السلام لا يبدأ من النسيان، بل من الاعتراف. ومن هناك فقط، يمكن للتسامح أن يكون خيارًا أخلاقيًا حرًا، لا قناعًا سياسيًا.
الكلمات المفتاحية
التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام
في المجتمعات الخارجة من وطأة الحروب والأزمات، تبرز المشاركة النسائية في الحياة السياسية وصناعة القرار كأداة من أدوات بناء المجتمع
اليوم العالمي للمرأة: حين يتحوّل القانون من درع حماية إلى ممرّ للعنف
يحتفي العالم باليوم العالمي للمرأة هذا العام تحت شعار "المساواة المبنية على النوع الاجتماعي من أجل غد مستدام"
جدل قانوني بعد تعميم وزارة العدل رقم /12/: خطوة لإنصاف الضحايا أم تجاوز للصلاحيات؟
أثار تعميم وزارة العدل بشأن وقف التقادم في قضايا الضحايا جدلًا قانونيًا بين من يراه إنصافًا ومن يعدّه تجاوزًا للصلاحيات
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026