ultracheck
منوعات

خيوط تربط الأجيال: صناعة الصوف في الجزيرة السورية بين الماضي والتحديات

4 يناير 2026
صناعة الصوف
هذه التجارة لم تكن اقتصادية فقط، بل ثقافية أيضًا (الترا سوريا)
محمد جفال
محمد جفالصحافي سوري

في أعماق الجزيرة السورية، يتردد صوت دوار المغزل كنبضٍ حيٍّ للتراث. تحت سقف منزل طيني بسيط، تجلس رشدة المحمد، امرأة في الخمسينيات من عمرها، محاطةً بكرات الصوف الخام. يداها المتشققتان من سنوات العمل تتحركان بدقة فائقة، تسحبان الألياف وتفتلانها إلى خيوطٍ متينة.

«هذه ليست مجرد خيوط، إنها ذكريات أجدادنا»، تقول رشدة بصوت هادئ يحمل صدى الأجيال. في هذه المنطقة الغنية بالتاريخ، حيث كانت تجارة الصوف جزءًا من اقتصاد العصور القديمة، تستمر النساء في الحفاظ على حرفة عريقة تواجه تحديات الحداثة والنزاعات. هذه القصة ليست عن الصوف فحسب، بل عن هوية شعب يتشبث بجذوره في وجه الرياح المتغيرة.

تعود جذور صناعة الصوف في سوريا إلى آلاف السنين، حيث كانت المنطقة الشمالية الشرقية، المعروفة بالجزيرة، مركزًا لتجارة الصوف منذ العصر البرونزي. وفقًا لبعض سجلات العصر البابلي القديم، كانت منطقة أعالي ميزوبوتاميا وشرق سوريا مصدرًا رئيسيًا للصوف، الذي يُجمع من قطيع الأغنام العواس المشهورة بصوفها السميك والمتين.

هذه التجارة لم تكن اقتصادية فقط، بل ثقافية أيضًا، إذ استُخدم الصوف في صناعة الملابس والسجاد والخيام، التي شكّلت جزءًا أساسيًا من حياة البدو والمزارعين. وفي الجزيرة السورية، أصبحت هذه الحرفة رمزًا للهوية، يتوارثها الأجيال عبر النساء بشكل أساسي، كما يشير إليه التراث الشفهي والسجلات التاريخية.

في يوم ربيعي نمطي، يبدأ الموسم بجزّ الصوف. يجتمع الرجال والنساء حول القطيع، مستخدمين مقصات تقليدية أو جزازات تقليدية. «في الربيع، عندما تتفتح الأزهار، نجزّ الأغنام لنحصل على أفضل نوعية»، تروي رشدة.

بعد الجزّ، تأتي مرحلة التنظيف: يُغسل الصوف في أحواض محلية لإزالة الأوساخ والشوائب، ثم يُجفف تحت أشعة الشمس حتى يتحول إلى كرات ناعمة جاهزة للمعالجة. وهنا يبرز دور الأدوات التقليدية، مثل «المغزل»، وهي أداة خشبية تُستخدم لفك الألياف بدقة، مما يسهل عملية الغزل.

الدوك، وهو أحد أنواع المغزل، هو قلب العملية. يُصنع عادة من خشب الزيتون أو السرو، ويُشكَّل بأيدي حرفيين ماهرين باستخدام سكاكين بسيطة. «نختار الخشب الجيد، نشحذ الرأس ليكون مدببًا، ثم نصقله حتى يصبح ناعمًا كالحرير»، توضح رشدة. يأتي هذا الدوك بأشكال متعددة، بعضها مزخرف بزخارف محلية تعكس التراث السوري. عند الغزل، تُدخل الألياف في الجزء العلوي، ثم يُدار الدوك بسرعة ليجمع الخيوط حوله. «يتطلب الأمر مهارة، فالخيوط يجب أن تكون متساوية السماكة لضمان الجودة»، تضيف.

بعد الغزل، تأتي مرحلة التلوين باستخدام مواد طبيعية مثل قشور الرمان للون الأحمر، أو الكمون للون الأصفر، حيث يُنقع الصوف ثم يُغلى لتثبيت اللون.

تلي ذلك مرحلة «النفش»، حيث تُفصل الألياف لتصبح أكثر نعومة، ثم مرحلة «البرم»، حيث يُبرم خيطان معًا لزيادة متانة الخيط. وأخيرًا، مرحلة النسج على النول البسيط لصناعة المفارش والملابس والسجاد التي تزين المنازل وتحمي الأرضيات. في الجزيرة، غالبًا ما تُزين هذه المنتجات بأنماط هندسية أو زخارف نباتية مستوحاة من الطبيعة المحلية، كما هو الحال في أنماط سجاد سورية أخرى، مثل السجاد الحوراني الشهير جنوبًا.

كانت هذه العملية في الماضي اجتماعية وليست فردية. «كنا نجتمع كنساء الحي، نحيك معًا، نتبادل القصص والأشعار. أما اليوم، فلم تعد النساء تهتم بهذه المهنة»، تتذكر رشدة بلحن حنيني. كانت هذه الجلسات تعزز الروابط الاجتماعية، وتحول الحرفة إلى جسر يربط الأجيال.

ما يجعل هذه الحرفة مميزة هو دورها الثقافي العميق. بالنسبة لرشدة، «الصوف ليس مجرد مادة، بل تعبير عن ثقافتنا الغنية. كل قطعة تحمل قصةً وذكريات أجدادنا». يساهم هذا التراث في تعزيز الشعور بالانتماء، خاصة في منطقة الجزيرة ذات التنوع الثقافي بين العرب والكرد والآشوريين.

ومع ذلك، تواجه صناعة الصوف تحديات هائلة. فالمنافسة من المنتجات الجاهزة الصناعية المستوردة بأسعار منخفضة تهدد بانقراض الحرفة. «الآلات الحديثة أسرع، لكنها تفتقر إلى الروح»، تقول رشدة. أما الحرب السورية، فقد أدت إلى نزوح الملايين، مما أثر على نقل المهارات. وفقًا لدراسات عن اللاجئين السوريين، يواجه الحرفيون صعوبة في التكيف مع بيئات جديدة بعيدًا عن موادهم التقليدية.

في الجزيرة، أدت النزاعات والجفاف إلى نقص القطعان وارتفاع أسعار الصوف، بالإضافة إلى اختفاء تدريجي للورش التي ازدهرت في التسعينيات. كما أن الجيل الشاب يميل إلى الوظائف الحديثة، مما يهدد بفقدان هذا التراث.

رغم ذلك، هناك جهود للحفاظ على هذه الحرفة. فمنظمات مثل اليونسكو تعمل على توثيق التراث غير المادي، بما في ذلك النسيج السوري. وتقود رشدة ورشة عمل تطوعية ومحدودة لتعليم الفتيات في قريتها، محوِّلةً المنزل إلى مدرسة حية. «نحن ننقل هذه المهارة للأجيال القادمة، لتبقى شاهدة على تاريخنا»، تؤكد. هذه المبادرات ليست اقتصادية فحسب، بل تمنح النساء استقلالية وتساهم في شفاء الجراح النفسية.

في النهاية، صناعة الصوف في الجزيرة السورية أكثر من مجرد حرفة؛ إنها قصة صمود. وسط التحديات، تستمر رشدة وغيرهن في الغزل، محافظات على خيوط تربط الماضي بالمستقبل. «كل خيط هو جسر بين الأجيال»، تقول. إذا استمر الدعم، فقد يشهد هذا التراث نهضة، محولًا الجزيرة إلى مركز للسياحة الثقافية. لكن السؤال يبقى: هل سينجو هذا الفن العريق من عواصف الزمن؟ الإجابة تكمن في أيدي النساء اللواتي يحافظن على النار مشتعلة.

الكلمات المفتاحية

أعمال شغب

اتحاد الكرة يفرض عقوبات على نادي أمية بعد أحداث مباراة حمص الفداء

اتخذت لجنة الانضباط في الاتحاد السوري لكرة القدم إجراءات عقابية عاجلة ضد نادي أمية الرياضي


نادي الوحدة

في الدوري الممتاز: الوحدة يحقق فوزًا عريضًا وحمص الفداء يعود بثلاث نقاط ثمينة

افتُتحت، اليوم الجمعة، مباريات الجولة السابعة من الدوري السوري الممتاز لكرة القدم بإقامة أربع مباريات


السوريون الأعداء

نظرة أولى على “السوريون الأعداء”: مشاهد من القمع والخوف في عهد الأسد الأب

كشفت منصة "العربي بلس" عن النظرة الأولى لمسلسل "السوريون الأعداء"، المقتبس عن رواية الكاتب فواز حداد بالعنوان نفسه


الليث حجو

وصفه بـ"تصعيد تفاوضي".. الليث حجو يردّ على الجدل بشأن اختياره لإخراج "السوريون الأعداء"

ردّ المخرج الليث حجو على موجة الانتقادات التي طالت اختياره لتولّي إخراج مسلسل "السوريون الأعداء"، معتبرًا أن الجدل الدائر دخل مرحلة "التصعيد التفاوضي بلغة أخلاقية"

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


2
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


3
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


4
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


5
أخبار

السيول تغرق عشرات المخيمات وتضرر مئات العائلات في ريفي إدلب واللاذقية


advert