ultracheck
عدالة انتقالية

دعوات إلى مقاطعة العلويين.. المطالبة بالعقاب الجماعي من منظور العدالة الانتقالية

8 يونيو 2026
lst-shjrt.jpg
انتشرت مؤخرا دعوات لمقاطعة الطائفة العلوية، عبر حملة أطلق عليها "قاطع.. أنت لست شجرة" (مواقع التواصل)
بتول الحكيم
بتول الحكيم إعلامية مستقلة

تعالت، في الأيام القليلة الماضية، أصوات منادية بمقاطعة ونبذ الطائفة العلوية، عقب انكشاف مسؤولية المجرم أمجد يوسف المنحدر من الطائفة، عن مقتل أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، الذين فقدوا مع والدتهم عام 2013، ليتأكد مقتلهم على يد "جزار التضامن".

وخلطت هذه الدعوات بين مشروعية تجريم مرتكبي الجرائم والانتهاكات ومفهوم العقاب الجماعي، الذي يتعارض مع  القانون الدولي وقوانين حقوق الإنسان، التي تقر بالمسؤولية لمرتكبي الجرائم، فيما تعتبر العقاب الجماعي خرقًا لهذه القوانين، وشكلًا من أشكال تكريس التحريض والطائفية، وتعميمًا غير جائز، من شأنه أن يساهم في إنتاج ضحايا أبرياء لا ذنب لهم.

القانون الدولي والمسؤولية الجنائية

يقول المحامي هادي بازغلان لـ"الترا سوريا"، إن القانون الدولي الجنائي وحقوق الإنسان، يقوم على مبادئ صارمة، تمنع العقاب الجماعي وتجريم المجموعات العرقية أو الدينية أو الإثنية ككتلة واحدة، مؤكدًا اعتماد هذا القانون، في التجريم، على مبدأ شخصية العقوبة، حيث يعتبر القانون الدولي المسؤولية الجنائية مسؤولية فردية وشخصية فقط، ولا يجيز تجريم شخص أو ملاحقته إلا بناء على أفعال وممارسات ارتكبها بنفسه، أو أمر بها أو ساعد عليها بشكل مباشر، كما يقر الإدانة للفعل وليس للانتماء، فلا يمكن إدانة شخص لمجرد انتمائه لطائفة أو عرق أو دين.

ويحظر القانون الدولي الإنساني وفقا لبازغلان العقاب الجماعي، بنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تقول: "يمنع منعا باتا معاقبة مجموعة من الناس، على فعل لم يرتكبوه بصفة شخصية"، ما يشير إلى أن تجريم طائفة كاملة، يُعتبر انتهاكا صارخا لهذا الحظر، ويُصنف كنوع من التمييز والاضطهاد.

ويؤكد بازغلان أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يميز بين التأييد السياسي والمشاركة في الجرائم، ويعتبر مناصرة أي نظام سياسي أو رئيس قمعي ضمن إطار المواقف السياسية، ما لم تتحول المناصرة إلى مشاركة فعلية ومباشرة في ارتكاب جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية.

ويرى بازغلان أن العدالة الانتقالية في الفترة التي تلي سقوط الأنظمة القمعية، هي الأداة التي تمنع نشوب الحروب الأهلية والاقتتال الطائفي، وتشمل محاسبة كل من ساهم في آلة القمع والقتل والاستبداد من كافة المكونات والطوائف، لافتًا إلى أن نظام الأسد لم يكن علويًا بل "أسديا"، جمع تحت مظلته من كل الطوائف، ما يدعم قمعه واستبداده.

كيف ينظر القانون الدولي للدعوات التحريضية؟

انتشرت مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي، دعوات لمقاطعة الطائفة العلوية، عبر حملة أطلق عليها "قاطع.. أنت لست شجرة"، وسط استنكار واستهجان من رواد المواقع، حول مطلقي الحملة والمروجين لها، باعتبارها شكل من أشكال التحريض وتكريس الطائفية غير المبررة.

الحقوقي المختص بالقانون الجنائي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني يوضح لـ"الترا سوريا"، أن أي دعوة تستهدف فئة من المواطنين على أساس انتمائهم الطائفي أو الديني، وليس على أساس أفعالهم الفردية، تندرج ضمن أشكال التمييز الجماعي، وتغذي النزعات الطائفية، مضيفًا أن العدالة الانتقالية تقوم على مبدأ المسؤولية الفردية، ومحاسبة الأشخاص على ما ارتكبوه من أفعال مثبتة قانونيًا، لا على أساس هويتهم أو انتمائهم الاجتماعي، واستهداف العلويين كجماعة؛ بسبب جرائم ارتكبها أفراد ينتمي بعضهم إلى هذه الطائفة، يتعارض مع أسس المواطنة المتساوية والعقد الاجتماعي، الذي تحتاجه سوريا الجديدة.

ويرى الكيلاني أن تجريم جماعة كاملة، على خلفية أفعال بعض أفرادها، يخلق شعورًا جماعيا بالاستهداف والخوف، ويؤدي إلى تعميق الانقسامات المجتمعية بدل معالجتها، كما يدفع قطاعات من المجتمع إلى الانكفاء والدفاع عن هويتها، بدل الانخراط في مسار وطني قائم على الاعتراف بالانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، مؤكدًا أن تجريم الطائفة العلوية يهدد المصالحة الوطنية، التي لا يمكن بناؤها على تبادل الاتهامات الجماعية.

وينعكس تأثير خطاب التجريم الجماعي، وفقًا للكيلاني، على الحاضر والمستقبل، ويفتح الباب أمام أشكال مختلفة من التمييز والإقصاء والتحريض والاعتداءات الفردية، ويزيد من احتمالية إنتاج ضحايا جدد من الأبرياء، الذين لم يشاركوا في الانتهاكات، الأمر الذي يقوض أهداف العدالة الانتقالية، التي تسعى إلى ترسيخ مبدأ منع تكرار الانتهاكات وإنتاج انتهاكات جديدة بأشكال مختلفة.

أمجد يوسف يتحمل مسؤولية جرائمه

وتعليقًا على جريمة أمجد يوسف النكراء، يرى الكيلاني أنها تنسب له بصفته الفردية من وجهة نظر القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويضاف إليها كل من شاركه أو أمر بها أو تستر عليها، معترضا على ربطها بطائفة بأكملها، موضحا أن ذلك يحوّل معاناة الضحايا وحقهم في العدالة، إلى وسيلة لتبرير أحكام مسبقة، وتمييز ضد أشخاص لا علاقة لهم بالجريمة، الأمر الذي يفرغ المطالبة بالمحاسبة من مضمونها الحقوقي، ويحولها إلى أداة للاستقطاب المجتمعي.

كيف تنظر هيئة العدالة الانتقالية إلى العقاب الجماعي؟

من جهته قال عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية مدير إدارة المصالحة الوطنية وبناء السلام الدكتور حسن جبران لـ"الترا سوريا"، إن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تنظر إلى تحميل طائفة معينة أو جماعة دينية مسؤولية انتهاكات ارتكبها أفراد أو جهات محددة، باعتبارها من أخطر الممارسات التي تهدد فرص تحقيق العدالة وبناء السلم الأهلي، مؤكدًا أن العدالة الانتقالية تقوم على مبدأ المسؤولية الفردية، ولا تجيز بأي شكل من الأشكال تحميل جماعات أو طوائف أو مكونات اجتماعية بأكملها مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد أو مؤسسات محددة، ومن صميم عمل الهيئة حماية هذا المبدأ وترسيخه في الخطاب العام وفي مسارات المساءلة، لأن التعميم يقوض العدالة، ويؤدي إلى إنتاج مظالم جديدة بدلا من معالجتها، فالسوريون كانوا ضحايا للانتهاكات بمختلف انتماءاتهم، ما يعني أن العدالة يجب أن تستهدف المسؤولين عن الجرائم بوصفم أفرادًا.

وتكمن الخطورة، حسب جبران، في تحويل المسؤولية الجنائية من فردية لاتهام جماعي لمكون اجتماعي كامل، في نقل المجتمع من منطق العدالة إلى منطق الانتقام الجماعي، مبينًا أن العدالة الانتقالية تسعى إلى تحديد المسؤوليات بدقة، استنادًا إلى الأدلة والوقائع، ومحاسبة الأشخاص المتورطين في الانتهاكات الجسيمة دون غيرهم، في حين يمثل توجيه الاتهام إلى مكونات اجتماعية كاملة، بسبب انتماءات دينية أو طائفية أو مناطقية، تهديدًا للتماسك المجتمعي، وتعميقًا للانقسامات، وتقويضًا للثقة المتبادلة بين السوريين.

وانطلاقًا من ذلك، تعمل الهيئة على تعزيز خطاب يقوم على التمييز الواضح بين الجناة والمجتمعات التي ينتمون إليها، وعلى ترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية وسيادة القانون، باعتبارهما الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة.

وتعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في هذا الإطار، على ترسيخ مجموعة من الضمانات الأساسية، في مقدمتها الالتزام بمبدأ المسؤولية الفردية، وضمان استقلالية الإجراءات القضائية، والاعتماد على الأدلة والمعايير القانونية في تحديد المسؤوليات، كما تولي اهتماما كبيرا لمسار المصالحة الوطنية وبناء السلام، من خلال العمل على تعزيز الثقة بين مكونات المجتمع السوري، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، ودعم خطاب وطني جامع، يقوم على احترام الكرامة الإنسانية والمواطنة المتساوية.

وتنظر الهيئة، وفقا لجبران، إلى ضمان عدم التكرار باعتباره هدفًا مركزيًا من أهدافها، ما يجعل جهدها يطال مختلف المسارات، بدءًا من كشف الحقيقة، مرورًا بالمسارات القضائية والمساءلة وجبر الضرر، ووصولًا إلى حفظ الذاكرة الوطنية والإصلاح المؤسسي، مؤكدًا أن هذه المسارات مجتمعة، تهدف إلى بناء دولة يسود فيها القانون، ويتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا.

ويشدد جبران على دور وسائل الإعلام في تغذية الخطابات الوطنية من جهة والتحريضية من جهة أخرى، حيث يرى أن تلعب دورًا أساسيًا في هذه المرحلة، إذ تقع على عاتق الجميع مسؤولية تجنب التعميم والتحريض، والمساهمة في نشر ثقافة العدالة والمساءلة واحترام التنوع، بما يدعم الاستقرار والسلم الأهلي، ويعزز فرص بناء سلام مستدام، قائم على العدالة وسيادة القانون.

الكلمات المفتاحية

الجلسة الأولى لأعضاء المحكمة الدستورية

المحكمة الدستورية.. بين جدل آلية التعيين وحدود قدرتها على ضبط السلطات

لا تُقاس فعالية المحكمة بمجرد إنشائها وإنما بدرجة استقلالها عن السلطة التي أنشأتها


عنصر من قوى الأمن الداخلي خلال إحدى العمليات الأمنية ضد تنظيم الدولة

من الخلافات العائلية إلى الجريمة المنظمة.. السلاح المنفلت يحوّل المحاسبة إلى انتقام

يعيد انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة طرح أسئلة بشأن قدرة السلطات على ضبط النزاعات المحلية ومواجهة شبكات الجريمة


الكوميديا السوداء

حدود الكوميديا الساخرة في سوريا.. قراءة قانونية في حرية التعبير

أثار مقطع الكوميدي عمار دبا جدلًا حول حدود السخرية وحرية التعبير، والفاصل بين النقد الفني والإساءة وفق المعايير القانونية والمجتمعية


مجلس الشعب

مجلس الشعب والعدالة الانتقالية في سوريا.. أي دور في التشريع وكشف الحقيقة؟

يشكل مجلس الشعب ركيزة أساسية لإنجاح العدالة الانتقالية، من خلال استكمال التشريعات، وحماية حقوق الضحايا، وتعزيز الرقابة والتنسيق المؤسسي، بما يرسخ سيادة القانون ويمنع تكرار الانتهاكات

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية
أخبار

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تدين استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود وتطالب بتحقيق دولي

أدانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في بيان لها اليوم الإثنين، بأشد العبارات تكرار الهجمات التي استهدفت سفنًا بحرية تجارية تضم على متنها بحارة وطواقم سورية

شيفرون
أخبار

تقرير: شركة "شيفرون" تدرس إعادة تشغيل خط نفط يربط العراق بالساحل السوري

تدرس شركة النفط الأميركية العملاقة "شيفرون" إمكانية إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي قديم يمتد من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس على الساحل السوري


حمص الفداء أهلي حلب
منوعات

بعد أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب.. كيف برر اتحاد السلة عقوباته؟

لم تكن أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب ضمن سلسلة مباريات "فانيال 4" في دوري سلة المحترفين مجرد لحظة عابرة في ذاكرة المنافسات الرياضية

طقس سوريا
أخبار

ارتفاع جديد في درجات الحرارة.. ماذا ينتظر السوريين هذا الأسبوع؟

تشهد سوريا خلال الأيام المقبلة موجة طقس صيفية حارة تبلغ ذروتها يومي الثلاثاء والأربعاء، قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض اعتبارًا من الخميس

الأكثر قراءة

1
أخبار

ارتفاع مؤقت للحرارة.. كيف سيكون طقس سوريا خلال الأيام المقبلة؟


2
سياسة

سوريا والتحولات الأميركية.. مكاسب الشراكة وكلفة التفويض


3
أخبار

انتهاء عمليات البحث في حادثة عبّارة دير الزور والحصيلة ثمانية ضحايا


4
قول

معارضة غائبة وسلطة حاضرة


5
أخبار

بعد العثور على جثمانها.. الأمن الداخلي يوقف مشتبهين في قضية وفاة الطفلة فرح الحمود


advert