ultracheck
ثقافة وفنون

"دوار الحرية": لعبة الخيال لمقاومة الظروف اللا إنسانية في الاعتقال والسجن

27 ديسمبر 2025
دوار الحرية
غلاف رواية "دوار الحرية" (مواقع التواصل/الترا سوريا)
وداد سلومكاتبة سورية

لا شك أن عددًا لا بأس به من الذين خاضوا تجربة السجن والاعتقال، رفدوا الأدب بنتاج أدبي هام وروايات كثيرة تندرج فيما يسمى أدب السجون، تتحدث عن تجربة الاعتقال بما تحمله من آلام ومعاناة وظروف لا إنسانية، مثل رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة، أو رواية "ماذا وراء هذه الجدران" لراتب شعبو وغيرهما. لكن مالك داغستاني في روايته "دوار الحرية" خرج عن تقليد أدب السجون، فلم يتحدث عن سنوات سجنه السبع بالتفاصيل، وعن طرق التعذيب، وإنما كتب تحت مرأى هذه السنوات وفي ظلها عن الحرية، وعلى مدار ست وسبعين صفحة.

لم تكن رواية داغستاني سوى ترنيمة طويلة للحرية، المعشوقة الأبدية المنتظرة والمشتهاة، والتي تطيح بالاتزان من شدة الشوق إليها، حتى يصاب العاشق بالدوار في حالة من عدم التصديق تطيح بالقدرة على التفكير المنطقي، وينساق خلف الانبهار بالحالة تحديدًا في اللقاء الأول، فتبدأ اللعبة من لحظة وصوله إلى المحكمة وقبل دخوله إلى القاعة؛ إذ تتخايل له من تحت عصابة العينين صورة الحبيبة المنتظرة لترافقه إلى داخل القاعة، فينسى الكاتب/المعتقل أنه في حضرة القضاة، ويحلق في خياله ليؤثث مكانًا لائقًا للقائه بالحبيبة المستحيلة، وتصبح القاعة حديقة تليق بلقاء العاشقين وتلتئم بالحكايات القديمة، وتفتح صدرها للضيوف العائدين وتتسع للألعاب الصبيانية في موازاة بين الطفولة والحرية. فالطفولة وحدها لم تتسخ بقيود الكبار وجدرانهم وسجونهم السوداء، ولعل الأسير يجد فيها ملاذه الحميمي كلما ضاقت بيديه السلاسل.

فتنطلق الضحكات والشقاوة البريئة واللهو الذي يقلب أركان المنازل ويثير غضب الأمهات، وفي موازاة لغضب الكبار من شقاوة الطفولة في خيال الكاتب، نسمع صوت القاضي موجهًا له الاتهام بالانتساب إلى حزب سياسي معين. وفي محاولة لإنكار الواقع يظن الكاتب أن صوت القاضي وأصوات المحكمة، ما هي إلا صوت مذيع ينطلق من راديو حارس الحديقة.

يتابع داغستاني التحليق في خياله منفصلًا عن الواقع ومحتفظًا بدوار اللقاء الأول: الحرية. فهي المرة الأولى التي يغادر بها الزنزانة، ولا يريد لصوت الواقع الضاغط أن يحطم جمال هذا اللقاء على مدار ساعات المحكمة، بلغة شعرية حافلة بالمجازات والصور والتشابيه والشفافية التي تنقل خلجات الروح الأسيرة والحرة في أسرها، فينبجس كل ذلك التوق للقاء الحبيبة الأنثى وتفاصيله، وتمتزج صورة الأنثى الحلم بالحلم الكبير: الحرية؛ ويستحضر الإحساس بالمرئيات بتلك الحرارة التي يعيدها الحرمان لذهن الأسير، وبشكل فارق، موشومة بخيال أثقله زمن الاعتقال الطويل، مثل وصفه للغروب، بينما يقارن بين الحلم وقسوة الواقع في مناجاته للأم، واصفًا الزنزانة بأنها: "ضيق هذا القبر ضيقٌ وواسع ذاك الموت" .

في مناجاة روحية عميقة يصف هذا القبر وما تفعله تلك المعاناة بالمرء، إذ يصل إلى حدود تشهي الموت قائلًا: "المجد لك يا معطي الحياة خذ عطيتك، يا مضيء الوجه يا مبدد ظلمة الجحيم"، يصبح الموت حلمًا للخلاص، والتحرر من ألم الواقع.

وفي هذه المناجاة للأم، يعترف أن كل هذا الخيال ليس إلا لتجميل القبر الذي حشر فيه حيًا، ولمقاومة الواقع الذي يتلف الروح ويقتلها، بينما يستمر الجسد في الحياة مرغمًا. ويبرر كل هذا الخيال برغبته في تحويل هذا القبر الرطب الضيق إلى قبر وردي جميل. إنه يقاوم الموت الذي يتسلل كل حين ليخطف الرفاق، فيقول لأمه مرة أخرى: "يا أم إني أبدل ثوب المكان كي أشيّد قصيدة".

ولأن الواقع يعمل على قتل الطفل في داخله، فهو يستمر في استحضار ألعاب الطفولة التي توازي ألعاب الحب، متابعًا وصفه الشاعري للحب والعلاقة الحميمية التي تكون ثمرتها طفلًا، ومن هنا تأخذ حالتها الطقسية المقدسة في تكرارها وتجسيدها لعملية الخلق، حيث يكون الإنسان بعيدًا عن زخرفة الحضارات، في تعبير مجازي عن العود الأبدي إلى الفطرة. حيث يكون جسد الأنثى الوطن الأول بتفاصيله وتكوينه الآسر المشتهى والشبيه بالشجرة ناضجة الثمار، والتناغم بينه وبين جسد الآخر هو اللغة الأولى.

ورغم أصوات المحكمة العالية، يعود هو إلى الحديقة التي يستبدل بها المكان، لتليق بلقاء الحبيبة المعشوقة، ويعيد تأثيثها للقاء رومانسي حافل ترافقه الموسيقى والعازفات، بينما يعلو صوت الرقيب بين الفينة والأخرى متمثلًا تارة بصوت الأم التي تنهي الطفلين عن اللعب، أو صوت الحارس الذي يعلو ليلجم اندفاع الحب، فالحب جنون يخرج عن أحكام الحراس، أما الحرية فسؤال يتعاظم "هل كان يجب الغياب كل هذه الأعوام للإحساس بهذه الحاجة؟"، هل على الإنسان أن يذوق مرارة السجن ليدرك قيمة الحرية؟

فمن يعرف تلك القيمة من خلال تجربة الاعتقال ليس كمن يتغنى بها دون أن يدفع الثمن، والفارق هنا كمن يعزف موسيقى شوبان وموتسارت وبين من يستخدم عصوين ليضرب الإيقاع الصاخب. فالمعرفة عبر التجربة امتحان يدفع ثمنه عبر الجسد والروح.

بينما هو يودع سنواته خلف القضبان، تشتعل الحاجة للملاذ الأول الأم والطفولة والأنثى، الحبيبة، الوردة، والبحر. ويعود لتخيل اللقاء معها، حتى يشعر أن اللغة لا تجافيه، بل هي قاصرة و تعاني نقصًا بعيد الأمد، إذ لم تتطور لتلبي احتياج الكلمات، التي تشبع ما يعتمل في قلب رجل يراقص في الحلم امرأته الرقصة البدائية الأبدية، حيث كل حركة تعيد تشكيل جسدها وقراءته كإعجاز لوني تتركه ريشة الرسام.

الثوب والجسد

في سياق خياله، لا يتوقف داغستاني عن إعادة تجسيد المرئيات، كما ذكرنا في وصفه للغروب، ولا يتوقف عن إعادة قراءة الألعاب الطفولية وألعاب الحب في العلاقة مع الأنثى والجسد، كما في قراءته للثوب. إذ ينتقل من وصف لغة الجسد كحوار مع الخارج إلى قدرة المرأة على استخدام لغة الثوب، لإدارة الحوار مع الرجل لتبقيه في إحداثيات سطوة الجسد. وكل مفردة من هذه اللغة تغير هذه الإحداثيات.

فالثوب الجماد الخاوي والصامت، يصبح على جسد الأنثى ناطقًا لعوبًا ومديرًا للحوار أحيانًا، وذلك مهما اختلف شكله أي إن كان ضيقًا أم فضفاضًا، متهدلًا أم مشدودًا؛ وفي لحظة واحدة قد يصبح فائضًا وحاجبًا وزائدًا ينضوه الحنين. أما الجسد الأنثوي، فمن وجهة نظر داغستاني، المحلقة بالخيال، هو الواشي باليد الإلهية التي خلقته وصنعته.

الخذلان

بعد كل ما حدث، وبعدما حوّل المحكمة إلى حديقة، وبعد هذا الإبحار في تفاصيل اللقاء مع الحبيبة، كأنها لعبة طفلين مستعارين من زمن الشقاوة، يعود في النهاية إلى ذلك الصقيع في قبره الصغير/زنزانة السجن، دون أن يتجرأ على الصراخ كالمسيح الذي قيد للصلب: "لماذا.. لماذا يا الله؟"

نوفيلا مالك داغستاني "دوار الحرية"، وهو الكاتب السوري من مدينة حمص، ترنيمة طويلة للحرية المشتهاة، يطلقها في نفس واحد غير متقطع أو مترهل، يسوق القارئ إلى أمواج خياله المترددة في طرق صخور الواقع، في إصرار على الاحتفاظ بالجمال والطفولة والحب ورسم وتخليد روح الإنسان التي تتعرى وتتجمد هناك في أقبية التعذيب.

الكلمات المفتاحية

الفرات

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية

خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات


معرض الكتاب

بطلب من بغداد: دمشق تمنع عرض كتاب يضم خطب الزرقاوي في معرض الكتاب

أفادت وكالة "رويترز" بأن الحكومة السورية منعت عرض كتاب مرتبط بـ"تنظيم القاعدة" في معرض الكتاب بدمشق، عقب طلب تقدّمت به بغداد


كوميديا سورية

من "دريد ونهاد" إلى "أسعد وجودة": تطور الثنائيات الكوميدية في الدراما السورية

حظيت الثنائيات الكوميدية في الأعمال الدرامية السورية بنجاح وانتشار واسعين على المستويين المحلي والعربي


 لوتس مسعود

حوار | لوتس مسعود: مسار خاص بعيدًا عن نجومية العائلة وبوصلة متجهة نحو الناس

في هذه المقابلة، نغوص في رؤية لوتس مسعود للإعلام، وعلاقتها بالمسرح، وكيف استطاعت أن تصنع هويتها الخاصة خارج القوالب الجاهزة

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

وزارة الطوارئ تحذّر من ارتفاع منسوب نهر العاصي بعد الهطولات المطرية


2
مجتمع واقتصاد

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث


3
قول

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية


4
أخبار

الأمطار الغزيرة تُغرق أكثر من عشرة مخيمات للنازحين في إدلب


5
ثقافة وفنون

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية


advert