ذاكرة المجموعات الفيسبوكية.. توثيق يشبهنا في عجزه
10 يناير 2026
إحدى لعنات التاريخ الحديث هو التوثيق المفرط للأحداث. في الماضي، كانت تُسجَّل اللحظات الكبرى من وجهة نظر الكاتب، أما اليوم فكل شيء مُسجّل: في أرشيف المحطات التلفزيونية التي نقلت الأحداث، في أرشيفنا الخاص داخل هواتفنا، أو في ذاكرتنا الشخصية التي باتت، دون إنذار مسبق، أكثر حدّة وأوسع تخزينًا. لعنة التذكّر هذه تجعلنا نلجأ إلى "سحابة التخزين" الخاصة بنا، نستدعي المقارنات والمقاربات، وأجد نفسي منذ أيام أفكّر في جدواها.
كل أصدقائي وصديقاتي من الكرد، ولا أبالغ حين أقول كلهم، شاركوا قصصًا ومقاربات من السياق السوري. وبما أن سحابة التخزين ذاتية، كان "الأنا الأعلى" يتدخّل ليجعل القصص تبدو مقنعة والمقاربات منطقية، أو ربما يقتصر هذا الاقتناع عليّ، لأنني أحمل معهم الحجج نفسها، وأشكال ظلم متقاربة، أو ربما هي وجهة نظر من شاهد الحرب فعلًا، واتخذ قرارًا بالمعرفة، معرفة ما جرى في كل سوريا، وحين يكون هناك زخم في الذكريات والقصص، تشكل المقاربات منطقًا لا بد من سماعه، وتصديقه في حالتي.
ومع تحوّل الفضاء الأزرق إلى أداة أرشفة بحد ذاته، قررت هذه المرة أن أعتمد على ذاكرة المجموعات الفيسبوكية في التوثيق الذاتي للمعارك التي خرجت عن إطار التعداد في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود. الحيّان اللذان تابعت مجموعات السكان فيهما عن قرب خلال زلزال 2023، حين تضرّرا بشدة لكنهما كانا خارج خريطة المساعدات الإنسانية وتقييم الضرر؛ من جهة لأن حجم الدمار الذي استيقظنا عليه كان هائلًا، ومن جهة أخرى لأنهما كانا منسيَّين من قبل السلطات المحيطة بهما.
بين أرشيف التلفزيونات وذاكرة المجموعات، أختار الذاكرة التي تشبهني. ذاكرة غير مكتملة، منحازة، لكنها صادقة في عجزها، وصريحة في خسارتها
نظام تكافل اجتماعي ودعم نفسي تم بناؤه في مجموعات الفيسبوك للأشخاص الذين يجمعهم حي ووحدة حال، لم تتدخل ثقافة المنظمات المدنية فيها، دعم نفسي خام وصرف يشبهنا قبل أن تتوغل المصطلحات النخبوية الـ"إن جو أوزية" حياتنا، مثلنا حين نجتمع في خيمة عزاء لنقدم الاحترام ونشارك عائلة الفقيد الحزن، يجتمعون على منشور يبدي فيه أحد الأشخاص حزنه وخوفه ليقولوا له "نحن معك"، غير آبهين بموقفه أو تحليله السياسي، فالحزن والخوف كافيان للتعاطف.
قبل ساعات من إعلان الحيين مناطق عسكرية، تعرض إحداهن زيت الزيتون للبيع فيُباع فورًا، وتطلب أخرى سيارة من أجل أخيها من ذوي الإعاقة فيستجيب العشرات، وآخر يجد حقيبة في طريق النزوح، فيحملها ليبحث عن صاحبها على المجموعة لاحقًا، نظام متكامل من الخدمات والمعلومات بنتها تصعيدات عسكرية لا تنتهي واحدة حتى تبدأ الأخرى.
بوست 1 دعوات جماعية – الأحياء المتنهّدة
في 8 كانون الثاني/يناير 2026، عند الساعة الثانية بعد الظهر، كتب شاب يُدعى علي: "حرفيًا بتحسّو الحارة عم تتنهّد، ادعوا لنا".
أكثر من 300 شخص من أعضاء مجموعة سكان حي الشيخ مقصود تفاعلوا مع المنشور بالإعجاب والوجه الحزين، ونحو 170 شخصًا كتبوا تعليقات يدعون له ويحثّونه على الاحتماء. آخرون أخبروه أنهم ما يزالون في الحي، فيما طلب منه البعض أن يُبقيهم على اطلاع بأخبار المنطقة.
من كمِّ التفاعل والمنشورات المتتالية لعلي، يبدو واضحًا أنه مصدر موثوق لأخبار الحي. فقبل إعلان الحي منطقة استهداف عسكري، كان يطلع المجموعة على أوضاع الغاز والمازوت والكهرباء خلال أسابيع عانى فيها الحيان من الحصار، ثم يطمئنهم بأنه اشترى ما يكفيه من الدخان لأسبوع كي لا يغادر منزله، مؤكدًا أنه سيبقيهم على علم بآخر التطورات، وهو الذي يعيش كل ذلك لحظة بلحظة.
يجوب علي الحي، يطمئن أعضاء المجموعة على منازلهم، يضع بعضهم، دون الاكتراث بمخاوف الخصوصية والسرية التي نعتبرها رفاهية لإنسان دول العالم الأول، عنوانه في التعليق ليزوره علي ويخبره بالمستجدات، كما يفسر هو وآخرون خرائط الأهداف العسكرية للسكان الذين لم يعتادوا التعامل مع صور الأقمار الصناعية، ليحدد لهم العنوان بطريقتهم "الخرائط يلي انتشرت لمواقع الضرب بالسكن الشبابي، خلف المدارس الإعدادية بنزلة الجبانات، بنايات الأرمن يلي عند صالة ميديا ومول الأشرفية" علي الذي يعمل حسب ملفه الشخصي في مكتب عقاري، يتحول لصوت الحي الذي لم يصدر منه صوت على ميكروفون لأية محطة تلفزيونية منذ أيام.
من يسمع؟
تتكرر المنشورات المناشدة للمساعدة، وتبدأ بـ "يا عالم حدا يساعدنا"، ينكمش العالم في هذا الفضاء الافتراضي المتاح من جهة والمصغَّر بتمثيله وعدد متابعيه من جهة أخرى، ليصبح على شكل حيين، قد يُعتبران في المعادلات العالمية غير موجودين، فمن سينتبه لجزء من محافظة منكوبة، هي جزء من دولة منكوبة وهي جزء من اتجاه منكوب على الكوكب؟ إلا أن الارتباط القسري جعل من الحي عالمًا في نظر المرتبط "وين بدي اترك بيتي وروح" فلا مكان آخر يأويه ويعرف أن "العالم لبعضها" هي كذبة بإطار زمني قصير ومحدود.
يعرف تمامًا أن العالم قد لا تكون لبعضها، أو قد تكون "لبعضها بشروط"، إذ كان يحاول تصيّد محطة من المحطات التي تظهر على تلفازه في ساعات الكهرباء المحدودة وهي تتحدث عما جرى في حيّه، عن جرة الغاز التي لم تسمح حواجز متعاقبة بدخولها، عن المازوت الذي مُنع دخوله، فلم تعمل المولدة الكهربائية وفرغت البطارية، فتوقفت المنفسة ومات الطفل الذي لم يسمع به أحد.
قالها محاصرون كثر سابقًا في سوريا، قالوها وهم يُوصَمون ويُجوَّعون ويُخرجون قسرًا أو ينزحون، قالوها وهم يجدون عاصمتهم تعلن أحيائهم أهدافًا عسكرية على التلفاز، "من يسمع"؟
ماذا نصدق؟ ولماذا سنصدق؟
لا يعود السؤال بعد كل الخراب عمن يروي الحدث، بل عمّن نثق بذاكرته. لا أثق بالمراسل، ولا باستطلاع الرأي، ولا بالشريط الإخباري. اعتدنا ألّا نصدقهم. لا أصدق المراسل الذي يدوّر الزوايا في نشرته ويمارس التحريض على صفحته، ولا استطلاع الرأي في الشارع الذي يتحدّث فيه "مواطن" طالبًا من الجيش تحرير منطقة من "الإرهاب"، ولا ذاك الذي يُعلَن فيه آخر عن سعادة مصطنعة بدخول الجيش. لا أصدق الشريط الإخباري لقنوات تمتلك "ستايل بوك" أكثر مرونة من أمهر لاعبة جمباز، تُوصَم فيه المناطق بالإرهاب تمهيدًا لـ"تطهيرها".
لا أصدق الخائف، ولا أصدق غير الخائف، لا أصدق القوي ولا أصدق الضعيف، وربما أزمة الثقة مبررة مع البلد وأخبارها وأحداثها بعد علاقة سامة دامت عشرات السنين، ولأنّ الذاكرة على سعتها لم تنسَ بعد قبح المراسل وهو يصور تهجير المدنيين من غوطة دمشق، وأحياء حمص، وحلب المدمرة على أنه هروب من الإرهاب للأمان.
في المقابل، أميل إلى تصديق علي لا لأنه ليس صحفيًا، ولا لأنه موضوعي، بل لأنه يتنفس معنا القلق نفسه، ويكتب من داخل المكان الذي يعرّف نفسه بالانتماء إليه. أصدّقه لأنه لا يملك رواية جاهزة، ولا يحتاج إلى تبرير العنف أو تجميله. أصدّقه لأن خوفه غير مُنتَج ولا يمر بفلاتر تحريرية، ولأن منشوره لا يسعى إلى الإقناع بقدر ما يطلب النجاة.
بين أرشيف التلفزيونات وذاكرة المجموعات، أختار الذاكرة التي تشبهني. ذاكرة غير مكتملة، منحازة، لكنها صادقة في عجزها، وصريحة في خسارتها.
الكلمات المفتاحية

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية
التعميم الصادر عن المديرية العامة للمصالح العقارية في 14/1/2026 قُرئ سريعًا بوصفه خلافًا تقنيًا حول نوع الوكالة المقبولة أمام السجل العقاري

ملف "قسد": الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة
ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن "اندماج تدريجي" إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة

"السياحة المسؤولة".. وحراس الأخلاق والفضيلة
فتح قرار البلدية الباب أمام كثير من الأسئلة من قبيل من هي الجهة التي تملك حق تحديد وتعريف "التصرف المخل بالآداب"؟

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


