رسالة قصيرة وسريعة إلى شعب الخيام
17 نوفمبر 2025
ظهر المراسل الحربي والإعلامي السوري، جميل الحسن، الذي تابع معركة "ردع العدوان" منذ انطلاقها من إدلب، واستمر بعدها في تغطياته وإطلالاته للحديث حول مختلف الشؤون التي تهم السوريين؛ في إطلالة قصيرة، قبل أيام، عبر شريطٍ مصوّر قال فيه ما مفاده إن الحكومة غير معنية بإعادة بناء مساكن المواطنين التي تهدمت بفعل الحرب.
أما عنوان الرسالة، مجهولة المصدر، والتي جاءت صريحةً على لسانه فكان: "لا يوجد إعادة إعمار للمساكن"، نقطة انتهى. ولأنه من غير المعروف إن كان هنالك أي جهة أو شخص في الحكومة قد دفعه إلى بث هذه الرسالة، إلا أن موقع المراسل وعلاقاته مع رموز الحكم الجديد، وقربه من مراكز صنع القرار، يدفعنا إلى تصنيف رسالته تسريبًا مقصودًا، أتى بعد ضغط المشكلات التي يشكلها النزوح على جزءٍ كبيرٍ من أبناء الشعب السوري، وعلى الحكومة ذاتها.
وعلى الرغم من أن المراسل يعلم أن كلامه سيكون قاسيًا على من يشاهده ويسمعه، لكن يبدو أن ثمة ما يدفع إلى ضرورة البت بهذا الأمر الضاغط والشائك والخروج وقول كلام سيكون جارحًا لكل مستمعيه، سواء كانوا من سكان الخيام أم غيرهم من السوريين، لذلك قال: "يحتاج الكلام في هذا الموضوع إلى جرأة، وأنا لا مشكلة لدي في قول ذلك، أنا جريء.. لا يوجد إعمار. إن من يقيم في الخيمة أو غيرها، وينتظر أن يأتي أحد ما ليعيد بناء منزله، فَهُوَ مُخطئ".
ثم يطلب ممن يشاهده من هؤلاء المقيمين في الخيام أن يكونوا واقعيين، فيقول: "يجب أن تتصالح مع واقعٍ دفعتَ فيه فاتورةً وضحيتَ وجاهدتَ في سبيل الله مقدّمًا في ذلك كل ما لديكَ؛ أولادكَ أو أرضكَ أو غيرها، والدولة ستساعد في البناء والإعمار ولكن ليس الآن".
أما السبب فهو أنها في هذه الأوقات: "تحتاج الأموال لكي تدفع رواتب عناصر الأجهزة الأمنية والجيش وغيرها" كما قال، وهو ما يذكر برواية نظام الأسد السابق حول موارد الدولة التي كان يردِّد دائمًا إنها تذهب إلى بناء الجيش من أجل تحقيق التوازن الإستراتيجي مع العدو. وحين علم الحسن بقساوة كلامه، استدرك لكيلا يقطع الأمل لدى هؤلاء، أو ربما لكيلا يُظهِر الدولة وكأنها غير آبهة لأمرهم: "تحتاج الدولة وقتًا لكي تستكمل مواردها الاقتصادية، ربما سنتين أو ثلاث سنوات أو أربع سنوات، وبعدها تستطيع البدء في مساعدة الناس في الإعمار".
الظروف التي جاءت فيها هذه الرسالة تجعلها أبعد من مجرد رأي إعلامي؛ فهي تبدو جزءًا من سياسة تُبنى على تأجيل غير معلن لأولويات إعادة الإعمار
يعرف هذا الإعلامي أن ملايينُ من السوريين ممن يسكنون الخيام في مناطق النزوح داخل القطر، وأماكن اللجوء خارجه، ينتظرون أي إشارة حول هذا الموضوع، وربما يطالبون الحكومة بقرار أو حتى بكلام صريح حوله، بعدما لمسوا غياب أي فعلٍ في هذا الصدد.
يحتاجون ذلك لكي يعرفوا شيئًا عن مصائرهم، ويرتبوا أمورهم لتدعيم خيامهم للصمود في رياح الشتاء القريب وأمطاره، معرفةً تساعدهم على التخطيط من أجل معيشتهم في مناطق نزوحهم. ولكن حين غابَ ذلك الفعل، أو حتى حين غاب هذا الكلام أو ذلك القرار، جاء الشريط المصوَّر، ليحمل الرسالة ويوصلها لهؤلاء الذين صاروا شعبًا كبيرًا يسكن الخيام. لكن، وللأسف، كان فحوى هذه الرسالة آخر ما توقعه أكثر المتشائمين بينهم.
من المؤكد أن سكان الخيام كانوا الأكثر سعادة بين جميع السوريين حين تلقوا خبر سقوط النظام وهروب بشار الأسد. وربما منوا أنفسهم أنهم سيكونون أول من ستولي الحكومة الجديدة اهتمامها بهم، بسبب واقعهم وما عانوه طوال سنوات عديدة من ظروف التهجير والسكن في الخيام، والتي شهدوا فيها البرد والحر والجوع والعطش وغياب الخدمات الصحية والتعليم لأطفالهم.
كما يمكن أن يكونوا قد وصلوا إلى هذا الاعتقاد بفضل تضحياتهم خلال الثورة، وهم الذين خسروا منازلهم وأملاكهم بفعل الحرب، وقدموا الأرواح خلالها من أجل إسقاط الأسد. وحين سقط الأسد، سلموا أن الحكومة التي أتت أخيرًا هي منهم وستكون ممثلة لهم. غير أن المتابع لقضيتهم، ولقضية إعادة البناء، يلاحظ أن ثمة غيابًا مريبًا لأي اهتمام جدي بقضيتهم، خصوصًا في الفترة الأخيرة؛ إذ لم يظهر هذا الاهتمام إلا في بعض الخطابات والتصريحات في أيام السقوط الأولى.
لكن على أرض الواقع، لم يكن هناك أي عمل فعلي، سوى الجهود الفردية لمن عادوا إلى بقايا منازلهم وقرروا إعادة بناء ما يمكن منها، عبر ما تيسَّر لهم من إمكانات، وعبر المساعدات من أبنائهم في المغتربات.
في الأيام الأولى لسقوط النظام، قال الرئيس أحمد الشرع: "إن أولى الأولويات هي بناء المنازل المهدمة وإعادة المهجرين حتى آخر خيمة"، غير أنه تحدث قبل فترة قصيرة عن تكلفة إعادة الإعمار الشاملة، والتي توقع أن تتراوح بين 600 و900 مليار دولار، من دون أي تفاصيل.
أما محمد مسلم، وزير الإدارة المحلية في حكومة محمد البشير، فقد صرح لوكالة "سانا"، في 2 كانون الثاني/ يناير الماضي، قائلًا في هذا الصدد: "ما زلنا في مرحلة الإحصاء لجميع القطاعات التي تحتاج لإعادة الإعمار"، وأضاف: "إن الأولوية للمرافق التي تؤمن بيئة عيش كريم لأهلنا.. ستتركز جهودنا أيضًا على إعادة إعمار المنازل المهدمة بسبب القصف والحرب لنوفر عودة آمنة وكريمة لأهلنا المهجرين". ومع الأيام، غاب الكلام عن إعادة بناء المنازل حتى جاء الشريط المصور للمراسل الحسن وبتَّ في الأمر.
جاء كلام الحسن في فترةٍ أصبح كل ما يجري في الدولة، من نشاطات وزيارات وتصريحات، يشي بأن مهمة إعادة البناء الموعودة باتت تبتعد أكثر. ولهذا الأمر شهدنا حملات تبرع بالأموال تحت رعاية الحكومة في عدة مدن سورية، بهدف جمع الأموال لإجراء بعض التحسينات. ومن الواضح أن هذه الحملات لم يكن ممكنًا تنظيمها إلا بعد أن قطعت الحكومة السورية الشك باليقين الذي يقول بصعوبة رفع العقوبات الدولية عن سوريا، والتي يعد رفعها شرطًا أساسيًا من أجل النهوض.
وإذا اعتبرنا أن الدولة السورية تُعوِّل على الاستثمارات الخارجية من أجل إعادة البناء، فإن بديل الاستثمارات الغائبة هو استغلال الثروات الباطنية وإعادة دوران عجلة الانتاج، غير أن هذه بدورها تقف في وجهها عدة عثرات، أهمها تأجيل إجراء التسوية السياسية الكفيلة وحدها بإعادة توحيد البلاد، وكذلك استمرار حالة الفلتان الأمني المسببة لغياب البيئة الآمنة التي تعد شرطًا لقدوم الاستثمارات.
وحتى ذلك الوقت الذي تحل الحكومة فيه كل هذه المشكلات، وتقرر المساعدة في بناء المساكن المدمرة، سيمر شتاء وربما صيف، يعاني خلالهما سكان الخيام الأمراض والجوع والبرد وثقل الانتظار. وخلال هذه الأوقات سيكونون قد أصبحوا على يقينٍ أن تضحياتهم من أجل غدٍ أفضل، يختلف عن الزمن الذي ظلموا فيه خلال حكم آل الأسد، قد باتت ماضيًا منسيًّا.
الكلمات المفتاحية

سوريا الجديدة.. وجدل العلاقة بين الداخل والخارج
بعد عام على سقوط منظومة الحكم الأسدية؛ (كسلطة استبدادية، فاسدة، فاجرة ومجرمة)، ما هي حصيلة إنجازات الإدارة الجديدة للبلاد على الصعيدين الداخلي والخارجي؟

عام على إسقاط النظام: تفكيك إرث الاستبداد وبناء سوريا الجديدة
الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الذكرى هو أن الحرية ليست حالة ثابتة أو إنجازًا مؤقتًا، بل هي مسؤولية مستمرة تتطلب وعيًا دائمًا

لا طاعة ولا معصية بل مواطنة كاملة
هناك فرق جوهري بين الالتزام بالقانون كضرورة اجتماعية من منظور المواطنة، وبين الخضوع والطاعة كعلاقة سلطوية

ما بعد قانون قيصر: هل يفتح رفع العقوبات باب التعافي المعيشي أم يؤجل الأزمة؟
يفتح رفع قانون قيصر نافذة اقتصادية مشروطة، ويجعل تحسّن معيشة السوريين رهين إصلاحات داخلية وقدرة مؤسسية فعالة مستدامة حقيقية

وصف بـ"الخطير".. قتلى وجرحى أميركيين جراء تعرض قوة مشتركة لهجوم في تدمر وسط سوريا
تعرض أفراد من قوات الأمن السورية والقوات الأميركية لإطلاق نار قرب تدمر، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وتعطيل مؤقت للطريق الدولي

عام على تحرير سوق السيارات: استنزاف للنقد الأجنبي وازدحام مروري ومخاطر بيئية متزايدة
يرصد هذا التقرير مرور عام على تحرير سوق السيارات، وسط تحذيرات من استنزاف النقد الأجنبي وتفاقم الازدحام المروري وارتفاع المخاطر البيئية

"أسوشيتد برس": تأسيس أول منظمة سورية يهودية لإعادة تأهيل الكُنس المتضررة في البلاد
سجّل يهود سوريون أميركيون أول منظمة يهودية مرخّصة في سوريا لإحياء التراث بعد سقوط نظام الأسد والكنس المتضررة


