رموز العملة الجديدة.. بين "الحياد المفرط" و"التغيير الجذري"
30 ديسمبر 2025
مع طرح العملة السورية الجديدة للتداول، عاد النقاش حول العملة بوصفها أحد أبرز الرموز السيادية للدولة، لا كوسيلة نقدية فحسب، بل كرسالة سياسية ورمزية تعكس شكل الدولة التي تصدرها، فالعملة بما تحمله من تصاميم وأسماء ورموز، تمثّل إعلانًا رسميًا عن الهوية التي ترغب الدولة في إبرازها، وعن سرديتها للتاريخ والمجتمع.
شعار العملة "نحن باقون. نزرع. نعيش. ونتعافى"
العضو في فريق تصميم الهوية البصرية الجديدة، فراس حجار، ذكر لـ"الترا سوريا" أن التوافق على رموز العملة السورية الجديدة، تم على أساس الابتعاد المقصود عن الرموز السياسية أو السلطوية، والاتجاه نحو رموز إنسانية أقرب إلى الناس، تمثل المجتمع السوري ككل، والاختيار لم يكن عشوائيًا أو جماليًا فقط، بل اعتمد على عناصر تُعدّ جزءًا من الذاكرة الجمعية للسوريين، مثل الأرض والزراعة والطبيعة، وهي عناصر لا تختلف عليها أي فئة أو منطقة.
وأضاف حجار أنه في علم تصميم العملات، يجب أن تكون الرموز غير انقسامية ومفهومة شعبيا ومقبولة دوليا، فالحقول والطيور والحيوانات رموز محايدة ثقافيا، حيث راعت رموز العملة الجديدة انعكاس الهوية الإنتاجية لسوريا تاريخيًا، باعتبارها بلدًا متنوع البيئات، بالإضافة لاختيار رموز قابلة للفهم البصري السريع دون الحاجة إلى تفسير أو خطاب مباشر.
وتحمل الرموز الزراعية رسالة واضحة مفادها، أن الأرض كانت ولا تزال العامل الثابت في حياة السوريين، مهما تبدلت الظروف، فالقمح والزيتون والقطن وغيرها من العناصر الزراعية، لا ترمز فقط إلى الإنتاج، بل إلى الاستمرارية والصبر والاعتماد على الذات، كما تعكس تنوع الجغرافيا السورية، من السهول الخصبة إلى المناطق الجبلية والساحلية، وتؤكد على فكرة أن الاقتصاد الحقيقي يبدأ من الأرض، لا من الشعارات، فالرسالة "ما بقي صامدًا هو الأرض. وليس الأنظمة".
ويوضح حجار أن استخدام الحيوانات الأليفة والطيور جاء كخيار مدروس لتمثيل التنوع الجغرافي والبيئي السوري، وليس كرمز جمالي فقط، فالحيوانات الأليفة ترتبط بكل اقاليم سوريا والأنماط المعيشية المرتبطة فيها، وتعكس مفاهيم الاستقرار والتعايش والعمل اليومي البسيط، أما الطيور فتمثل التنوع الطبيعي بين الشمال والجنوب والساحل والداخل، وهي كائنات عابرة للحدود الجغرافية، ما يجعلها رمزًا جامعًا لا ينتمي إلى منطقة واحدة دون أخرى، كما تحمل الطيور دلالات خفيفة وغير مباشرة عن الحركة والاستمرارية والحياة، دون الدخول في رموز سياسية أو أيديولوجية.
وفيما يتعلق بدلالات الألوان في العملة السورية الجديدة، لم تكن رمزية فقط، وفقًا لـحجار، بل تحمل بعدًا وظيفيًا وبصريًا في المقام الأول، فالألوان المختارة تحمل دلالات طبيعية مرتبطة بالأرض والنبات والماء، لكنها في الوقت ذاته تهدف إلى تحقيق تمييز بصري واضح بين الفئات النقدية، لافتًا إلى مراعاة تحقيق تباين يسهل التعرف على الفئات المختلفة، وخدمة جميع الفئات العمرية بما فيها كبار السن وضعاف البصر، وتسهيل الاستخدام اليومي والتمييز السريع دون الحاجة لقراءة الأرقام، بعبارة أخرى اللون هنا ليس للزخرفة، بل أداة وظيفية تساعد على الوضوح، وتخفف من الالتباس، وتعزز سهولة التداول في الحياة اليومية، مؤكدًا أن العمل نتاج جهد فريق كامل امتد إلى حوالي سنة.
محاولة لتكريس الانتماء للوطن فقط
الباحث السياسي د. مهند حافظ أوغلو قال لـ"الترا سوريا" إن عهدًا جديدًا تدخله الجمهورية العربية السورية من خلال عملتها، فالعملة ليست مجرد أوراق نقدية، بل خلفية سياسية ثقافية اجتماعية؛ مرجحا أن الدولة تحمل هذه العملة رسائل سياسية، فسوف تسعى إلى تطبيق المركزية الإدارية، وفق التوافقات ما بين المحافظات، تمهيدًا لحقبة جديدة وصفحة جديدة، تنهي عقودًا طويلة من المركزية في كل شيء، بل وتكريس الولاء للعائلة الواحدة، حيث تميل الدول المركزية لاستخدام رموز مثل صور القائد أو الجيش أو العاصمة. وغيرها، ما يجعلنا أمام دولة مدنية سياسية ديمقراطية حسب قراءته لرموز "العملة".
وأكد أوغلو أن العملة يجب ألا تحمل أي سردية أو أيديولوجية أو عقيدة لأنها تخضع للممارسة اليومية لكافة المواطنين، وأي طرح من هذا النوع، يعني أننا لم نغير في بنية النظام السياسي والرؤية الاقتصادية للدولة، ونحن اليوم أمام عملية بناء تام من القواعد لأعلى الهرم، لافتًا إلى أن الرموز على العملة الجديدة تكرس الانتماء للوطن فقط.
وقد اتخذ النظام الساقط من العملة، بوصفها رمزًا سياديًا، شكلًا من أشكال شرعنة الاستبداد السياسي والاقتصادي، واختزال الوطن بهذه العائلة وأذرعها وعملائها، ووجود صور الطاغية ووالده على العملة وعلى اللافتات وفي كل مكان، حتى شاع مصطلح "سوريا الأسد"، حيث كانت العملة إحدى أدوات ترسيخ هذه المنظومة الفاسدة. فالعملة بوصفها تدخل في السلوك المعيشي اليومي، تصبح جزءًا من اللاوعي، ويتم التطبيع تدريجيًا مع هذه الرموز المستبدة وقبولها، ما جعل تجنب صور الأشخاص على العملة الجديدة أمرًا بالغ الأهمية، لئلا نعود إلى زمن الاستبداد وتقديس الأشخاص والمعتقدات، وجعل القدسية تتمحور فقط حول الوطن ومصلحة المواطن.
رموز العملة لا تقود إلى سوريا
من جهتها رأت المختصة في تاريخ الفن د. هلا قصقص خلال حديثها لـ"الترا سوريا" أن اختيار النبات كرمز للعملة السورية الجديدة، يندرج ضمن الحياد المفرط، والذي يقتل الهوية عوضًا عن حمايتها، فالنبات يتحول هنا من رمز ثقافي غني إلى عنصر تزييني عام، لافتة إلى أن النباتات المستخدمة من قطن وقمح وزيتون تمتلك جذورًا سورية حقيقية، وتشكل جزءًا من المشهد الاقتصادي والثقافي، إلا أنها ليست حصرية لسوريا، ما يعني أنها ليست أدوات تميز السوريين أو تقدم دلالة رمزية تقود المتلقي لسوريا فور مشاهدتها.
وحين ينزع النبات من سياقيه التاريخي والاجتماعي والعمراني، ويقدم كبديل شامل للهوية البصرية، يفقد قدرته على الدلالة ويتحول لزخرفة، والعملة بوصفها وسيط سيادي لا تحتمل هذا الفراغ الرمزي، والمشكلة ليست في اختيار النبات بل بإقصاء ماعداه، إذ لا تبنى الهوية البصرية على عنصر واحد معزول، بل على طبقات متراكمة من الرموز في مقدمتها العمارة بوصفها التعبير الأوضح عن الاجتماع البشري والتنظيم الحضري والتاريخ الحي، ويمكن اعتبار العمارة السورية على تنوعها لغة جامعة تتجاوز الانقسامات.
واختيار النباتات كرموز للعملة الجديدة، وفقًا لـقصقص، يعكس توجها نحو تنعيم الهوية البصرية وتحويلها لمساحة آمنة، إلا أن الهوية لا تبنى على الأمان وحده، ومحاولة تفادي الخلاف عبر محو الرموز التاريخية لا ينتج توافقًا بل فراغًا، والحياد البصري حين يدفع لأقصاه يتحول لإنكار للذاكرة ويمثل فصلًا مصطنعًا بين الأرض وتاريخها وبين الطبيعة والمدينة، وفي السياق السوري ذي العمق الحضاري الكثيف يشكل هذا الحياد فعلًا اختزاليًا لا لحماية الهوية بل لتفريغها من معناها، وما نحتاجه اليوم شجاعة بصرية تعترف بتاريخ سوريا وتستعيد الإنسان والمدينة بوصفهما جوهر الهوية.
وتفيد قصقص بأنهاعملت من خلال تخصصها على دراسة تاريخية للهوية البصرية السورية الجديدة لمدة شهرين كاملين، وقد وضعت بين يدي المصممين مجموعة واسعة جدًا من الخيارات الرمزية، تتمثل في ملامح وفنون ورموز معمارية وحرفية تمتد من إيبلا وماري وتدمر إلى الفترات الأموية والأيوبية والمملوكية والعثمانية تسمح بالإشارة المباشرة إلى مدن ومجتمعات سورية محددة، وكانت المقترحات عبارة عن أرشيف بصري متدرج ومدعوم بسوابق تاريخية يمكن توظيفه في زوايا مختلفة من العملة، من الحواف والنقوش إلى عناصر الأمان الدقيقة، بحيث تبقى العملة قابلة للقراءة فورًا بوصفها سورية في ذهن المتلقي داخل البلاد وخارجها، مؤكدة أن تقديم هذه المواد التاريخية والميدانية ثم اختيار سرد بصري عام ومستهلك يثير استغرابًا وإحباطًا مهنيين، لأن الفرصة كانت متاحة لخلق خطاب بصري غني ومتماسك وحساس لتاريخ المكان، فكان من الممكن أن تكون العملة جسرًا بين الذاكرة والمواطنة بدلًا من اختزال الحضور السوري إلى عنصر نباتي عام.
بالرغم من الجدل حول الشكل والتصميم، يبقى الثابت في طرح العملة السورية الجديدة، والذي يوحد السوريين، هو التخلّي عن صور الأسد بوصفها رمزًا ارتبط طويلًا بسلطة مستبدة لا بدولة قانون، هذا التحوّل مهما اختلفت القراءات حوله، يحمل دلالة رمزية واضحة على محاولة الفصل بين الدولة وشخصنة الحكم.
قد لا تكون العملة وحدها كافية لإعادة بناء الثقة، لكنها تشير إلى اتجاه مختلف في التعامل مع الرموز الوطنية، اتجاه يُفترض أن يضع المواطن لا الحاكم في مركز الصورة، وبينما تبقى الأسئلة مفتوحة حول بقية الرموز الوطنية، يظل الأهم أن يكون أي تغيير قادم خطوة نحو دولة تُعرّف نفسها بمؤسساتها وقيمها لا بصور قادتها.
الكلمات المفتاحية

الدمج المؤسساتي في الحسكة.. بين مركزية دمشق وهواجس "الإدارة الذاتية"
تشكل قضية اندماج المؤسسات في محافظة الحسكة تحديًا أمنيًا وعسكريًا وإداريًا للحكومة السورية

"الكرمانجية" في دائرة الاعتراف.. تحديات تعليم اللغة الكردية في المدارس السورية
شكّل المرسوم الرئاسي رقم (13) المتعلق بالمكوّن الكردي في سوريا محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالهوية الكردية بوصفها جزءًا أصيلًا من النسيج المجتمعي السوري

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


