ريف إدلب ينهض من جديد.. عودة الحياة والإعمار بعد سقوط النظام
6 ديسمبر 2025
بدأت الحياة تعود إلى أرياف إدلب بعد سقوط نظام الأسد، في مشهد لم يكن مألوفًا قبل أشهر، عندما كانت الطائرات لا تفارق السماء، والناس يفرّون من بيوتهم تحت وابل القصف. اليوم، تعود الأيادي لتبني ما هدمته الحرب، وتُبعث المهن من تحت الرماد، وتُفتح المحال، وتُشيّد البيوت، لترسم ملامح الأمل على وجوه العائدين.
إنها قصة نهوض من تحت الركام، يكتبها السوريون بأنفسهم، كلٌّ بمعوله ومطرقته وعرق جبينه؛ إنها عودة إلى الجذور حين ينادي الوطن أبناءه في قرية دير الغربي بريف معرة النعمان. وتجسّد عودةُ أبو ياسين، رجل في الثلاثينيات من عمره، بعد عشر سنوات قضاها لاجئًا في لبنان، هذا النهوض؛ فقرار العودة لم يكن سهلًا، لكنه كان حتميًا، كما يقول لموقع "الترا سوريا".
ويضيف أنه بعد سقوط النظام "عدت إلى وطني لأبني بيتي وأستقر هنا، الآن وطننا بحاجة للجميع، وواجب علينا أن نسعى إلى إعمار ما دمره النظام البائد خلال سنوات الحرب". يصف أبو ياسين حال بلدته بأنها: "مدمرة بشكل شبه كامل".
من عودة اللاجئين، مرورًا بإحياء المهن اليدوية، وصولًا إلى ازدهار سوق العمل، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها: "الحياة أقوى من الحرب"
وتابع قائلًا: "النظام اقتلع الشبابيك والنوافذ، وتمديدات الكهرباء والماء، وبعض البيوت أحرقها، وأخرى هدمها بالكامل". ورغم هذا الدمار، فإن عزيمته لا تعرف التراجع: "لن ننتظر أحدًا ليبني لنا وطننا. نحن من سنعيده حجرًا حجرًا". عودة اللاجئين إلى قراهم بعد سقوط النظام ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي عودة إلى الجذور، إلى الأرض التي لم تغب عن قلوبهم رغم الغياب القسري.
المهن تعود.. ومهنة الحدادة تطرق أبواب الأمل
في قلب مدينة معرة النعمان، افتتح أبو فاضل محله القديم في الحدادة، بعد أن ظل مغلقًا خمس سنوات، يقول بابتسامة لا تفارق وجهه: "العمل ممتاز جدًا، الأهالي بعد التحرير يحاولون تأمين مأوى لها حسب إمكانياتهم المادية".
وأضاف "قبل التحرير، تخليت عن مهنتي لأن أغلب الأهالي نزحت إلى الخيام، والباقي لم يكن يجرؤ على تجهيز بيته خوفًا من القصف أو النزوح". أما اليوم، فقد تغير المشهد كليًا. الناس تعود، البيوت تُرمم، والمهن تُبعث من جديد.
يقول أبو فاضل لـ"الترا سوريا": "نشطت عدة مهن بالكاد كانت تعمل قبل التحرير، مثل مناشر الحجر، ومعامل البلاط والسيراميك، والنجارة، وغيرها. كل شيء ينبض بالحياة من جديد". لا تمثّل عودة المهن مؤشرًا اقتصاديًا فحسب، بل هي دليل على استعادة الناس لثقتهم بالحياة، واستعدادهم للاستقرار بعد سنوات من التهجير والخوف.
عمال اليوميات.. من الهامش إلى قلب الإعمار في مدينة أريحا
يتنقل موسى العبيدو، عامل مياومة، بين ورشات البناء التي لا تهدأ، ويوضح لـ"الترا سوريا": "أينما تنقلت، أرى عمال البناء يعملون دون توقف، المنشآت التجارية، المعامل، المطاعم، المقاهي"، مؤكدًا أن "الجميع يعيد بناء ما تهدم". ويضيف: "نشاط حركة الإعمار في إدلب زادت من أجرة العامل اليومية. قبل التحرير، كانت لا تتجاوز ثلاث دولارات يوميًا، أما الآن فهي تتراوح بين 10 و12 دولارًا، وهذا فرق كبير".
لكن الإعمار لا يقتصر على القطاع الخاص فقط، فالمؤسسات الرسمية، وفقًا للعبيدو، عملت منذ سقوط نظام الأسد "على افتتاح مراكز صحية ومدارس، وتأمين مستلزمات كاملة للأهالي"، مضيفًا أن ذلك "شجع الناس على العودة إلى منازلها والاستقرار فيها".
عمال اليوميات، الذين طالما عاشوا على الهامش، أصبحوا اليوم في قلب المشهد، يساهمون في بناء وطنهم بأيديهم، ويقطفون ثمار تعبهم بكرامة. ما يجري في أرياف إدلب اليوم ليس مجرد إعمار، بل هو فعل مقاومة. مقاومة للخراب، للتهجير، لليأس. الناس هناك لا ينتظرون معجزة من الخارج، بل يصنعونها بأنفسهم.
من عودة اللاجئين، مرورًا بإحياء المهن اليدوية، وصولًا إلى ازدهار سوق العمل، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها: "الحياة أقوى من الحرب". في كل قرية تُرمم، وكل محل يُفتح، وكل عامل ينهض فجرًا ليكسب قوت يومه، هناك رسالة واضحة: إدلب لا تموت. بل تعود، وتنهض، وتبني، وتؤمن أن الغد سيكون أفضل، لأن أبناءها قرروا أن يكونوا هم صُنّاعه.
الكلمات المفتاحية

العملة الجديدة: خطوة نحو الاستقرار أم مصدر جديد للمخاوف؟
العملة التي يُفترض أن تكون أداة استقرار وثقة، تحوّلت في وجدان السوريين إلى مصدر هواجس مشروعة، تتراوح بين الخوف والشك

"شيفرون" ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي
يستعرض التقرير أبعاد دخول "شيفرون" إلى منطقة الساحل اقتصاديًا وسياسيًا، ودلالاته على الطاقة والاستقرار الإقليمي مستقبلًا المحتمل القادم

السوق السوداء للمحروقات.. اقتصاد ظلّ يستنزف خزينة الدولة ويثقل كاهل السوريين
يرصد التقرير انتشار تجارة المحروقات في السوق السوداء بعد سقوط النظام وتأثيرها المباشر في خزينة الدولة وجيوب السوريين

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


