ultracheck
مجتمع واقتصاد

ريّ المحاصيل بمياه الصرف الصحي يعيد تشكيل منظومة الغذاء ويعمّق تحديات الصحة العامة

3 ديسمبر 2025
مياه الصرف الصحي
يتوسع استخدام مياه الصرف الصحي في الريّ، ما يعيد تشكيل الغذاء في سوريا ويزيد مخاطر التلوث (سانا/الترا سوريا)
سامر سيف الدين
سامر سيف الدينكاتب وأكاديمي

كنت قادمًا من الجنوب قاصدًا دمشق عندما أيقظتني رائحة النشادر المختلطة برائحة البصل والثوم والعفن والمياه الآسنة. نظرت من نافذة الحافلة وعرفت أني في بلدة "نجهة" على أطراف العاصمة دمشق، وأن الرائحة التي أيقظتني هي رائحة مياه الصرف الصحي، التي بدت تغطي مساحات من سهول الذرة والشوندر والأرضي شوكي والقمح وغيرها كثير. هل سقيت تلك الأكواز الكبيرة الممتلئة من الذرة من هذه المياه؟ وما بال الحبات الكبيرة من الشوندر التي تماثل ما تنتجه سلحب وسهول حماه؟ وهل الأرضي شوكي الذي نتفاخر بتقديمه على موائدنا صحي أم أننا نأكل سمومًا تنهش أبداننا على مهل؟

أسباب اعتماد البعض على مياه الصرف الصحي

يقول عدنان، الذي يعيش على زراعة محصول الذرة، لموقع "الترا سوريا": "نحن لا نرغب بسقاية المزروعات من هذه المياه، ولكن قلة الأمطار وارتفاع أسعار المحروقات خلال سنوات الحرب الطويلة، إضافة إلى انخفاض مستوى نهر بردى وروافده (الذي لولا مياه الصرف الصحي لجف نهائيًا في الصيف)، جعل هذا الخيار وحيدًا كي نبقي على زراعتنا التي نعيش منها".

من جهته يقول حسن إن هذه المياه تؤمن أرباحًا كبيرة، فهي توفر تكلفة استخدام المياه العذبة من الآبار الارتوازية، إضافة إلى ثمن الأسمدة (غالية الثمن)، فهذه المياه غنية بالمواد العضوية التي تزيد من خصوبة التربة.

ويصر حسن على أن هذه المياه أفضل للمزروعات من المياه النقية، ويستشهد بأكواز الذرة التي يبلغ وزن البعض منها نصف كيلو غرام، أو ثمار الشوندر والأرضي شوكي التي تبلغ ضعف حجم مثيلاتها في حالة الري بالمياه النظيفة.

في هذا السياق، تواجه سوريا ندرة حادة في المياه تفاقمت بسبب النزاع والجفاف وتغير المناخ، مع استنزاف المياه الجوفية وتضرر البنية التحتية، ما يحد من مصادر الري التقليدية. ونتيجة لذلك، أصبحت إعادة استخدام مياه الصرف الصحي - المعالجة وغير المعالجة - ممارسة بالغة الأهمية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، في لزراعة، لا سيما في المناطق التي تعاني من شح المياه، مثل شمال غرب سوريا ودمشق وريفها.

ويشمل الري بمياه الصرف الصحي في سوريا بشكل أساسي المياه البلدية والصناعية، والتي تختلط غالبًا من مياه الأنهار مثل "قويق" و"العاصي" و"بردى"، حيث تتلقى مياه الصرف الصحي غير المعالجة، بسبب تلف مرافق المعالجة أو توقفها عن العمل.

أهم المحاصيل التي تروى بمياه الصرف الصحي

إن السقاية بهذه المياه ليست جديدة، ولكن زاد استخدامها خلال سنوات الحرب الطويلة، وفاقم منها الجفاف الذي تعانيه سوريا والعديد من دول الشرق الأوسط منذ سنوات عدة. وهذه السقاية شائعة في زراعة الخضراوات، مثل الخس والبقدونس والسلق والملفوف والفجل واللفت وغيرها، بالإضافة إلى الحبوب والمحاصيل العلفية والصناعية على اختلاف أنواعها، وخاصة في جبل الزاوية وريف حلب وريف دمشق. وتشمل الطرق الري بالغمر أو الري بالحفر باستخدام مياه الصرف الصحي الخام من المناطق الحضرية، متجاوزةً بذلك عمليات التحليل (93% من المستخدمين يتجاهلون عمليات فحص الجودة).

ومع أن هذه السقاية تنتشر بشكل كبير في ريف دمشق وحلب وحمص وحماه، بسبب وجود مجاري الأنهار وروافدها، والتي جفت واقتصرت غالبًا على مياه الصرف الصحي كحال بردى صيفًا ونهر قويق في أغلب الفروع التي لم تصلها مياه قناة الفرات، فإن غالبية المحافظات السورية تشهد اعتمادًا متزايدًا على هذا النوع من المياه، والذي وصل حد سقاية الأشجار المثمرة على اختلاف أنواعها من مياه الصرف الصحي الخام أو المعالجة جزئيًا.

مخاطر استخدام مياه الصرف الصحي

بحسب الإحصائيات الأخيرة للأمم المتحدة، يفتقر أكثر من 14.6 مليون شخص في سوريا إلى الوصول الآمن إلى المياه، ما يعني زيادة في اعتماد المزارعين على مياه الصرف الصحي، وبالتالي زيادة في الآثار التي يسببها هذا الاستخدام على المزارعين والمستهلكين والفئات الضعيفة مثل الأطفال. إذ تنتشر الأمراض المعدية بسبب التعرض للعوامل الممرضة عن طريق ملامسة الجلد أو الاستنشاق أو الابتلاع، ما يؤدي إلى الإسهال والكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي. ويواجه المزارعون أعلى المخاطر أثناء الاستخدام؛ بينما يتعرض المستهلكون للعدوى عن طريق تناول المنتجات الملوثة.

ووفقًا لبعض الدراسات المنشورة، يشهد شمال سوريا ارتفاعًا في حالات تفشي الأمراض المنقولة بالمياه نتيجة الري من نهر قويق؛ حيث تزيد مياه الصرف الصحي غير المعالجة 80% من حالات انتقال مسببات الأمراض في المخيمات والمناطق الريفية. كما تسبّب هذه السقاية التهابًافي الجلد وظهور الطفح الجلدي والتهاب الملتحمة، وذلك نتيجة التلامس المباشر مع مياه الصرف الصحي التي تحتوي على بكتيريا ومواد كيميائية.

كذلك، تسبّب السمية المزمنة للمعادن الثقيلة والتراكم الحيوي في المحاصيل مشاكل عصبية وتلفًا كلويًا وسرطانًا مع مرور الوقت (على سبيل المثال، عن طريق الكادميوم في الخضراوات الورقية). وتُظهر التربة في المناطق المروية بهذه المياه لفترة طويلة مستويات مرتفعة من النحاس والنيكل والزنك والرصاص، ما يهدد السلاسل الغذائية.

وكلما زاد اهتمام المزارع بالربح تضاعف اعتماده على المبيدات الحشرية (غير النظامية غالبًا) والهرمونات (في المزروعات أو علف الدواجن)، وهذا بدوره زاد كميتها في مياه الصرف الصحي، ما يفاقم من أضرارها الكثيرة أصلًا.

وفي هذا السياق، يعاني السكان المعتمدون على مزروعات العاصي، من تُلوث مياه الري بالنفايات السائلة غير المعالجة والناتجة عن مصانع الأسمدة ودباغة الجلود وغيرها، ما يؤثر على صحة النساء والأطفال من خلال سلاسل إنتاج الألبان والأعلاف. كذلك، لوحظ انتشار مقاومة مضادات الميكروبات (بقايا المضادات الحيوية وجينات المقاومة في النفايات السائلة والتربة).

وفضلًا عن الآثار الصحية لهذه المياه، تشير تقارير المنظمات الإنسانية عام 2024 إلى ضغوط على الصحة النفسية بسبب مخاوف التلوث في مجتمعات النازحين داخليًا. إن هذه المخاطر الحادة في سوريا ناتجة عن تضرر مرافق الصرف الصحي جراء الحرب (40% فقط من المرافق كانت تعمل قبل عام 2025)، إلا أن نقص الإبلاغ يحد من دقة بيانات الإصابة.

تحسين معالجة مياه الصرف الصحي

يوجد في سوريا حوالي 26 محطة عاملة لمعالجة مياه الصرف الصحي، تُنتج حوالي 299 مليون متر مكعب سنويًا، إلا أن استخدامها في الري محدود بسبب سوء الصيانة. في شمال غرب سوريا (مثل إدلب وحلب)، وجد تقييم أُجري عام 2024 في 28 منطقة انتشارًا واسعًا لهذه التقنية: 80% من المزارعين الذين يستخدمون مياه الصرف الصحي يطبقونها دون معالجة، بينما يستخدم 20% مصادر معالجة جزئيًا.

وبشكل عام، يمكن لإعادة استخدام مياه الصرف الصحي أن توفر ما بين 400 و800 مليون متر مكعب سنويًا إذا تم توسيع نطاقها بأمان، ما يُغطي ما بين 10 و15% من احتياجات الري في المناطق القاحلة، بينما لا تتجاوز نسبة استخدام المياه المعالجة 3% حاليًا.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور في الهندسة الزراعية، هيثم .ر، لـ"الترا سوريا" إن: " نشر حلول منخفضة التكلفة مثل الأراضي الرطبة المُنشأة أو المحطات المتنقلة لتحقيق المعالجة الثانوية/الثالثية (إزالة أكثر من 90% من مسببات الأمراض) يمكن تطبيقه في أغلب المناطق السورية".

ويضيف الدكتور هيثم أنه يمكن استخدام برك التخزين والإنضاج (تسمح بموت مسببات الأمراض قبل الري)، وهي مفيدة في الأماكن التي تفتقر إلى محطات المعالجة الكاملة. كما يمكن تطهير مياه الري في نقطة الاستخدام (مثل الكلورة للأنظمة الصغيرة) والترشيح البسيط لبعض التطبيقات.

كذلك يمكن الاستفادة من المشاريع التجريبية التي طُبقت في شمال غرب سوريا في عام 2025، والتي تهدف لمعالجة ما بين 1 و5 ملايين متر مكعب سنويًا؛ ويمكن كذلك توسيع نطاق مشروع ترميم نهر العاصي، المموّل من جهات مانحة (مثل الاتحاد الأوروبي/الأمم المتحدة)، ليصل إلى 100 مليون متر مكعب.

من جهة أخرى على الجهات المختصة مراقبة جودة المياه وتنظيمها وإلزام إجراء اختبارات ما قبل الري (مثل إرشادات منظمة الصحة العالمية: أقل من 1 بيضة ديدان/ لتر) عبر المختبرات؛ وحصر الاستخدام على المحاصيل غير الغذائية (مثل القطن، وليس الخضراوات)، واعتماد الري بالتنقيط لتقليل التلامس؛ وتدوير الحقول لمنع تراكم التربة. ويجب التحكم في تصريفات المصانع في المجاري لتجنب وصول المعادن الثقيلة والملوثات العضوية الثابتة إلى مياه الري.

ويوصي الخبراء بإيجاد إطار وطني لإعادة الاستخدام (مثل تحديثات قانون المياه السوري)؛ وخلق أنظمة هجينة تمزج مياه الصرف الصحي مع حصاد مياه الأمطار. ولابد من توعية المزارعين والمستهلكين والتدريب على معدات الوقاية (القفازات والأحذية)، وغسل المحاصيل، والفترات الآمنة (مثل 20 - 30 يومًا بعد حصاد الري). وحملات عامة عبر وسائل الإعلام المختلفة.

كما يوصون برسم خرائط للمناطق الساخنة، وذلك لتحديد الأماكن التي تُستخدم فيها مياه الصرف الصحي غير المعالجة على نطاق واسع والمحاصيل المروية، عبر استخدام بيانات الزراعة المحلية والبلديات، والاستمرار بالرصد الميكروبي السريع (الإشريكية القولونية) لمصادر الري في المناطق الساخنة، وهو غير مكلف ويُعطي نتائج عملية وسريعة، وفي حال ثبوت الضرر إيقاف الري مباشرة.

باختصار، بينما يُسهم الريّ بمياه الصرف الصحي في دعم الزراعة في سوريا في ظل الظروف الحالية، يُشكّل الاستخدام غير المُنظّم تهديدات صحية جسيمة. إن إعطاء الأولوية للمعالجة والرصد يُمكن أن يُتيح إعادة الاستخدام الآمن، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة العالمية.

الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث

الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة


المناهج الدراسية

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك


زلزال شباط

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية

تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث


احتجاجات المعلمين

وصفت بأنها "إعادة قسرية".. احتجاجات تربوية في اللاذقية رفضًا لآلية تجديد العقود

شارك في احتجاجات اللاذقية مئات المعلمين والمعلمات مطالبين بإلغاء القرار الوزاري الذي يمهد لإنهاء خدماتهم بشكل غير مباشر

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
عدالة انتقالية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا


2
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


3
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


4
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


5
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


advert