ultracheck
قول

زيارة الشرع إلى البيت الأبيض: جسور ما بعد العزلة أمام اختبار السيادة

11 نوفمبر 2025
زيارة الشرع
تأتي الزيارة في لحظة حساسة تشهدها المنطقة (مواقع التواصل)
أغيد حجازي
أغيد حجازيكاتب وصحافي

تُعتبر أوكرانيا بالنسبة للأوروبيين خطَّ الدفاع الأول في مواجهة روسيا، ولذلك يمدّونها بالسلاح والعتاد اللازمين لصدّ الروس ومنعهم من الوصول إلى أوروبا. أمّا بالنسبة للولايات المتحدة، فترى في كييف أكثر من ذلك، إذ تعتبر أنها نجحت في إدخال موسكو ضمن مستنقع استنزافٍ طويل الأمد.

ومع ذلك، عندما زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي البيت الأبيض، قال له دونالد ترامب أمام الصحفيين: "عليك أن تتنازل لبوتين، فلا تملك أوراق قوة تفاوضية، وإلا ستخسر المزيد."

وعلى سيرة التفاوض، سُئل الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني: "لماذا لا تحاور الإسرائيليين؟" فأجاب: "ما جدوى الحوار بين السيف والعنق؟".

وفي الثورة المصرية، حين بلغت المظاهرات ذروتها في ميدان التحرير، يُروى أن الرئيس الراحل حسني مبارك اتصل بالأميركيين طالبًا حلًا أو مساعدة، وبعد أن أنهى المكالمة سأله أحد الحاضرين عن النتيجة، فأجاب: "من تلحّف بالأميركان يبقَ بردان."

المغزى أن الحليف الأميركي ليس بالضرورة شريكًا ندًّا، فالدعم لا يعني حفظ السيادة، والتحالف لا يمنح القوة ما لم تستند إلى قاعدة صلبة من الداخل.

****

اليوم، يزور الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض، كأول رئيس سوري يخطو هذه الخطوة. ولا شك أن زيارة رئيس سوري – وإن لم يكن منتخبًا بعد – تمثل حدثًا مفصليًا وتاريخيًا، كونها الأولى من نوعها منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة.

غير أن الزخم الذي رافق هذه الزيارة تجاوز حدود الواقعية، إذ رُوّج لها على نطاق واسع بوصفها منعطفًا اقتصاديًا سيحوّل سوريا إلى نموذجٍ تنموي مزدهر. لكن مثل هذه الطموحات تحتاج إلى كثير من الحذر، فزيارة دبلوماسية مهما كانت أهميتها لا يمكنها وحدها أن تُحدث تحوّلًا جذريًا في واقع اقتصادي أنهكته سنوات الحرب والعقوبات والانقسام.

من هنا، فإن التقييم الموضوعي لأي انفتاح سياسي يجب أن ينطلق من فهم الظروف الداخلية والإقليمية المحيطة، ومن قدرة الحكومة السورية على تحويل هذا الانفتاح إلى إصلاحات اقتصادية ملموسة تمسّ حياة المواطنين.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل أي خطوة دبلوماسية عن المناخ الجيوسياسي الأوسع الذي تتحرّك فيه سوريا اليوم، إذ تأتي الزيارة في لحظةٍ حساسة تشهدها المنطقة مع بدء إعادة رسم موازين القوى الإقليمية. فالولايات المتحدة تسعى من خلالها إلى تثبيت نفوذها في الملف السوري بعد عقودٍ من الغياب، بينما تحاول دمشق كسر عزلتها واستعادة قنوات الدعم الاقتصادي والسياسي.

ولا شكّ أن وجود علاقات طبيعية وصحية مع الولايات المتحدة أمرٌ ضروري ومهمّ ولا غنى عنه، كما أنه لا مصلحة لأي دولة – كبيرة كانت أم صغيرة – في معاداة واشنطن أو إبقاء علاقاتها معها مضطربة، فكيف بسوريا، البلد المنهك والمدمَّر؟
فإنْ أرادت الولايات المتحدة دعم سوريا، فهي قادرة على ذلك سياسيًا واقتصاديًا وعبر رفع العقوبات الاقتصادية، ولا سيّما قانون قيصر الذي يثقل كاهل دمشق، كما أنها قادرة – إن شاءت – على الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، وعلى "قسد" للوصول إلى حلّ سياسي شامل.

ومن جهةٍ أخرى، وكما هو الحال في العلاقات الدولية كافة، لا شيء يُقدَّم دون مقابل. ففي عالم المصالح، لكل خدمة ثمن، ولكل دعم كلفة. والولايات المتحدة – لا سيّما في عهد الترامبية التي تتعامل بعقلية التاجر أكثر من رجل الدولة – لا تقدّم التزاماتها مجانًا. لذلك، من المهم مراقبة ما الذي ستطلبه واشنطن في المقابل، وما هو الثمن السياسي أو الاقتصادي الذي قد تُطالَب به دمشق مقابل إعادة الانفتاح والعلاقات الطبيعية.

ومع ذلك، فإن إدراك طبيعة هذا "المقابل" لا يعني التسليم به أو الارتهان له، بل يقتضي إدارة العلاقة بميزان دقيق بين الحاجة والمصلحة، وبين الانفتاح والسيادة. فالثقة في السياسة الدولية لا تُبنى بالتصريحات أو الزيارات وحدها، بل عبر اختباراتٍ متبادلة تتراكم مع الوقت وتُترجم إلى مسارٍ عمليٍّ قابلٍ للاستمرار.

إن ما ينتظره السوريون اليوم لا يتعلق بالمراسم الدبلوماسية بقدر ما يتعلق بوقف نزيف الدم وتحسّن أوضاعهم المعيشية، وبإنهاء الانقسام الطائفي، ووضع حدّ للاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسع يومًا بعد يوم. فهم لا يريدون أن تُقدَّم أي خطوة سياسية على أنها انتصار على أي فئة من أبناء الوطن، بل بوصفها خطوة نحو وحدة البلاد وكرامتها.

وما لم تمتلك دمشق أوراق قوة حقيقية في الملفات الكبرى، فستبقى "كالعنق أمام السيف". فالمصافحات لا تُغني عن التوازن، واللقاءات لا تصنع السيادة.

إن القوة الحقيقية اليوم تكمن في إعادة بناء سوريا واحدة موحّدة، بجيش وطني جامع، ودولة تستعيد ثقة أبنائها قبل ثقة الآخرين.
ودون ذلك، ستبقى كل الزيارات عناوين كبيرة لقصصٍ صغيرة.

الكلمات المفتاحية

سوريون يحتفلون بالسقوط

عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟

بعد مرور عام كامل على سقوط النظام، يبرز سؤال جوهري: هل نجحت مؤسسات الدولة في استعادة ثقة السوريين؟


ترامب ونتنياهو

ترامب بين نتنياهو والشرع

كان كثير من المحللين رأوا أن الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة في الآونة الأخيرة، تأتي على خلفية شعور إسرائيلي بالغضب جرّاء التقارب الأميركي ـ السوري


النشيد السوري الجديد

عن النشيد الجديد والأحرار والعبيد

إن نشيد "في سبيل المجد" الذي كتب قبل قرن من الزمان، لا يصلح اليوم إن بقي على حاله دون تعديل


حشود

لا صوت يعلو فوق صوت التطرّف

في المحصلة، يظلّ المشهد اليومي في سوريا محكومًا بقانون واحد: في الساحات يُقصى صوت العقل كي لا يعكّر صفو المشهد، ويُهجّر خطاب الاعتدال إلى زوايا لا تُرى

حملة 16 يومًا
مجتمع واقتصاد

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية

توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

مستشفيات دير الزور
مجتمع واقتصاد

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية

يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية


أرشيف الموت السوري
عدالة انتقالية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد

يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

الطاقة الشمسية
مجتمع واقتصاد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية

ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل

الأكثر قراءة

1
قول

عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟


2
منوعات

دوري "سيريتل" لكرة السلة.. تسعة أندية في سباق موسم يبحث عن استقرار وتنظيم جديد


3
أخبار

تقرير: شبكات تمويل وتجنيد سرية.. مخلوف وحسن يتنافسان على إعادة تشكيل نفوذ ما بعد الأسد


4
أخبار

قوة إسرائيلية من 6 آليات تتوغل في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة


5
أخبار

غارة أميركية تستهدف مسؤولًا في "داعش" وتقتل عميلًا سوريًا بشكل خاطئ


advert