ساعة اتفاق آذار تقترب: ملف "قسد" بين وعود التفاهم ومحاذير الحل العسكري
16 ديسمبر 2025
مع اقتراب الموعد النهائي لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/ مارس، يترقب السوريون لحظة حاسمة قد تحدد مسار أكبر اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية. وبين وعود التفاهم وغيوم العوائق والعراقيل، تتصاعد المخاوف من أن يتحول هذا الاتفاق من أمل إلى مأزق جديد. التساؤل الأكبر يظل قائمًا: هل سيُطبّق هذا الاتفاق بالفعل؟ وإذا فشل، ما الخيارات المتاحة في ظل واقع سياسي وأمني معقد؟ في هذا التقرير، نستعرض آراء محللين وخبراء لتفكيك السيناريوهات المحتملة ورسم صورة دقيقة لمستقبل هذا الملف الحساس.
هل سيُطبّق اتفاق آذار/ مارس فعلًا؟
قال خالد جبر، محلل سياسي وخبير بالشأن السوري، إن اتفاق آذار/ مارس بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية لا يمكن اختزاله كإجراء أمني أو اتفاق دمج تقني، مؤكدًا أنه يحمل دلالة سياسية واضحة، تتمثل في إقرار متأخر بوجود قوة عسكرية وطنية نشأت دفاعًا عن الأرض، واعتراف بحقيقة سياسية وإدارية قائمة في شمال وشرق سوريا، إضافة إلى كونه تأكيدًا عمليًا على استحالة الحسم العسكري. واعتبر أن أي محاولة لتوصيف الاتفاق على أنه «مذكرة إذعان» تُفرغه من جوهره السياسي.
وأوضح جبر أن توقيت الاتفاق يعكس مأزق الدولة أكثر مما يشير إلى ضعف قسد، لافتًا إلى أنه جاء في لحظة عجزت فيها الحكومة عن بسط السيطرة بالقوة، واستُنزفت أدواتها العسكرية والاقتصادية، وتزايدت الضغوط الدولية لعدم فتح جبهات جديدة، ما يعني أن الاتفاق لم يُفرض على قسد، بل فُرض بالواقع السياسي والعسكري القائم.
وأكد أن مسألة الدمج ليست بندًا مستقلًا، بل نتيجة لمسار سياسي، مشيرًا إلى أن قسد لم ترفض الدمج من حيث المبدأ، لكنها شددت على أنه مرحلة نهائية وليست خطوة أولى، ولا يمكن أن تتم قبل التوصل إلى دستور توافقي، وتحديد شكل الدولة، وإعادة تعريف الجيش، محذرًا من أن الدمج قبل السياسة يعني إعادة إنتاج الأزمة.
وفيما يتعلق بالمهل الزمنية، شدد على أن رفضها يمثل موقفًا وطنيًا لا تعطيلًا سياسيًا، موضحًا أن ربط الاتفاق بجدول زمني يتجاهل غياب البيئة القانونية، ويحوّل الدمج إلى إجراء إداري قسري، ويختزل سوريا في ملف أمني. وأضاف أن موقف قسد في هذا السياق هو دفاع عن منطق الدولة: «لا جيش بلا دستور، ولا دمج بلا عقد اجتماعي».
وختم جبر بالتأكيد على أن قسد ليست عبئًا على السيادة بل ضمانة لها، مشيرًا إلى أنه في شمال وشرق سوريا لم تُرفع أعلام انفصالية، ولم تُعلن كيانات مستقلة، ولم تُغلق أبواب الحوار مع دمشق.
المراوغة والتحديات: قراءة صحفيّة
يرى معتز السيد، صحفي في المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع، أن اتفاق العاشر من آذار/ مارس يبدو اليوم وكأنه يتجه نحو تمديد قصير للمهلة، بعد فترة طويلة من المماطلة التي انتهجتها قسد لتعزيز مواقعها على الأرض، وانتظار أي تطور داخلي أو إقليمي يمنحها قوة تفاوضية أكبر.
وأوضح أن هذه المماطلة تمثلت بطرح مطالب تعجيزية، من بينها الحصول على وزارات سيادية أو رتب عليا في الجيش، إضافة إلى محاولات فرض تنظيم عسكري يكرّس استقلالية قسد داخل مؤسستي الجيش والأمن الداخلي.
وأشار السيد إلى أنه مع اقتراب انتهاء المهلة، لوحظ تصاعد ملحوظ في لغة الخطاب التركي، مع احتمال دفع أنقرة بتعزيزات عسكرية، بالتوازي مع ضغوط تمارسها دمشق لإجبار قسد على الالتزام بالاتفاق.
ولفت إلى أن الأيام المقبلة ستشهد تحركات متسارعة للتعجيل بالتنفيذ، إلا أن تجربة العام الماضي لا توحي بأن قسد ستقبل اندماجًا يلبّي مطالب الحكومة أولًا وتركيا ثانيًا. واعتبر أن الملف يبدو طويلًا ومعقدًا، مرجحًا لجوء تركيا إلى ضربات جوية تستهدف مقرات وقيادات، في وقت تكثف فيه دمشق اتصالاتها مع القوى الفاعلة في الجزيرة السورية لتضييق الخناق سياسيًا وعسكريًا.
وختم السيد بالقول إن التفاوض يبقى الخيار الأساسي أمام دمشق في هذه المرحلة الحرجة، في ظل تعدد الملفات وعلى رأسها الجنوب، مشيرًا إلى أن الخيار العسكري سيظل حاضرًا كأداة ضغط، من دون أن يتطور إلى حرب مفتوحة بين الطرفين.
ما الخيارات في حال تعثر الدمج؟
قال بشار علي الحاج علي، دبلوماسي سابق وخبير بالشأن السوري، إن التفاهمات التي بدأت في آذار/ مارس وتبلورت في اتفاق نيسان بين الحكومة السورية وقسد قابلة للتطبيق من حيث المبدأ، لكنها ما تزال في حالة شبه تجميد، موضحًا أن الإشكالية ليست في صيغة الاتفاق بل في غياب خطوات تنفيذية واضحة ومتزامنة. وأكد أن قسد تتعامل مع الاتفاق كمدخل يضمن لها موقعًا سياسيًا وأمنيًا ضمن الدولة، بينما تنظر الحكومة إليه كآلية احتواء تدريجي لا كشراكة كاملة، مشيرًا إلى أن الاتفاق يُستخدم أكثر لإدارة الوقت وضبط الإيقاع الميداني لا لحسم المسار.
وعن الخيارات في حال لم تتم عملية الدمج، ذكر الحاج علي ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار الوضع القائم مع إدارة ذاتية بحكم الواقع وتفاهمات أمنية محدودة، وهو خيار استنزافي لكنه الأقل كلفة على المدى القصير؛ تصعيد تدريجي مضبوط عبر أدوات ضغط عسكرية وأمنية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وهو سيناريو محفوف بالمخاطر وقد يفتح الباب لتدخلات خارجية أوسع؛ وتدويل متجدد للملف يعيد القضية إلى طاولات التفاوض الدولية، ما يعني تأجيل الحل وربطه بأجندات خارجية.
وأشار الحاج علي إلى سيناريو رابع غير معلن، يتمثل في تجميد شبه كامل للمسار: لا دمج فعلي، ولا صدام واسع، ولا حل سياسي نهائي، بل اتفاقات على الورق وتنسيق محدود عبر الوسطاء، موضحًا أن هذا السيناريو مريح مرحليًا لكنه يحمل في داخله عناصر انفجار مؤجل.
وحول إمكانية الحل العسكري أو السياسي، أوضح الحاج علي أن الحل العسكري الشامل مستبعد لأسباب عملية، لافتًا إلى أن كلفته عالية ونتائجه غير مضمونة، مؤكدًا أن الحل السياسي هو الإطار الحاكم لكنه ضمن معادلة واقعية تقوم على سياسة مدعومة بميزان قوة، لا على تفاوض نظري فقط، مضيفًا: «في سوريا لا تتحرك السياسة بلا ضغط، ولا يُفرض الحل بالقوة وحدها».
وختم الحاج علي بالقول إننا أمام مسار بطيء ومفتوح على كل الاحتمالات، حيث لا أحد قادر على الحسم ولا أحد مستعد للتنازل الكامل، مؤكدًا أن الاتفاق موجود لكنه مجمّد، والتصعيد ممكن لكنه مكلف، والحل السياسي قائم لكنه مشروط، في مرحلة إدارة أزمة طويلة بأدوات مؤقتة.
اتفاق معلق بين التفاهم والعرقلة
تجمع آراء الضيوف الثلاثة على أن اتفاق آذار/ مارس بين قسد والحكومة السورية يظل قابلًا للتطبيق من حيث المبدأ، لكنه محاط بالعديد من العوائق السياسية والعسكرية والإقليمية. وتتراوح السيناريوهات بين التمديد المؤقت للاتفاق، ومواصلة المماطلة، وتصعيد ضغوط سياسية وأمنية، وحتى تدويل الملف أو تجميده بشكل شبه كامل.
كما يؤكد الخبراء أن الحل العسكري الشامل مستبعد، وأن أي تقدم في تنفيذ الاتفاق يعتمد على توازن القوة والضغوط الواقعية، وليس على التفاوض النظري وحده. في الوقت نفسه، يظل التفاوض هو الإطار الأساسي لإدارة الأزمة، في ظل غياب أي قدرة لدى الأطراف على الحسم الكامل، وهو ما يجعل المرحلة الحالية فترة إدارة مؤقتة وحساسة، قد تفتح الباب لكل الاحتمالات في أي لحظة.
الكلمات المفتاحية

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

الأكراد وأميركا.. خيانة أم سياسة قائمة على المصالح؟
عاد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد في سوريا إلى الواجهة مجددًا، وتنقسم القراءات بين طرحٍ يستند إلى الانطباعات الشعبية، وطرحٍ آخر ينطلق من منطق العلاقات الدولية

"خارطة الطريق" وخيارات السويداء بعد طي ملف "قسد"
أسهمت العمليات العسكرية في رسم جغرافيا سياسية جديدة لم تقتصر تداعياتها على قسد فحسب، بل امتدت إلى محافظة السويداء

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


