ultracheck
مجتمع واقتصاد

سحب الليرة التركية من شمال سوريا.. اختبار استعادة السيادة النقدية وتوحيد السوق المالية

15 يوليو 2026
مصرف سوريا المركزي
مبنى مصرف سوريا المركزي في محافظة إدلب (سانا/الترا سوريا)
أحمد العكلة
أحمد العكلة كاتب وصحافي سوري

أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، عن إجراء لقاء قبل أسبوعين مع حاكم مصرف تركيا المركزي ومسؤولي شركة البريد التركي (PTT)، بهدف بحث ترتيبات سحب الليرة التركية تدريجيًا من التداول داخل سوريا، ووقف ضخها إلى الداخل السوري. وقد جاء الإعلان في سياق جهود الحكومة السورية لتوحيد السوق النقدية بعد سنوات من الانقسام الذي شهد تداول عملات متعددة في مناطق مختلفة من البلاد.

وأوضح رسلان أن عملية السحب ستتم بشكل تدريجي لتجنب أي حالة ارتباك أو خوف قد تنتج عن سحب مفاجئ للعملة الأجنبية. ودعا المواطنين صراحة إلى الاعتماد الكامل على الليرة السورية وحصر التعامل بها مستقبلًا، معتبرًا ذلك خطوة أساسية نحو استعادة السيطرة على السياسة النقدية الوطنية.

يُعد هذا الإعلان محاولة جديدة لمعالجة ظاهرة "الدولرة" غير الرسمية والليرة التركية التي سادت في شمال سوريا خلال السنوات الماضية. إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن هذا النوع من الإعلانات ليس الأول من نوعه؛ فقد سبق وأُعلن عن محاولات مماثلة في السنوات السابقة لتوحيد العملة أو الحد من استخدام الليرة التركية، غير أن تلك المحاولات لم تنجح لأسباب تتعلق بالظروف الأمنية والاقتصادية واللوجستية السائدة آنذاك.

خطوة نحو توحيد السوق النقدية

في تعليقه على القرار، وصف الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل الخطوة بأنها "مهمة باتجاه توحيد السوق النقدية السورية بعد سنوات من الانقسام". وأشار إلى أن وجود الليرة التركية إلى جانب الليرة السورية كان يحد من قدرة مصرف سوريا المركزي على قياس حجم السيولة بدقة، وإدارة السياسة النقدية بفعالية، والتأثير في مستويات الأسعار.

وأوضح المغربل أن حصر التعامل بالليرة السورية يهدف إلى زيادة الطلب على العملة الوطنية، وتوحيد تسعير السلع والأجور والضرائب، بالإضافة إلى إعادة ربط المناطق الشمالية بالنظام المالي السوري. وأكد أن لهذه الخطوة بعدًا سياديًا واضحًا، إذ تُعد وحدة العملة جزءًا أساسيًا من وحدة السوق والدولة.

حصر التعامل بالليرة السورية يهدف إلى زيادة الطلب على العملة الوطنية، وتوحيد تسعير السلع والأجور والضرائب، بالإضافة إلى إعادة ربط المناطق الشمالية بالنظام المالي السوري

ومع ذلك، حذر المغربل من أن زيادة استخدام الليرة السورية قد تساهم في تعزيز الطلب عليها والحد من التجزؤ النقدي، إلا أنها لن تكون كافية بمفردها لتحقيق استقرار مستدام. وشدد على أن "الثقة بالعملة لا تُفرض بقرارات إدارية، وإنما تُبنى من خلال استقرار الأسعار وتمكين المواطنين من الحفاظ على قيمة مدخراتهم".

كما نبه إلى خطر حقيقي يتمثل في حال عدم مرافقة القرار بسياسات مالية ونقدية منضبطة، قد يتحول الطلب على الليرة التركية إلى طلب على الدولار الأميركي بدلًا من العودة إلى الليرة السورية. وأكد أن سحب العملة الأجنبية يجب أن يكون نتيجة لتحسن قوة العملة الوطنية، وليس بديلًا عن معالجة أسباب ضعفها.

خطوة طبيعية.. لكنها متأخرة نسبيًا

أما الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي، فقد وصف توحيد التعامل بالليرة السورية بأنه "خطوة طبيعية وإن كانت متأخرة نسبيًا". وأرجع التأخر إلى انشغال الحكومة بملفات أكثر أولوية، أبرزها عملية استبدال العملة التي وصلت – بحسب تقديره – إلى أكثر من 80%، إلى جانب العمل على تأمين السيولة الكافية لتغطية احتياجات المناطق المعنية.

وأشار قضيماتي إلى أن الحكومة بدأت بالفعل باتخاذ إجراءات عملية في هذا الاتجاه، منها قصر التعامل في قطاع المحروقات على الليرة السورية بدلًا من الدولار أو الليرة التركية. واعتبر أن وقف ضخ الليرة التركية سيؤدي إلى زيادة الطلب على الليرة السورية، ما ينعكس إيجابًا على استقرار سعر صرفها، على الأقل خلال مرحلة الانتقال.

ورأى أن حالة الاستقرار المتوقعة ستكون مؤقتة، مع توقعات ببقاء تقلبات سعر الصرف ضمن حدود ضيقة نتيجة ارتفاع الطلب على الليرة السورية. أما فيما يتعلق بالأسعار والقوة الشرائية، فأكد أن تأثيرهما لا يرتبط بسعر الصرف وحده، بل بمجموعة من العوامل الاقتصادية الأخرى.

تنفيذ تدريجي لسحب الليرة التركية

على مستوى التحديات، أوضح المغربل أن شريحة واسعة من التجارة والأجور والمدخرات في شمال سوريا ما تزال مرتبطة بالليرة التركية، الأمر الذي قد يؤدي إلى حالة ارتباك مؤقت في الأسعار ونقص في السيولة إذا جرى السحب بسرعة. كما لفت إلى احتمال ظهور مضاربات وفروق كبيرة في أسعار التحويل في حال غياب مراكز صرف رسمية وعدم توفر كميات كافية من الليرة السورية.

الحكومة بدأت بالفعل باتخاذ إجراءات عملية في هذا الاتجاه، منها قصر التعامل في قطاع المحروقات على الليرة السورية بدلًا من الدولار أو الليرة التركية

أما قضيماتي، فأشار إلى أن المواطنين قد يواجهون في المرحلة الأولى صعوبات مرتبطة بالاعتياد على استخدام الليرة السورية، خاصة في مناطق شمال سوريا التي كان فيها تداول العملة السورية محدودًا للغاية. وأضاف أن عملية الاستبدال ستتطلب إعادة تسعير للسلع والخدمات بما يتناسب مع الليرة السورية.

ودعا الخبيران إلى تنفيذ العملية تدريجيًا ضمن فترة انتقالية واضحة، مع اعتماد سعر تحويل شفاف، وضمان استبدال الأموال دون قيود مرهقة، إلى جانب مراقبة الأسواق لمنع الاستغلال. كما شددا على أهمية التنسيق مع التجار والمصارف والسلطات المحلية، وتأمين فئات نقدية مناسبة قبل حصر التعامل بالليرة السورية.

كما أكد قضيماتي أن نجاح هذه المرحلة يتطلب رقابة حكومية مشددة على الأسواق لمنع التجار من استغلال عملية التحول لتحقيق هوامش ربح غير مبررة. وشدد على ضرورة توفير كميات كافية من الليرة السورية لدى الصرافين والقطاع المالي في تلك المناطق، بما يضمن تنفيذ عملية الاستبدال بسلاسة ويحول دون حدوث مضاربات على سعر الصرف.

وخلص الخبيران إلى أن نجاح عملية التحول يعتمد على تكامل أدوار الحكومة السورية ووزارة المالية والبنك المركزي، من خلال تغذية المناطق المستهدفة بالسيولة اللازمة من الليرة السورية، وتعزيز الرقابة على الأسواق وشركات الصرافة، بما يضمن استقرار الأسعار وسير عملية الاستبدال بصورة منظمة.

في الختام، تمثل هذه الخطوة محاولة جادة لاستعادة السيادة النقدية السورية، لكن نجاحها مرهون بتوفير الظروف الاقتصادية الملائمة وتجنب تكرار إخفاقات المحاولات السابقة. فالقرارات الإدارية وحدها لا تكفي؛ بل يحتاج الأمر إلى سياسات شاملة تعيد بناء الثقة بالليرة السورية على أرض الواقع.

أقرأ/ي أيضًا: مسلخ "تلبيسة".. منشأة خدمية تتحول إلى بؤرة أوبئة تحاصر  آلاف الأشخاص

أقرأ/ي أيضًا: خيام تحولت إلى أفران.. موجة الحر تضاعف معاناة مسني مخيمات إدلب

الكلمات المفتاحية

حسام لوقا
عدالة انتقالية

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا

النفط العراقي
مجتمع واقتصاد

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الأمن الداخلي
أخبار

الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق

ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت

العنف الأسري
عدالة انتقالية

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره

الأكثر قراءة

1
أخبار

قتيلان و17 مصابًا.. خلاف عائلي يتحول إلى اشتباك مسلح في حمص


2
أخبار

بعد موجة من الجدل والانتقادات.. مديرية الآثار توضح حقيقة ما يجري في مهرجان "صيف دمشق"


3
أخبار

هيئة العدالة الانتقالية تدعو لتوثيق الانتهاكات المرتبطة بمحمد الشعار


4
أخبار

بعد مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية.. هيئة المنافذ والجمارك تتسلم مواقع تجارية في مرفأ طرطوس


5
أخبار

الهيئة العامة للطيران المدني تتسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي


advert