سلة حمص.. انتظار طويل لعدالة الصالات بعد سنوات من العطش الرياضي
17 نوفمبر 2025
لم تكن المنشآت الرياضية يومًا منّةً من أحد، ولا عطيّةً يهبها مسؤول لمن يشاء ويمنعها عمّن يشاء. إنها حق عام من حقوق المجتمع، وجزء أصيل من منظومة الخدمات التي تقدمها الدولة لشعبها، تمامًا كما تُبنى المدارس والمستشفيات والطرقات. غير أنه في وطنٍ طالما صدح بشعارات دعم الرياضة، تتكشّف الحقيقة المؤلمة: المنشآت الرياضية تُدار وفق الأهواء والمصالح الشخصية، لا وفق حاجة المدن والأندية ولا وفق عدالة التوزيع.
في قلب سوريا، حيث تنبض مدينة حمص بحياةٍ رياضية متوهجة بعدما أصبحت أحد أهم معاقل كرة السلة المحلية، يبرز مشهد لا يليق بتاريخها ولا بمكانتها. فالصالة الوحيدة في المدينة، التي يفترض أن تكون منارةً لعشاق اللعبة، تحوّلت إلى أثرٍ منسيّ من زمنٍ مضى؛ جدرانها تئنّ، أرضيتها متآكلة، ومرافقها فقدت القدرة على استقبال الأعداد الكبيرة من الجماهير التي تعشق كرة السلة حتى النخاع.
إنها أشبه بزهرة خريف فقدت لونها ورائحتها؛ باقية بالاسم، ميتة بالمعنى. والكارثة الأكبر أن هذه الصالة المتهالكة تُستخدم لجميع الألعاب الرياضية بلا استثناء؛ فهي تستقبل دوري السلة بكل فئاته، وتحتضن دوري كرة اليد، وتُستنزف في تدريبات الفرق. إنها ساحة حربٍ رياضية لا تعرف الراحة، تعمل فوق طاقتها، فيما يكتفي المعنيون بالتصريحات والوعود الباهتة.
كم من مرة رفع ناديا الكرامة وحمص الفداء (الوثبة سابقًا) الصوت عاليًا مطالبين بصالةٍ جديدة تليق بعظمة اللعبة في حمص؟ وكم من كتابٍ ومناشدةٍ وصلت إلى مكاتب القرار ثم وُضعت على الرف؟ لكن يبدو أن الآذان في ذلك الزمن كانت صمّاء، لا تسمع إلا صدى مصالحها. أما الاتحاد الرياضي العام في عهد النظام البائد والفاسد فلم يكن سوى مؤسسةٍ مترهلة تُقاد بالمحسوبيات لا بروح المسؤولية.
لقد كان أشبه بأبٍ فاقدٍ لسلطته على أبنائه، يحتاج هو نفسه إلى من يرشده بدل أن يرشد غيره. لكن ريح التغيير هبّت مع إشراقة شمس الحرية في سوريا الجديدة، وبدأت رياح الأمل تزيح غبار السنين.

وزارة الرياضة والشباب اليوم وضعت منشآت حمص ضمن أولوياتها، وبدأت معالم الانفراج تلوح في الأفق. وربما تعود الحياة إلى صالات حمص وتعود الجماهير إلى مدرجاتها وهي ترفع شعارًا واحدًا: الرياضة حق وليست مكرمة، فعدالة الملاعب جزء من عدالة الوطن. لقد آن الأوان أن تدرك مؤسساتنا الرياضية أن البطولات لا تُصنع على الورق، ولا تُولد من رحم الوعود، بل تُبنى على أرضٍ صلبة من العمل والمسؤولية.
حمص لا تطلب المستحيل، بل تطلب ما تستحقه: صالة تليق بتاريخها، وجمهورًا يليق بالحلم، ومستقبلًا يُكتب بأيدي العاشقين لا بأقلام المتملّقين. وبناءً على الواقع المزري الذي تعيشه صالات المدينة، استطلع موقع "الترا سوريا" آراء مشرفي اللعبة في ناديي الكرامة والفداء، في هذا التقرير.
يؤكد مشرف اللعبة في نادي حمص الفداء تامر الحافظ لـ"الترا سوريا" أن واقع اللعبة في مدينة حمص ضعيف بشكل عام بسبب ضعف الإمكانات والمعدات، بالإضافة إلى قلة الصالات وهجرة أغلب كوادر اللعبة سابقًا.
وأضاف "لذلك وجدنا أنه من الضروري البحث عن داعمين لبناء صالة خاصة بالنادي، وقد نجحنا وبدأنا العمل منذ فترة ليست بالقصيرة، والعمل يسير بوتيرة عالية"، مشيرًا إلى أنه "من المقرر أن تكون الصالة قيد الاستخدام مطلع العام القادم". وتابع: "الصالة ستوفر علينا الكثير، خاصة لفرق النادي التي كانت تبحث عن جرعة تدريبية هنا وهناك".
ولفت الحافظ في حديثه إلى أنه منذ تولي الإدارة الجديدة مهامها وضعت ضمن أولوياتها "ضرورة العمل على بناء صالة خاصة"، مضيفًا "كوني مشرفًا على اللعبة قمت بمساعدة بعض أعضاء الإدارة وبجهود شخصية ببناء الصالة على نفقتنا الخاصة".
وأشار الكابتن الحافظ في معرض حديثه إلى أن "إدارته تهتم بفريق الرجال وتقوم على توفير أفضل المناخات الملائمة له من لاعبين ومدربين وكوادر، لكنها في الوقت نفسه تعمل على فرق النادي للفئات العمرية بشكل كبير". وأكد قائلًا: "هناك اهتمام عالي المستوى مع تكليف أفضل المدربين لتأهيل هذه الفرق وتدريبها، لأنها تعد اللبنة الأساسية لبناء جيل سلوي واعد، ونسعى لإقامة أكاديمية للعبة سيشرف عليها مدرب أجنبي من مستوى عال".
وعن سبب عدم وجود السلة الناعمة بنادي حمص الفداء، أوضح الحافظ: "كان يوجد فريق للإناث – قبل سقوط النظام – يضم لاعبات من قرية "شين" من ريف المدينة، وكان الفريق يشارك باسم نادي الوثبة حينها، لكن عندما أتينا للإدارة رفضت كوني مشرفًا للعبة أن يتمرن الفريق خارج المدينة ويلعب باسم النادي، وبدأنا العمل على تشكيل اللعبة، ولدينا حاليًا فريق ضمن الأكاديمية ويضم لاعبات من مستوى جيد".
من جانبه، أكد مشرف اللعبة في نادي الكرامة، رياض السيد سليمان، لـ"الترا سوريا" أن "واقع اللعبة بالمدينة جيد على صعيد النتائج الرقمية، لكنه سيئ وصعب لأنه يفتقر إلى أدنى مقومات العمل والتطوير، مدينة حمص لا يوجد فيها سوى صالة واحدة، ولا يمكن أن تستوعب مباريات جماهيرية بسبب صغرها وضيق مدرجاتها".

وعن سبب عدم بناء صالة على نفقة الإدارة أسوة بنادي حمص الفداء، قال السيد سليمان: "نحن نعمل منذ قدومنا للإدارة عبر مراحل، لأنه لا يجوز أن نعمل بكل الأمور دفعة واحدة. حاليًا لدينا ملعب للسلة مكشوف بمقر النادي، وهناك نية لتسليمه لمتعهد في الفترة القريبة من أجل أن يقوم بوضع سقف له ليتسنى لفرق النادي التمرين عليه بفصل الشتاء، ونجحنا أيضًا في بناء ملعب كرة قدم في منطقة الشماس، وسوف يخدم جميع فرق النادي".
وأضاف "أما بالنسبة للصالة، فلدينا واحدة على طريق الشام بدأ العمل بها منذ عام 2009، وإلى الآن مازالت على وضعها من دون أي بصيص أمل في استكمالها لأنها مكلفة من الناحية المادية، حيث وصلت تكاليفها إلى 600 ألف دولار، ووجدنا كإدارة ضرورة بناء ملعب للكرة في الفترة الحالية، ريثما نتمكن من تأمين هذه التكلفة المادية الكبيرة لاستكمال الصالة، وهي كبيرة وتتسع لعدد كبير من الجماهير".
وأشار السيد سليمان في حديثه إلى تلقي الكرامة "وعود كثيرة في الفترة الماضية"، قبل أن يضيف مستدركًا "لم نر أي شيء على أرض الواقع، لكن فسحة تفاؤلنا اتسعت مع قدوم وزارة الرياضة والشباب التي بدأ دعمها يتضح على جميع الأندية، ونادي الكرامة سيكون ضمن أولويات الوزارة في الفترة القادمة لا محالة".
ولفت السيد سليمان إلى أن "سلة الكرامة تتطور من موسم لآخر"، وأضاف "لدينا فرق من جميع الفئات العمرية، وهي تسير ضمن خطط علمية ويشرف عليها مدربون متخصصون ونتائجنا في الفئات أكبر دليل"، مؤكدًا عملهم على "تطوير مستوى اللعبة والإدارة تصب جل اهتمامها بجميع فرق النادي".
ختامًا، تتطوّر سلة حمص بنتائجها واتساع جماهيريتها، وقد باتت أحد أبرز معاقل كرة السلة السورية، إذ يمثّل الكرامة والفداء أهم أركانها وأعمدة المنتخبات الوطنية. وذكر نجوم حمص يحتاج إلى صفحات وصفحات، غير أن واقع اللعبة في المدينة يستدعي التفاتة عطوفة، وبناء صالات تدريبية تليق بطموحها. وما يعزّز مساحة التفاؤل أن وزير الرياضة والشباب من أهل اللعبة ومحبيها، ونأمل أن نرى تحركًا سريعًا وخطوات جريئة على الأرض لدعم سلة حمص.
الكلمات المفتاحية

دوري "سيريتل" لكرة السلة.. تسعة أندية في سباق موسم يبحث عن استقرار وتنظيم جديد
يشهد دوري السلة انطلاقة جديدة مع إصلاحات إدارية وتنظيمية واسعة، تهدف لرفع المستوى الفني وتعزيز الاستقرار للموسم القادم

كأس العرب 2025: شواهين سوريا يفرضون التعادل على قطر ويعززون حظوظهم في بلوغ ربع النهائي
تعادل منتخبنا الوطني لكرة القدم مع نظيره القطري، بنتيجة هدف لكل منهما ضمن منافسات الجولة الثانية للمجموعة الأولى في بطولة كأس العرب

كأس العرب 2025: مواجهة عربية بنكهة إسبانية.. شواهين سوريا يصطدمون بالعنابي القطري
يواجه منتخب سوريا نظيره القطري في الجولة الثانية لبطولة كأس العرب، وسط معنويات مرتفعة وتنافس عربي يقوده مدربان إسبانيان

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية
توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية
يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد
يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية
ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل


