ultracheck
قول

سنة من الحكم الجديد: إسرائيل تسعى إلى فرض قواعدها ودمشق تبحث عن استراتيجية مواجهة

9 ديسمبر 2025
مئذنة مسجد عباد الرحمن الذي تعرض للقصف الإسرائيلي
مئذنة مسجد عباد الرحمن بعد تعرّضها لقصف إسرائيلي (Getty/ الترا سوريا)
أغيد حجازي
أغيد حجازيكاتب وصحافي

وصلت هيئة تحرير الشام إلى دمشق في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، عقب معركة "ردع العدوان" التي استمرت 11 يومًا انطلاقًا من إدلب، لتجد نفسها أمام واقع سياسي مفارق للتوقعات. فقد حظيت السلطة الجديدة في دمشق بترحيب دولي غير مسبوق في تاريخ الانقلابات أو إسقاط الأنظمة، ولم تصطدم بعد سيطرتها مع أي دولة أو قوة خارجية باستثناء الاحتلال الإسرائيلي.

خلال اليوم الأول، اصطدمت الإدارة الانتقالية بواقع معقد، تمثّل في أكبر موجة ضربات يشنها سلاح الجو الإسرائيلي في تاريخ عملياته. إذ استهدفت الضربات معظم القدرات العسكرية السورية ومخازن السلاح، وتجاوزت الخطوط التقليدية للاشتباك من خلال خرق المنطقة العازلة واحتلالها، والتوسع نحو القنيطرة ودرعا وريف دمشق، وصولًا إلى تنفيذ هجمات غير مسبوقة على القصر الجمهوري ورئاسة الأركان.

غياب الاستراتيجية السورية مقابل مشروع "إسرائيل الكبرى"

لم تقدّم الإدارة السورية الجديدة حتى الآن، خلال عام، أي استراتيجية واضحة للتعامل مع العدوان الإسرائيلي المتواصل. فلا توجد رؤية سياسية أو عسكرية معلنة حول كيفية مواجهة الاحتلال، في وقت يتعامل فيه الجانب الإسرائيلي مع المرحلة الجديدة بوصفها فرصة لإعادة ترسيم قواعد الاشتباك دون كلفة تُذكر.

يأتي ذلك مع تصاعد طروحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يروّج لرؤيته حول "ممر داوود" ومشروع "إسرائيل الكبرى" الذي تحدّث عنه علنًا، والذي يمتد وفق خريطته من نهر النيل إلى نهر الفرات، ويشمل نحو 70% من مساحة سوريا. كما صرّح وزير المالية الإسرائيلي بتسالئيل سموتريتش في عام 2016 بأن حدود إسرائيل يجب أن تمتد لتشمل دمشق ذاتها إلى جانب دول أخرى. وهذا يعني أن الطموحات التوسعية ليست عابرة في العقل الإسرائيلي، بل متجذّرة في الفكر السياسي لليمين الحاكم، بينما تفتقر سوريا اليوم إلى خطة وطنية شاملة لمواجهة هذا المشروع.

تبدو دمشق اليوم غير قادرة على إدارة ملف التفاوض من موقع قوة، بسبب غياب أوراق الضغط العسكرية والسياسية

وتبدو دمشق معوّلة على مسارين لا يحملان أي ضمان:
الأول هو الضغوط الدولية، سواء عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو عبر العلاقات مع واشنطن والدول الأوروبية والعربية للحد من الهجمات الإسرائيلية. لكن التجربة الممتدة منذ ثمانية عقود تُظهر أن إسرائيل لا تعير أي وزن لقرارات الشرعية الدولية، ولا لأي ضغوط سياسية أو دبلوماسية، بدليل أن قرار حلّ الدولتين ما يزال حتى اليوم حبرًا على ورق.

أما المسار الثاني فهو الاتفاق الأمني الذي اندفعت دمشق نحوه بصورة متسارعة، أملاً في وقف الاعتداءات وحماية السلطة الجديدة. إلا أن الجانب الإسرائيلي استخدم هذا المسار لجرّ دمشق نحو مفاوضات مباشرة، ومن دون أي كلفة سياسية يتحملها. وساهمت رغبة الإدارة الجديدة في البحث عن الشرعية الدولية، وفي تجنّب أي تهديد لبقائها، في فرض سردية إسرائيلية قائمة على حصر النقاش في حدود ما بعد 8 كانون الأول، واستبعاد حدود 1967 من أي مفاوضات.

وهكذا تحوّل الملف من نقاش حول الانسحاب من الأراضي المحتلة إلى نقاش حول انسحاب جزئي من المناطق التي احتلها الجيش الإسرائيلي بعد سقوط النظام حصرًا، ما وضع دمشق في مأزق تفاوضي واضح.

شروط إسرائيل وضبابية الموقف السوري

وما يزيد من غموض المشهد أنّ الشروط الإسرائيلية المعلنة، والتي تشمل منطقة عازلة جديدة، ومنطقة محظورة الطيران، ومناطق منزوعة السلاح، لم تُعلن دمشق رفضها صراحة، ولم تقدّم مصارحة حقيقية للرأي العام السوري حول ما يجري. واكتفت بتلميحات بأن الاتفاق يشبه اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، من دون توضيح ما الذي سيتغير في الاتفاق الجديد، خاصةً أن المناطق محظورة الطيران ومنزوعة السلاح لم ترد في اتفاق 1974.

كما لم تُطلع الحكومة الشعب السوري على تفاصيل جولات التفاوض، التي بقيت سرّية لأشهر، إلى أن ظهرت التسريبات عبر الإعلام الإسرائيلي أولًا، قبل أن تُعلن رسميًا من خلال لقاء وزير الخارجية أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر الأخير.

وتبدو دمشق اليوم غير قادرة على إدارة ملف التفاوض من موقع قوة، بسبب غياب أوراق الضغط العسكرية والسياسية، وبسبب الانقسامات الداخلية في ملفات حسّاسة مثل الوضع في السويداء، وشمال شرق الفرات، إلى جانب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، التي تمثل بدورها عائقًا كبيرًا أمام اتخاذ قرار سياسي مستقل أو إنتاج استراتيجية مواجهة فعّالة.

واقع هشّ ومستقبل مفتوح

أمام هذا المشهد، تبدو سوريا اليوم في موقع هشّ يتطلّب أكثر من مجرد إدارة يومية للأزمة، خاصة مع ربط الولايات المتحدة الحل في سوريا بالتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل، كما جاء على لسان المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك. فغياب الاستراتيجية، وتشتّت مراكز القرار، والانكشاف العسكري الكامل أمام إسرائيل، والتعويل على الخارج، كلها عوامل تضع الدولة السورية أمام لحظة مفصلية. إذ لا يمكن الرهان على الضغوط الدولية، ولا على مفاوضات غير متكافئة مع إسرائيل، ولا على الاستناد بأن العدوان سيتراجع تلقائيًا.

وبينما تستمر تل أبيب في فرض معادلات جديدة على الأرض، تواصل دمشق التحرك تحت ضغط الحاجة إلى تثبيت الحكم، لا تحت سقف بناء رؤية وطنية متماسكة. وفي ظل هذا التوازن المختل، يبقى مستقبل سوريا مفتوحًا على احتمالات متعددة، أضعفها الاستقرار، وأكثرها قربًا استمرار الضغط الإسرائيلي، وربما توسّع العدوان في أي لحظة. وفي غياب استراتيجية حقيقية، تبقى البلاد أمام سؤال مصيري: كيف يمكن لدولة فقدت أوراق القوة أن تحفظ سيادتها في مواجهة مشروع توسعي لا يخفي نواياه؟

الكلمات المفتاحية

استنفار

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية

تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


منصات

من هم قادة الرأي في سوريا اليوم؟

اليوم، لم يعد السؤال عمّن يحكم فقط بل عمّن يشرح للناس ما الذي يجري، ومن يملك اللغة، والرمز، والقدرة على الإقناع


نازحون من حي الشيخ مقصود وفي الخلف يظهر الدمار الذي لحق بالحي

ذاكرة المجموعات الفيسبوكية.. توثيق يشبهنا في عجزه

إحدى لعنات التاريخ الحديث هو التوثيق المفرط للأحداث


الشيخ مقصود

أيقونة التهجير.. عندما تتحول الحافلات إلى مواكب جنائزية

في أحياء الشيخ مقصود تعود شبحية الحافلات لتخطف الأنفاس من جديد وتستدعي الذاكرة الجمعية إلى جحيم التشريد

تعزيزات
أخبار

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد

لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تعزيزات
أخبار

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن

أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية


سوريا الأولمبي
منوعات

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا

ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

استنفار
قول

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية

تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة

الأكثر قراءة

1
أخبار

وسط تصاعد رقعة الاشتباكات بين الجيش و"قسد".. الإدارة الذاتية تدعو إلى النفير العام


2
أخبار

الجيش يسيطر على الطبقة ويتقدّم نحو الرقة وسط تصاعد الاشتباكات في دير الزور


3
أخبار

الرقة ودير الزور: تطورات ميدانية متسارعة وتغيّر في خرائط السيطرة


4
أخبار

السلطات الألمانية توقف شابين "مُتطرفين" قبل سفرهما إلى سوريا


5
أخبار

الجيش اللبناني ينفي تقارير عن توقيف وسيط مالي سوري لتمويل أنشطة خارج البلاد


advert