ultracheck
عدالة انتقالية

سوريا الجديدة تختبر عدالتها.. عام من الوعود والانتظار

11 ديسمبر 2025
أفراد عائلات يبحثون عن أي أثر لأقاربهم المفقودين في سجن صيدنايا (Getty/ الترا سوريا)
أفراد عائلات يبحثون عن أي أثر لأقاربهم المفقودين في سجن صيدنايا (Getty/ الترا سوريا)
هدى الكليب
هدى الكليبكاتبة صحافية من سوريا

بعد عام على سقوط النظام السابق، تقف البلاد على عتبة مرحلة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية، حيث تتقاطع تطلعات الضحايا إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات مع الجهود الحكومية الرامية إلى تفكيك إرث عقود طويلة من الاستبداد، وفي ظل هذا المشهد المعقد تتباين القراءات حول حجم التقدم الذي تحقق فعلًا، بين من يرى أن السنة الأولى بطبيعتها مرحلة تأسيسية لا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل، ومن يعتقد أن بطء الإجراءات يهدد بفقدان الثقة الشعبية وفرص بناء دولة القانون.

وتواصل لجان الحقيقة والجهات القضائية الانتقالية عملها في جمع الشهادات وفتح الملفات المظلمة للمعتقلات وحالات الإختفاء القسري، بالتوازي مع محاولات رسم سياسات لجبر الضرر وتعويض الضحايا معنويًا وماديًا، غير أن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات، فالتجاذبات السياسية، ووجود شبكات أمنية وإدارية متجذرة من العهد السابق، تشكل جميعها حواجز تعرقل ولادة منظومة قضائية مستقلة قادرة على إنصاف المتضررين واستعادة ثقة السوريين وضمان عدم تكرار الجرائم في المستقبل.

وفيما تتسارع التوقعات والضغوط من الداخل والخارج لإظهار نتائج ملموسة، ورغم وعود الحكومة بالمحاسبة يبدو أن معركة العدالة في سوريا لم تبدأ فعليًا إلا للتو، ولا يزال أمامها طريق طويل محفوف بالتحديات والأسئلة المفتوحة.

وتقول ليلى العوض، المنحدرة من ريف دمشق، إن معركتها اليوم ليست معركة انتقام، بل معركة معرفة الحقيقة، فالعائلة ما زالت تفتقد أي معلومة مؤكدة حول مصير شقيقها الذي قضى تحت التعذيب قبل سقوط النظام، وأن مرور عام كامل لم يكن كافيًا للحصول حتى على شهادة وفاة رسمية.

ركيزة النجاح الأساسية تكمن في تمكين السلطة القضائية، وضمان استقلالها الفعلي، وفتح ملفات الحقيقة دون مواربة، بما يسمح للضحايا وأسرهم بالمشاركة في صياغة مسار العدالة وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات

وترى ليلى أن الحديث عن العدالة يظل مجرد شعار ما لم تكشف وقائع ما جرى داخل المعتقلات، ومن أصدر الأوامر، ومن نفذها، معتبرة أن غياب الحقيقة يبقي الجرح مفتوحًا ويجعل أي حديث عن المحاسبة أو التعويض "خطوة ناقصة لا تصل إلى جوهر المأساة، خاصة وأن عائلات الضحايا ما تزال تنتظر اعترافًا بسيطًا يثبت أن أبناءها وجدوا يومًا ثم اختفوا، قبل أن تبدأ أي عملية للإنصاف أو جبر الضرر".

من بين آلاف السوريين الذين ينتظرون فتح ملفات الانتهاكات، يقف حيان البرهان من مدينة حماة، شاهدًا حيًا على جرح لم يلتئم منذ أكثر من عشرة أعوام، إذ لم يكن الرجل يتوقع أن يتحول صباح عادي إلى نقطة الانكسار في حياته، حين كان يودع ابنه الوحيد على باب المنزل. طالب جامعي يحمل كتبه على عجل استعدادًا لامتحان مقرر له، دقائق قليلة كانت كافية لتغيير قدر عائلة كاملة، بعدما اختفى الشاب فجأة تحت أعين المارة، تاركًا والده في رحلة بحث طويلة لا يعرف أين تنتهي، واليوم يتحدث الأب بصوت يختلط فيه الألم بالغضب المكبوت، محاولًا أن يفهم كيف يمكن أن يعتقل شاب جامعي لم يقترب يومًا من السياسة، ولماذا حرم حتى من حقه في السؤال عن ابنه.

يقول البرهان بحزن: "لم أفهم حتى الآن لماذا اعتقل ابني، كان في طريقه إلى جامعته صباحًا، يحمل كتبه وينشغل بامتحاناته مثل أي شاب في عمره، لم يكن ناشطًا سياسيًا، ولم يشارك في أي احتجاج، ابني الوحيد، كل ما كان يطمح إليه أن يكمل دراسته ويبدأ حياته".

ويضيف لـ "الترا سوريا": "جاؤوا إلى البيت يسألون عنه، وماهي إلا دقائق حتى أخذوه من الشارع أمام المارة، لم يبرزوا مذكرة توقيف، ولم يشرحوا سبب الاعتقال، ومنذ ذلك اليوم، لم يصلني أي خبر رسمي عنه، ولا أعرف في أي سجن هو، ولا من يملك الحق في اعتقال شاب جامعي لم يرتكب خطأ".

ويتابع: "أنا لا أطلب معجزة، ولا أبحث عن مواجهة أحد، كل ما أريده أن أعرف لماذا اعتقل ابني، ما هي التهمة، ومن المسؤول عن خطفه من بيننا، أريد أن أعلم لماذا قتل وأين دفن". ويتساءل عن وجود العديد من المخبرين السابقين والعاملين ذوي الرتب الدنيا الذين لا يزالون يتجولون في الشوارع بحرية، وغالبًا ما يبلغ السكان المحليون عن هؤلاء للمسؤولين الأمنيين، ومن يتم القبض عليه  يفرج عنه بعد بضعة أيام فقط من احتجازه.

من جانبه، قال المحامي والخبير الحقوقي، عبد الرزاق حمدان، إن العام الأول عقب سقوط أي نظام استبدادي يكون في العادة مرحلة انتقالية تتسم بالاضطراب وغياب التوازن، وهو ما ينطبق على الحالة السورية اليوم.

ويرى حمدان أن ما تحقق خلال هذه الفترة ما يزال محدودًا من حيث النتائج، لكنه يحمل قيمة تأسيسية مهمة، إذ وضع الخطوط الأولى لمسار طويل يتطلب تراكمًا زمنيًا وإرادة سياسية ثابتة. وبين حمدان أن التحدي الأبرز يتمثل في إيجاد معادلة دقيقة تجمع بين مطلب المحاسبة العادلة من جهة، والحفاظ على حد مقبول من الاستقرار العام من جهة أخرى، لافتًا إلى أن أي خلل في هذه المعادلة قد ينتج إما إفلاتًا من العقاب أو انفلاتًا سياسيًا يعطل العملية برمتها.

وأكد أن ركيزة النجاح الأساسية تكمن في تمكين السلطة القضائية، وضمان استقلالها الفعلي، وفتح ملفات الحقيقة دون مواربة، بما يسمح للضحايا وأسرهم بالمشاركة في صياغة مسار العدالة وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.

وتابع أن هذه المسارات لن تحدث أثرًا واقعيًا ما لم تحظ بدعم مؤسساتي متين وإرادة سياسية واضحة لا تخضع للحسابات الضيقة، وحذر من أن غياب هذه الركائز قد يجعل البلاد عرضة للانتقام والفوضى وإعادة إنتاج الانتهاكات، بغض النظر عن تغير الوجوه أو تبدل مواقع السلطة.

الكلمات المفتاحية

وزارة العدل

شخص واحد في منصبين متعارضين.. قرار وزارة العدل يثير الجدل في الأوساط الحقوقية

أصدر وزير العدل القرار رقم 348، والذي يقضي في مادته رقم 4، بتعيين حسن الأقرع رئيسًا للنيابة العامة العسكرية في حمص، ورئيسًا للمحكمة فيها، ما يعد مخالفة للمبادئ القانونية


الأمم المتحدة

انضمام سوريا لاتفاقية "منع الجرائم ضد الإنسانية" وانعكاسه على مسار العدالة الانتقالية

انتخبت سوريا بالتزكية نائبًا لرئيس مكتب اللجنة التحضيرية الأولى لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني باتفاقية منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها


السويداء

"هيومن رايتس ووتش": الحكومة السورية تجعل العدالة أولوية لكن جهودها انتقائية وتفتقر للشفافية

أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في "التقرير العالمي 2026" بأن الحكومة السورية اتخذت خطوات أولية في عام 2025 لتعزيز العدالة


سوريون يطالبون بالعدالة

خطاب "التسامح القسري".. كيف يُستخدم السلام المعلّب لإقصاء الذاكرة؟

في المجتمعات الخارجة من الحرب أو القمع الطويل، لا يبدأ البناء الحقيقي إلا عندما يُعترف بالخراب الذي مرّت به، وتُسمع أصوات الضحايا دون رتوش

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


2
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


3
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


4
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


5
أخبار

السيول تغرق عشرات المخيمات وتضرر مئات العائلات في ريفي إدلب واللاذقية


advert