ultracheck
قول

سوريا الجديدة والتعليم: بين الطموح والواقع

21 سبتمبر 2025
طلاب في إحدى مدارس دمشق
الموسم الدراسي الأول في سوريا بعد سقوط نظام الأسد (Getty/ الترا سوريا)
مالك ونوس
مالك ونوسكاتب سوري

بدأ اليوم العام الدراسي الأول في سوريا الجديدة، بعد سقوط نظام "حزب البعث"، وهروب الدكتاتور بشار الأسد خارج البلاد. وفي هذه المناسبة، ينتظر كثيرون أن يكون هذا العام مختلفًا عن العام السابق، لأن الحكم الجديد يطرح نفسه بديلًا، ورمزًا للتغيير بعد الانقلاب على الأسد الذي أدخل البلاد في حربٍ، جعلت كل قطاعاتها تعاني الفشل. ومن تلك القطاعات التعليم الذي وصل إلى درجة من البؤس لم تشهده سوريا الحديثة من قبل.

وإذا كان جهد أهالي طلاب المراحل الأساسية والثانوية عاملًا في منع تدني مستويات تحصيل أبنائهم، ساهمت الدروس الخصوصية التي كانت تستنزف قدرات الأهالي المادية في المحافظة على سوية جيدة وممتازة، في حين بقي دور المدرسة يقتصر على تنظيم وقت الطلاب والاستمرار في رسالتها، التي لم تحِد عنها يومًا؛ تدجين الطلاب وإدخالهم في غياهب البعث، من أجل تجهيزهم ليصبحوا جنودًا مطواعين للأسد حين يكبرون.

دائمًا ما كانت مشكلات التدريس في البلاد، مرتبطة بالهموم الشخصية المتعلقة بالمهنة، وكذلك بالوضع المعيشي للمدرس، علاوة على المشكلات العامة التي تحتاج اهتمام وزارة التربية ومديرياتها، والتي تتطلب أيضًا تدخُّل المدرِّس ومتابعته لكي تُحل على الوجه الأمثل. وبينما كان التركيز دائمًا ينصبُّ على ضرورات تطوير التعليم، وعلى العوامل المساهمة في ارتقاء جودته، كان النقاش حول مستوى دخل المدرسين يحضر بقوة، بسبب أهمية هذا العامل في الارتقاء بتلك الجودة.

ولهذا السبب، ربط وزير التربية والتعليم السوري، محمد عبد الرحمن تركو، بين صدور مرسوم رئاسي، في 22 حزيران/يونيو الماضي، يقضي بزيادة رواتب العاملين في القطاع العام بنسبة 200%، وبين الارتقاء بجودة التعليم. وهي ربما المرة الأولى في تاريخ البلاد المعاصر، التي يربط فيها مسؤول حكومي بين الدخل الجيد للمدرسين وبين جودة التعليم.

المدرس الذي كان يتقاضى وسطيًا 30 دولارًا، أصبح بعد الزيادة حوالي 90 دولارًا، بينما تحتاج أسرة من 4 أشخاص إلى أكثر من 500 دولار لتأمين حاجياتها

هذه المعادلة التي تجاهلها النظام السابق، على الرغم من المطالبات التي كان كثيرون يرددونها من أجل وقف تدهور تلك الجودة التي تواصلت على مدى عقود من حكم آل الأسد، والتي كان تدنِّي مستوى دخل المدرسين أحد أسبابها، لأنه يدفع المدرس إلى البحث عن أعمال أخرى للإيفاء بمتطلبات أسرته المعيشية، ما ينعكس سلبًا على أدائه في الصف.

وكان الوزير قد قال، في 23 يونيو/حزيران الماضي، أي في اليوم التالي لصدور مرسوم زيادة الرواتب: "سيكون لها أثر مباشر في تحسين الواقع المعيشي للكوادر التربوية، وستشكل دافعًا قويًا نحو رفع جودة التعليم في الجمهورية العربية السورية".

لكن، وعلى الرغم من أهمية زيادة رواتب الموظفين في الحصول على إنتاجية أكبر، إلا أن الزيادة الأخيرة، والتي، بالمناسبة، لم يستلمها العاملون في قطاع التعليم حتى الآن، ليست بالقدر الكافي الذي يريح هؤلاء، كونها لا تساهم في زيادة مستوى دخل الموظفين لكي يقارب خط الفقر على أقل تقدير. فالمدرس الذي كان يتقاضى وسطيًا 30 دولارًا كمرتب شهري، أصبح يتقاضى بعد الزيادة حوالي 90 دولارًا، في حين أن أسرة مكونة من 4 أشخاص تحتاج إلى أكثر من 500 دولار لتأمين حاجياتها المعيشية، وهو مبلغ ليس في متناول أيادي أكثر من 95% من مواطني البلاد.

وربما لا يعلم القائمون على وزارة التربية، وغيرها من وزارات الدولة، أن مرتب الموظف الحكومي لا يكفيه لشراء الخبز، ودفع أجور وسائل النقل العام للتنقل من عمله إلى منزله، وبعض الحاجيات الضرورية، حتى بعد الزيادة الجديدة التي طرأت عليه.

لذلك، لن يصبح لهذه الزيادة تأثير ملموس على جودة التعليم، إن لم تقترن بتبني سياسات جديدة ومغايرة لسياسات النظام السابق، في وزارتي التربية والتعليم العالي. فعلى الرغم من أن المعنيين في قطاع التعليم كانوا يركّزون على ضرورة تطوير مناهج التعليم من أجل الارتقاء بسويته، إلا أنه كان يغيب عن بالهم أن ما يجب تطويره هو "طرائق التفكير العليا" ومهاراتها. فالتركيز على هذه الطرائق يُكسب الطلاب التفكير النقدي والإبداعي، والقدرة على الحل الإبداعي للمشكلات جماعيًا وفرديًا، بعد تجميع المعطيات وتحليلها ثم تركيبها من أجل توليد أفكار جديدة، علاوة على الإتيان بحلول مبتكرة للمشكلات والمسائل قيد المعالجة.

وبينما لم تكن وزارة التربية تُقصِّر بإقامة دوراتٍ تدريبيةٍ للمدرِّسين بهدف ترقية مهاراتهم، إلا أن تلك الدورات كانت غالبًا غير مجدية، لأنها لم تكن تُعطي النتائج المرجوة منها؛ إذ لم تكن ترتقي بمهارات المدرسين، وبالتالي لم تنعكس في الصفوف، وفي إيصال المعلومة للطلاب على أكمل وجه وترسيخها في أذهانهم، للاستفادة منها بعد تخرجهم والدخول في سوق العمل. أما السبب في ذلك فهو أن التدريب لم يكن يُؤخَذ بجدية من قِبل المتدربين، لأنه يفتقر لثقافة المكافأة والعقاب، علاوة على عدم تفعيل دوائر "طرائق التدريس" المخولة بمتابعة التزام المدرسين بما تدربوا عليه.

يكفي أن نعرف أن متخرجي كلية التربية، قسم "المناهج وطرائق التدريس"، والذين يمضون في دراستهم الجامعية خمس سنوات، عادة ما يُنتدبون لشغل مهامٍّ إدارية يمكن أن يضطلع بها الحاصلون على الشهادة الثانوية، يكفي ذلك لإدراك مدى إهمال طاقات هؤلاء وتحييدها، وكذلك عدم الاكتراث الذي كانت تدار الموارد البشرية وفقه في هذه الوزارة، والتي كان يمكن لها أن تؤدي مهمات جليلة لو أديرت بالشكل الأمثل.

دائمًا ما كان بعض الخبراء العاملين في برنامج "دمج التقانة في التعليم"، يحاولون لفت نظر المسؤولين إلى أن مهنة التدريس تحتاج إلى الارتقاء بها عبر تحويلها إلى مهنة احترافية تطبيقًا لما يعرف بـ "تمهين التعليم"، كما جرت المطالبة مرارًا بإنشاء أكاديمية خاصة لتعزيز هذا المبدأ. ومن المعروف أن البلاد عانت من "سياسة الاستيعاب" التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة خلال حكم حافظ الأسد، أي قبول أكبر عدد ممكن من خريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة في وظائف القطاع العام، والتي قابلها تخفيض الرواتب.

وإذا كان الهدف من هذا الأمر تقليل نسبة البطالة وإعانة أكبر عدد ممكن من الشباب، إلا أن جوانبه السلبية طغت، خصوصًا في قطاع التربية والتعليم حين أصبح التدريس ملاذًا لغير المؤهلين. لذلك، وللتأثير في سلوك التلاميذ والطلاب وتغييره، بعدما سقط مبدأ التربية وتحسين سلوك الطلاب من مهمات المدارس قبل سنوات، تبقى الضرورة من أجل تأسيس أكاديمية خاصة بجعل مهنة التدريس حرفةً تضع لها أسسًا ومعاييرًا وتحدد لها المبادئ والأخلاقيات، للمساعدة في إدارة الغرف الصفية، علاوة على دمج التقنيات الحديثة في هذه المهنة.

إذا كان الواقع الاقتصادي للمدرسين أحد أهم العوامل المساعدة في الارتقاء بجودة التعليم، كما لاحظ الوزير تركو، فإن التوجه نحو إعادة بناء المدارس التي تهدمت خلال الحرب التي شنها بشار الأسد على الشعب السوري، تُعدُّ المهمة الأكثر إلحاحًا أمام الحكومة السورية، من أجل عدم حرمان أجيال كثيرة من أبناء الشعب السوري من التعليم، خصوصًا أولئك الذين ما يزالون نازحين في الخيام في دول الجوار وفي مناطق الشمال السوري.

أما الأولويات التي يجب أن تضعها الحكومة السورية ووزارة التربية أمامها من أجل الارتقاء بمهنة التعليم فكثيرة، وستكون المهمة ناقصة إذا لم يجرِ العمل على جميع الملفات التي تحتاج للمعالجة دفعةً واحدةً، للوصول إلى الهدف الذي أشار إليه الوزير هذه المرة، مع العلم أنه وضع أصبعه على الجرح الذي دائمًا ما آلم كوادر وزارته وبقية السوريين.

الكلمات المفتاحية

المديرية العامة للمصالح العقارية

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية

التعميم الصادر عن المديرية العامة للمصالح العقارية في 14/1/2026 قُرئ سريعًا بوصفه خلافًا تقنيًا حول نوع الوكالة المقبولة أمام السجل العقاري


أعلام قسد

ملف "قسد": الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة

ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن "اندماج تدريجي" إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة


قرار بلدية

"السياحة المسؤولة".. وحراس الأخلاق والفضيلة

فتح قرار البلدية الباب أمام كثير من الأسئلة من قبيل من هي الجهة التي تملك حق تحديد وتعريف "التصرف المخل بالآداب"؟


رتل تابع لوزارة الدفاع في مدينة اللاذقية

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية

في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert