ultracheck
قول

سوريا الجديدة.. وجدل العلاقة بين الداخل والخارج

11 ديسمبر 2025
أعلام سورية
عام على سقوط منظومة الحكم الأسدية (مواقع التواصل)
فيصل علوش
فيصل علوشصحافي سوري

بعد عام على سقوط منظومة الحكم الأسدية؛ (كسلطة استبدادية، فاسدة، فاجرة ومجرمة)، ما هي حصيلة إنجازات الإدارة الجديدة للبلاد على الصعيدين الداخلي والخارجي؟ هل يمكن القول إن "المنظومة" القديمة باتت خلفنا، وإننا نسير بثقة واطمئنان نحو الانتقال الديمقراطي وبناء دولة وطنية حديثة تشكل نقيضًا للتسلّط والفساد والإجرام، دولة مواطنة متساوية بين جميع مواطنيها، تحتكم للقانون والمؤسسات، وتدار بشفافية وتخضع للمساءلة؟ أي بما يتماشى مع آمال وانتظارات السوريين الذين خرجوا إلى الشوارع والساحات صبيحة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر في العام الماضي، على أمل أن بلادهم قد تخلصت أخيرًا من "الكابوس"، ووضعت أرجلها على عتبة الطريق المفضي إلى برّ الأمان والاستقرار.

قد يحتجّ البعض قائلًا إنه من المبكر الحديث بهذا المستوى العالي من الطموح، بالنظر إلى التعقيدات الكثيرة المحيطة بالوضع السوري، والتركة الثقيلة التي خلفها النظام البائد، فالدولة السورية كانت في غاية الإنهاك سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا، هذا فضلًا عن التدمير والخراب المتراكم الذي خلَّفته سنوات الحرب الطويلة، ما وضع السلطة الانتقالية الجديدة أمام تحديات هائلة، لعلّ أهمها توحيد الجغرافيا السورية، في وقت ترتفع فيه أصوات في الجنوب وأخرى في الساحل تطالب بالانفصال، أو بالحماية الدولية والفيدرالية، ويصرّ الأكراد على "اللامركزية" وإدارتهم الذاتية، فيما تريد إسرائيل منطقة منزوعة السلاح تصل إلى تخوم دمشق، وتتوغل قواتها بشكل يومي في عمق الأراضي السورية، مواصلة تماديها وهجماتها وعرض فائض قوتها وعنجهيتها غير آبهة بأحد.

إنجازات خارجية

وقد يرى هؤلاء أنه حريٌّ بنا الالتفات إلى الإنجازات التي حققتها السلطة الجديدة على الصعيد الخارجي، وتركيزها على التنسيق والتعاون مع القوى الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، ومنع صناعة وتهريب المخدرات، وتثبيت موقع دمشق كعامل استقرار محوري في المنطقة، فهذا ما سيسهم في ضبط الأمن وتحقيق الاستقرار في الداخل، كمدخل رئيس لجلب الاستثمارات والشروع بإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي والتنموي، ومن ثمّ الانتقال إلى الحديث عن إمكانية تحقيق انجازات داخلية يعتد بها.

وبالفعل، فإن سقوط نظام الأسد، فتح صفحة جديدة في علاقات سوريا الخارجية، انتهجت خلالها الإدارة الجديدة سياسة اتّسمت بالواقعية والبراغماتية والانفتاح، مُتجنبة التورط في أية صراعات إقليمية، وتمكنت بواسطتها من فكّ العزلة عن العاصمة السورية وإعادتها إلى محيطها العربي والإقليمي، بل وفتحت أبواب العواصم العالمية أمام الدبلوماسية السورية؛ فزار الرئيس أحمد الشرع نيويورك وتحدّث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وزار كذلك واشنطن والتقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتنقّل ما بين السعودية وقطر وتركيا وفرنسا، ووصل حتى إلى موسكو التي لجأ إليها "الأسد الفار". كما زار دمشق وزراء وموفدون من مختلف العواصم الإقليمية والعالمية، وتم التوقيع على مذكرات تفاهم واتفاقات اقتصادية بمليارات الدولارات في العديد من المجالات؛ ومنها البنى التحتية، والموانئ، وقطاعات الطاقة والكهرباء. وقامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا بتجميد أو إلغاء عقوبات اقتصادية كانت مفروضة على سوريا، إلى جانب شطب اسم الرئيس وبعض المسؤولين الآخرين من قوائم الإرهاب الأميركية.. الخ.

ولكن سرعان ما سيسأل أحدهم، مستنكرًا ومحتجًا؛ وما نفع كل ذلك إذا كان المئات في الساحل والسويداء قد تعرضوا للقتل، فضلًا عن تعرضهم إلى مختلف أشكال الإذلال والمهانة، وذلك على خلفية انتماءاتهم الطائفية فقط؟ ناهيكم عن أنّ القتل والخطف ما زالا مستمرين، بدرجة أو بأخرى، ولا يزال بعض السوريين مستهدفين، ولا يشعرون بالأمان في بيوتهم وشوارعهم وجامعاتهم وبلداتهم؟

"ألغاز" العلاقة مع الخارج

وقد يُحاجج آخرون بأن ما يوصف بالإنجازات الخارجية تحوطه الكثير من الشكوك والألغاز، مشددين على أن التفاهمات الإقليمية والدولية هي التي ساهمت، إلى حد كبير، بوصول السلطة الجديدة إلى دمشق، وبأن الأطراف التي شاركت في هذه التفاهمات هي التي كان عليها، كتحصيل حاصل، أن تحتضن هذه السلطة وتعمل على تمكينها وإنجاحها في إدارة البلاد والعباد. مشيرين كذلك إلى أن سقوط الأسد، وما شهدته سوريا في السنة الأخيرة، لجهة التعويل عليها بأن تشكل المحور الرئيس في إعادة رسم خارطة التحالفات والتوازنات الجديدة في المنطقة، لا يمكن عزله بأي حال عن التحوّلات الكبرى التي شهدتها وتشهدها منطقة الشرق الأوسط ككل، بعد السابع من أكتوبر 2023.

ويضيف هؤلاء أنه في سياق الانعطافة الجذرية التي تمر بها المنطقة، والديناميات الجديدة التي تتفاعل داخلها، يمكن لنا تفسير الانفتاح المتبادل؛ متعدد المناحي والأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، بين دمشق وغيرها من العواصم العربية والإقليمية والغربية. فهذا الانفتاح يندرج في إطار رؤية وحسابات سياسية واستراتيجية يُراد لها أن تواكب المتغيرات الإقليمية الحاصلة، بما ينسجم مع إعادة بناء وصوغ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يجري العمل على قدم وساق لتهيئة سوريا لتكون جزءًا لا يتجزأ منه، بما يُرتب عليها ذلك من تأمين للاستقرار الداخلي، والحفاظ على استقرار الحدود مع إسرائيل، وإقامة علاقات متوازنة مع جيرانها والعواصم الكبرى، بما يضمن لها، في المقابل، من احتضان وجذب للاستثمارات العربية (الخليجية أساسًا) والأجنبية، وتعزيز لدورها كلاعب فاعل ومؤثر في المشروع المذكور.

يمكن الإشارة، في هذا الصدد، إلى تقاطع المشروع آنف الذكر مع الرؤية البراغماتية والعملية للرئيس الشرع، القائمة على مبدأ تحويل سوريا من ساحة صراع وتنافس إقليمي ودولي إلى محور استقرار في الإقليم، بما يتطلبه ذلك من انفتاح اقتصادي وإعادة سوريا إلى لعب دورها المركزي في العالم العربي، بل ودمجها اقتصاديًا وسياسيًا في مُحيطها العربي والإقليمي، وصولًا إلى انفتاحها على العواصم الغربية وتحسين علاقاتها مع مختلف الدول الكبرى.

وعلى افتراض أن العلاقات الدبلوماسية للسلطة الجديدة مع العواصم الكبرى في العالم تشكل نجاحًا ومكاسب لها، فتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه العلاقات أشبه بسيف ذي حدين؛ حدّه الأول (الإيجابي) هو ما تكلمنا عنه آنفًا، أما حدّه الثاني فيتمثل في "الأعباء والأكلاف" التي ترتبها هذه العلاقات على دمشق، من قبيل ضرورة سعيها إلى إرضاء مختلف العواصم المعنية، مع الأخذ بعين الاعتبار التباين الشديد في مطالب ومصالح هذه العواصم، والصعوبة البالغة في إرضائها جميعًا في الوقت عينه، (لنتخيل أن على دمشق أن ترضي واشنطن وموسكو وباريس وبرلين وأنقرة وتل أبيب والعواصم الخليجية وغيرها من العواصم العربية في آن معًا؟)، هذا فضلًا عن انعكاس العلاقة مع بعض تلك العواصم على الوضع الداخلي، (التدخل الإسرائيلي في شأن السويداء مثلًا).

وفي كل الأحوال، فإن ضمانة النجاحات الخارجية وديمومتها يحتاج دائمًا إلى "جبهة داخلية" متينة ومؤمّنة، ولا تشكو من الضعف والوهن والصراعات العميقة، وهو ما ليس قائمًا في أحوالنا السورية، ولا يزال يتعيّن على السلطة الجديدة القيام بالكثير في سبيل ذلك.

فهل سيكون بوسعها تأمين الوحدة الداخلية والاستقرار المرجو والمنشود لـ"سوريتنا الجديدة"؟ هذا ما علينا أن ننتظر بعض الوقت على أمل ورجاء تحقيقه.

الكلمات المفتاحية

استنفار

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية

تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


منصات

من هم قادة الرأي في سوريا اليوم؟

اليوم، لم يعد السؤال عمّن يحكم فقط بل عمّن يشرح للناس ما الذي يجري، ومن يملك اللغة، والرمز، والقدرة على الإقناع


نازحون من حي الشيخ مقصود وفي الخلف يظهر الدمار الذي لحق بالحي

ذاكرة المجموعات الفيسبوكية.. توثيق يشبهنا في عجزه

إحدى لعنات التاريخ الحديث هو التوثيق المفرط للأحداث


الشيخ مقصود

أيقونة التهجير.. عندما تتحول الحافلات إلى مواكب جنائزية

في أحياء الشيخ مقصود تعود شبحية الحافلات لتخطف الأنفاس من جديد وتستدعي الذاكرة الجمعية إلى جحيم التشريد

تعزيزات
أخبار

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد

لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تعزيزات
أخبار

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن

أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية


سوريا الأولمبي
منوعات

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا

ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

استنفار
قول

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية

تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة

الأكثر قراءة

1
أخبار

وسط تصاعد رقعة الاشتباكات بين الجيش و"قسد".. الإدارة الذاتية تدعو إلى النفير العام


2
أخبار

الجيش يسيطر على الطبقة ويتقدّم نحو الرقة وسط تصاعد الاشتباكات في دير الزور


3
أخبار

الرقة ودير الزور: تطورات ميدانية متسارعة وتغيّر في خرائط السيطرة


4
أخبار

السلطات الألمانية توقف شابين "مُتطرفين" قبل سفرهما إلى سوريا


5
أخبار

الجيش اللبناني ينفي تقارير عن توقيف وسيط مالي سوري لتمويل أنشطة خارج البلاد


advert