ultracheck
مجتمع واقتصاد

سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي

13 مارس 2026
الاقتصاد السوري
سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة (GETTY/الترا سوريا)
سامر سيف الدين
سامر سيف الدين كاتب وأكاديمي

في دمشق، المدينة التي يفاخر أهلها بأنها أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، توقفتُ ذات صباح عند رصيف قيد الترميم. كان المشهد بسيطًا: حجارة مقلوعة، حفريات صغيرة، وعمال يبدون وكأنهم يعملون ببطء مدروس. المشكلة أن هذا الرصيف – كما أخبرني أحد السكان – يُرمّم منذ أكثر من عام ولم يكتمل بعد.

حينها خطر لي سؤال بسيط، لكنه قاس: إذا كان إصلاح الأرصفة في قلب العاصمة يحتاج كل هذا الوقت، فكم من الزمن تحتاج البلاد لترميم مدنها وقراها التي سحقتها الحرب؟ وهذا السؤال يقودنا إلى سؤال أكبر: ما هو وضع الاقتصاد في سوريا اليوم، ولماذا هذا التعثر الذي نراه في تطوير البنية التحتية وفي حياة الناس؟

حالة معيشية متردية

يقول أبو حذيفة، سائق سيارة الأجرة التي استقلها من المزة: "كنت في الأردن منذ عام 2013، وعدت لأجل تدريس أولادي في الجامعة (في الأردن لا يمكنني ذلك)، ولكني يا ليت ما عدت". وأضاف لـ"الترا سوريا": "أعمل ليل نهار على السيارة ولا أستطيع أن أؤمن لهم ربع مستوى المعيشة هناك"، وتابع مستدركًا: "إذا استمرت الحال هكذا فلن أستطيع تدريس الأولاد أيضًا".

من جانبه، يؤكد أبو رضوان، وهو عسكري متقاعد منذ عام 2017، أن مصدر رزقه الوحيد هو راتبه الذي لم يتقاضاه منذ أكثر من سنة. وأضاف لـ"الترا سوريا": "أداوم على الجمعيات الخيرية والهلال الأحمر والعديد من المؤسسات الخيرية الكيسية، التي لولاها لمت من الجوع أنا وعائلتي حرفيًا".

وبعيدًا عن دمشق، في أقصى الشمال الغربي، غادر الشيخ أبو صالح معسكر أطمة إلى بلدته في جبل الزاوية، ليجد نفسه أمام ركام من البلوك والبيتون المكسّر المسروق الحديد، والأسوأ أن الوعود الكثيرة التي قُدمت له لم يتحقق منها إلا القليل. وما فاقم مأساة أبو صالح وكثير غيره من سكان المخيمات، بحسب حديثه لـ"الترا سوريا"، انقطاع أغلب المساعدات الأممية، وإنهاء الكثير من المنظمات الدولية عملها في سوريا بحجة تحسن الوضع الأمني في البلاد.

أما أبو عماد، وهو صاحب محل صغير في إحدى قرى أريحا، فيقول قبل سقوط النظام "كانت ظروفنا الاقتصادية أفضل، والنقود كانت متواجدة وبوفرة في أيدي الناس". وأضاف لـ"الترا سوريا": "اليوم لا نقود، ولا مساعدات كافية، ولا فرص عمل، يبدو أننا محكوم علينا بالمعاناة من قصف النظام وبراميله سابقًا ومن فقر بات سمة للكثيرين منا اليوم".

ويتشارك أبو عماد (من إدلب) وأبو جاد (من السويداء) الشكوى من الظروف الأمنية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، مشيرين إلى أن هذه الظروف جعلت كل الناس مداومين على مراكز المساعدات والجمعيات الخيرية. وقال أبو جاد لـ"الترا سوريا": "لو لم تكن هذه المساعدات الأممية وتبرعات المغتربين لمات الناس من الجوع في الشوارع".

لماذا زاد الفقر في سوريا؟

تشير تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن زيادة الفقر في سوريا خلال السنة الأخيرة ليست نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تراكم أزمات اقتصادية وهيكلية، بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات الدولية.

فقد حدث انهيارٌ في القوة الشرائية وارتفاع الأسعار، في وقت تدهورت قيمة العملة المحلية خلال السنوات الماضية، مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وضعف الأجور مقارنة بتكاليف الحياة. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، نحو 90% من السوريين لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف السلع الأساسية، وحوالي 66% من السكان يعيشون في فقر مدقع.

ورغم الحديث عن بداية تعافي اقتصادي، إلا أن النمو ما يزال ضعيفًا جدًا. ووفق تقرير للبنك الدولي، انكمش الاقتصاد السوري 1.5% في 2024، مع نمو لا يتجاوز 1% في 2025، ما يعني أن الاقتصاد لا ينمو بالسرعة الكافية لتعويض خسائر الحرب أو خلق فرص عمل جديدة.

ويقول الخبراء إن سنوات الحرب الطويلة دمرت أجزاء كبيرة من الاقتصاد السوري، بما في ذلك البنية التحتية والمصانع وشبكات الطاقة والأراضي الزراعية. كما أن بعض المناطق الزراعية التي كانت تنتج القمح وغيره، أصبحت تعاني من تراجع الإنتاج بسبب الدمار ونقص التمويل والجفاف الطويل الذي تعرضت له سوريا والعديد من دول الشرق الأوسط، وهو ما أثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي وفرص العمل في الريف.

ورغم ما قيل من رفع العقوبات عن سوريا، إلا أن تقارير البنك الدولي تشير إلى أن الاقتصاد السوري ما زال يعاني من تجميد الأصول الخارجية، وصعوبة الوصول إلى النظام المصرفي العالمي، وقيود على التجارة والاستثمار، وهي من العوامل التي تعيق استيراد الطاقة وتدفق الاستثمارات وإعادة الإعمار.

وتشير التقارير إلى أن حوالي 75% من السوريين يعتمدون على نوع من المساعدات الإنسانية، لكن في الوقت نفسه خفّضت بعض الدول الغربية تمويل برامج الإغاثة. كما أوقفت برامج إنسانية في بعض المناطق بسبب نقص التمويل، وهذا يزيد من هشاشة الوضع المعيشي.

لقد خلقت الحرب والهجرة اختلالًا في سوق العمل، فهجرة ملايين الشباب وتدمير قطاعات إنتاجية وضعف الاستثمار، أدت إلى ارتفاع البطالة وانتشار العمل غير الرسمي منخفض الدخل.

وبسبب ضعف الاقتصاد المحلي أصبحت تحويلات السوريين في الخارج مصدرًا أساسيًا لدخل الأسر، كما أكد أبو جاد وأشخاص آخرين على اختلاف مناطقهم. وتشير تقارير إلى أن التحويلات السنوية تتجاوز 2 مليار دولار، وهي أكبر من الاستثمارات الأجنبية أو المساعدات في بعض السنوات.

أسباب بطء تعافي الاقتصاد السوري

لا تفسر بعض مراكز الأبحاث الغربية بطء تعافي الاقتصاد السوري فقط بالحرب أو العقوبات، بل تطرح تحليلًا أكثر إثارة للجدل، يقول إن المشكلة تعود أيضًا إلى أخطاء بنيوية في إدارة الاقتصاد بعد الحرب. وهذا الطرح ظهر في دراسات وتقارير صادرة عن مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى معهد "تشاتام هاوس" ومؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي". وتشير هذه الدراسات غالبًا إلى ثلاثة أخطاء هيكلية رئيسية:

الاقتصاد السوري اليوم هو اقتصاد قائم على البقاء لا على الإنتاج، حيث يصف بعض الباحثين اقتصاد سوريا بعد الحرب بأنه تحول إلى ما يسمى"اقتصاد إدارة الأزمة" بدلًا من اقتصاد قائم على النمو. أي إن السياسات الاقتصادية ركزت على تأمين السلع الأساسية وإدارة نقص الموارد والحفاظ على الاستقرار النقدي النسبي. لكنها لم تنتقل إلى سياسات أعمق، مثل تحفيز الاستثمار وإصلاح النظام الضريبي وتطوير القطاعات الإنتاجية.

ضعف بيئة الاستثمار وإعادة الإعمار، حيث تشير تقارير صادرة عن "تشاتام هاوس" إلى أن إعادة الإعمار لا تتعلق فقط بالأموال، بل أيضًا بـالبيئة القانونية وشفافية العقود وحماية المستثمرين واستقلالية القضاء الاقتصادي. وبحسب هذه الدراسات فإن غالبية المستثمرين المحتملين يرون أن المخاطر السياسية مرتفعة، وأن القوانين غير مستقرة، وأن النظام المالي ما يزال معزولًا نسبيًا، وهذا يحدّ من تدفق الاستثمارات الضرورية لإعادة البناء.

الاعتماد على "شبكات اقتصادية ضيقة"، وهذا المصطلح الذي يتبناه بعض خبراء الاقتصاد الغربيين، أي إن النشاط الاقتصادي في سوريا يتركز حول عدد محدود من الشركات، وشبكات تجارية محددة، وعلاقات شخصية أو سياسية. ويرى باحثون في "كارنيغي" أن هذا النمط قد يخلق ضعف المنافسة، وتباطؤ الابتكار، وتركّز الثروة في قطاعات محدودة، وهذا بالمحصلة يبطئ التعافي الاقتصادي.

في نهاية المطاف، جعلت هذه العوامل، بما فيها الحرب والعقوبات والدمار وضعف الاستثمار، سوريا تدخل مرحلة يمكن وصفها بوضوح: "اقتصاد يعيش على المساعدات وينتظر إعادة الإعمار". لكن بينما تنتظر المدن المدمرة إعادة البناء، ينتظر السوريون شيئًا أكثر بساطة: "اقتصادًا يسمح لهم بالعيش دون الوقوف في طوابير المساعدات".

وحتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال الذي بدأ برصيف صغير في دمشق مطروحًا على نطاق أوسع: "إذا كان إصلاح رصيف يحتاج عامًا كاملًا، فكم يحتاج اقتصاد محطم كي يقف على قدميه من جديد؟".

الكلمات المفتاحية

الحراقات البدائية

دير الزور بين إيقاف الحراقات البدائية وتداعيات الأزمة المعيشية والبيئية

يفاقم إيقاف الحراقات البدائية في دير الزور أزمة الوقود رغم تخفيف التلوث، ويرفع الأسعار ويزيد الضغوط الاقتصادية على الأهالي


أزمة غاز

أزمة الغاز في حماة: سوق سوداء نشطة وخسائر متزايدة للمطاعم والمحال

سجلت مدينة حماة وريفها أزمة غاز غير مسبوقة في ظل نقص التوريد وارتفاع الأسعار، ما يضغط على المعيشة ويهدد النشاط التجاري والخدمي بشكل متزايد


صندوق التمنية السوري ومصرف سوريا المركزي

أبعد من جدل غسان عبود: كيف يُدار الاقتصاد في سوريا؟

يرصد التقرير جدل تصريحات عبود، ويحلل إدارة الاقتصاد في سوريا بين الإصلاحات المعلنة وغموض القرار والشفافية خلال المرحلة الانتقالية


مستشفى الكلية الجراحي

المشافي العامة في سوريا: نفي رسمي للخصخصة وسط مخاوف شعبية

يكتسب هذا الموضوع أهمية مضاعفة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والتحديات التي يواجهها القطاع الصحي نتيجة سنوات من الحرب

الكرامة والوحدة
منوعات

في الدوري الممتاز: الكرامة يحسم قمة الجولة وأهلي حلب يعلن تعليق مشاركته

شهدت أولى جولات مرحلة الإياب فوز الكرامة على الوحدة وتعادل الجيش وتشرين، مقابل تصاعد أزمة أهلي حلب وتعليق مشاركته رسميًا

الإيزيدية
فيديو

من تلوين البيض إلى إنهاء الخصومات.. كيف احتفل شرق سوريا بالعام الإيزيدي الجديد؟

أحيا أبناء المجتمع الإيزيدي في مناطق شرق سوريا طقوس عيد "الأربعاء الأحمر" إيذانًا ببدء رأس السنة الإيزيدية الجديدة وسط أجواء احتفالية وتجمعات شعبية حاشدة


سجون الأسد
عدالة انتقالية

الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية

يكشف انتحار معتقل سابق معاناة الناجين من سجون الأسد وسط غياب الرعاية وتبادل المسؤوليات واستمرار الفراغ المؤسسي دون حلول فعلية

مازن الناطور
منوعات

حوار| مازن الناطور: القرار في النقابة ليس صوتًا واحدًا.. والحزم ضرورة في بعض المواقف

في هذا الحوار مع نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور، لم يطرح موقع "الترا سوريا" الأسئلة فقط، إنما فتح النوافذ على مرحلة كاملة، بكل ما فيها من ارتباك وأمل

الأكثر قراءة

1
سياسة

ما الذي يجري في السويداء وأين صار مشروع الهجري؟


2
فيديو

اعتصام "قانون وكرامة" في دمشق يواجه احتجاجًا مضادًا ومطالب بتفعيل مسار العدالة


3
أخبار

زيارة وفد حكومي لسجون الحسكة تمهيدًا لدمجها ضمن المنظومة القضائية الرسمية


4
أخبار

ضبط صواريخ وأسلحة متنوعة.. وزارة الداخلية تعلن تفكيك خلية مرتبطة بـ"حزب الله" في القنيطرة


5
أخبار

مقتل 3 مدنيين برصاص مجهول في اللاذقية وحمص خلال 24 ساعة


advert