ultracheck
قول

سوريا بين الدم والرجاء

18 سبتمبر 2025
أعلام سورية
العلم السوري في إحدى التظاهرات (مواقع التواصل)
قصي زهر الدين
قصي زهر الدينكاتب وصحفي

منذ أن انطلقت شرارة الثورة السورية، ربيع عام 2011، والدم السوري ما زال يسيل، مسجلًا فصول مأساة لم تصل إلى نهايتها بعد.

لم يكن سقوط النظام خاتمة الحكاية، بل بداية فصل آخر من المعاناة. فالأرض التي تحررت من براثن الطغيان أو من قبضة الاستبداد لم تتحرر بعد من غياب العدالة.

وكانت الأسباب التي أبقت الدم السوري مباحًا كثيرة ومتشابكة، مثل خيوط شبكةٍ يختنق داخلها طائرٌ حبيس لا حيلة له سوى الانتظار. فغياب مشروع وطني حقيقي وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على حساب الإنسان ووجوده وكرامته، وانقسام القوى الفاعلة، واستمرار آلة الانتقام بدل العدالة والمصالحة.. كانت بمثابة القضبان الثقيلة لهذا القفص الذي يمنع جميع السوريين عن سماء الحرية.

لقد تحوّل سقوط النظام إلى فراغ سياسي وأمني لم يُملأ بما يليق بدماء الشهداء. تحررت الجغرافيا لكن لم يتحرر الإنسان، ولم يجد الشعب نفسه أمام عقد اجتماعي جديد يضمن كرامته ويصون حريته. وهكذا ظلّ النزيف لأن الجذر لم يُقتلع، ولأن القوى السياسية أخفقت في تقديم نموذج دولة يستوعب الجميع.

لكن متى يتوقف هذا النزيف؟

سؤال يطرحه السوري في داخله كل يوم: متى ينتهي هذا العذاب؟ متى يعود الوطن إلى حضن أبنائه بلا خوف؟

يجيب البعض: "النزيف سيتوقف حين تتوقف لغة القوة وحدها عن إدارة الصراع، وحين يُستبدل الثأر بالعدالة، وحين يُبنى وطن يتسع لجميع أبنائه مهما اختلفت انتماءاتهم وطوائفهم ومعتقداتهم".

توقف النزيف لا يتحقق بالهدن المؤقتة ولا بالمساومات التي تعقد تحت الطاولات وفي الأزقة السياسية الضيقة وخلف الأبواب المغلقة، بل بإرادة سياسية حقيقية تنبع من الداخل، وترتكز على اعتراف صريح بأن دماء السوريين أغلى من كل المكاسب وأن الشعب هو مصدر التشريع بممثليه الذين يثق بهم.

إن أهم متطلبات هذه المرحلة هي بناء مشروع جامع يضع الإنسان أولًا، ويعيد تعريف معنى الوطن بعيدًا عن الأيديولوجيا والطائفية والمصالح الضيقة.

فهل تعمل الحكومة السورية الانتقالية والقوى الاجتماعية الفاعلة على رأب هذا الصدع وإيقاف هذه المعاناة؟

هل تستطيع فعلًا أن تكبح نهر الدماء المتدفق والفوضى المجنونة!

إن على الحكومة السورية، أيًا كانت هويتها، أن تفهم أن استمرار إدارة البلاد بالعقلية الأحادية سيقود إلى مزيد من الفوضى، وأن سوريا ما بعد الحرب ليست سوريا ما قبلها. الخطوات الممكنة لمنع ذهاب البلاد إلى الفوضى تبدأ بالحد من الفوضى وضبط انتشار السلاح في أيدي من يظنون أنفسهم فوق القانون.

لذا لابد من إرساء قواعد حكم القانون، والبدء بمشروع مصالحة حقيقية لا تقوم على شعارات بل على أفعال: إطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين الذين غُيبوا لأسباب تتعلق بحريتهم الشخصية أو بسبب انتماءاتهم، ضمان عودة المهجرين، وتعويض المتضررين في كل مكان سوري تعرض أهله للظلم والتعسف.

كما يجب العمل على إعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة لا الولاء، ومحاربة الفساد الذي ينخر جسد الدولة منذ عهد الأسد المخلوع.

 وحدها دولة عادلة، تبني اقتصادًا متينًا وتفتح أبواب العمل للجميع، يمكن أن تحصّن البلاد من الانهيار. أما الاستمرار في تجاهل صوت الناس فلن يجلب سوى مزيد من النزيف والانقسام.

ربما يكون الجرح الأكبر الذي خلفته الشهور الماضية هو فقدان السوريين للثقة ببعضهم البعض. شهور لم تكن سوى امتدادًا لسنوات الدم والدمار صنعت جدرانًا من الشك والريبة بين الجار وجاره، بين الأخ وأخيه. فكيف يمكن إعادة بناء جسور الثقة؟

لا بد أولًا من مصارحة ومكاشفة، لا بد من الاعتراف المتبادل بالآلام، ومن فتح مساحات للحوار لا تقمع فيها الأصوات المختلفة. الثقافة والفن والأدب يمكن أن يكون لها دور كبير في ترميم الذاكرة الجمعية، ورواية القصة كما هي بلا تزوير.

احترام جراح الآخرين وتجريم المعتدي مهما كان قريبًا من السلطة ومهما كانت عقيدته.. التجريم الذي يجب أن يصدر من السوري قبل السلطة كي يشعر السوري المُستضعف أنه أيضًا جزء من النسيج المجتمعي لا ضحية انتمائه لمكان أو طائفة.

 كما أن التعليم يجب أن تعاد صياغته ليزرع في الأجيال القادمة قيم التسامح والانتماء والكرامة، لا الكراهية والانقسام.

الثقة تُبنى حين يشعر الفرد أن القانون يحميه، وأنه ليس مواطنًا من درجة ثانية. تُبنى حين يرى أن دماء من فقدهم لم تذهب سدى، وأن وطنه يسير بالفعل نحو مستقبل أفضل.

سوريا اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تستمر في النزيف حتى آخر قطرة من صبر أبنائها، أو أن تلتقط أنفاسها وتعيد بناء نفسها من جديد، بروح جديدة تتجاوز الجراح. إن التحدي الأكبر ليس إعادة إعمار الحجر، بل إعادة إعمار الإنسان، وتضميد روحٍ أنهكتها الحروب والخسارات.

الإنسان السوري، الذي مازال ينزف على جميع الجبهات: جبهة الجهل، جبهة الطائفية، جبهة الفوضى، جبهة التخوين، جبهة الموت اليومي، من حقه أن يعيش بلا خوف، بلا فقد، بلا حزن، بلا فقر.

من حقه أن يطمئن إلى وجوده وكرامته دون أن ينتزعهما منه أي شخصٍ قادر على حمل السلاح.

في نهاية المطاف، قد تكون سوريا – إن أردنا - هي الوطن، وقد تبقى - كما كانت طيلة سنوات مضت – هي المنفى.

الكلمات المفتاحية

رتل تابع لوزارة الدفاع في مدينة اللاذقية

تقرير "هيومن رايتس ووتش" الأخير.. المساءلة وحدودها في المرحلة الانتقالية السورية

في المراحل الانتقالية، لا تُقاس جدّية السلطة الجديدة بتصريحاتها المستقبلية، بل بكيفية إدارتها للإرث المؤسسي والقانوني الذي ورثته


احتجاجات

أنت حر.. فقط في أن تمدحني

يبدو أن المعادلة الذهبية في نظر المسؤول كانت على النحو التالي: نعطيكم حرية القول شريطة أن تظلوا صامتين


الشرع

ملف "قسد".. الحل السياسي بديلًا من الاحتراب

أجمع أغلب المراقبين على وصف الاتفاق بأنه "خطوة مهمة، يمكن أن تشكل نقطة تحول مفصلية في مسار الحل السياسي


نتنياهو

إسرائيل على الأرض.. إسرائيل في خطاباتنا

منذ عقود، والخطاب السوري المعلن إزاء إسرائيل يشوبه هذا القدر من اللا واقعية والخفة

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
عدالة انتقالية

سجون ومقابر جماعية.. قصص مأساوية عن الجرح السوري الذي لا يزال نازفًا


2
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


3
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


4
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


5
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


advert