سوريا حيث لا أرضية لدولة دينية
21 أكتوبر 2025
بخلاف كل سنة، جرى الجزء الخاص بسوريا من استطلاع المؤشر العربي لقياس اتجاهات الرأي العام، والذي يديره "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، هذه السنة على الأرض السورية، في ظل بيئة مختلفة عن الماضي حيث صار بالإمكان إجراء الاستطلاعات علنًا وعلى أرض الواقع من دون الخوف من عيون سلطة الأسد وبصّاصيها.
ولا يعرف كثيرون أن إجراء أي استطلاع خلال عهد حافظ وبشار الأسد كان يكلف صاحبه والمستطلعة آراؤهم الاعتقال سنواتٍ طويلةٍ، وعقوبات أخرى لا يمكن التنبؤ بها. أما المفاجأة فقد جاءت على عكس ما توقع كثيرون، إذ أتت إحدى نتائج هذا المؤشر الذي صدر في 31 آب/ أغسطس الماضي لتشير إلى أن نسبة كبيرة من المستطلعة آراؤهم اختارت الدولة المدنية شكلًا للحكم، في حين أن نسبة صغيرة اختارت الدولة الدينية.
وقد كان لافتًا اتخاذ دمشق مكانًا لإشهار نتائج أولية تخص سوريا من استطلاعات المؤشر العربي لسنة 2025، والتي جاءت ثمرة تعاون المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مع "المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة"، ليكون الاستطلاع الأول من نوعه في تاريخ سوريا الحديث، ويعطي بذلك انطباعًا أن ثمة قطيعة في قضايا عديدة مع ممارسات النظام السابق، التي كانت غير مفهومة، ولا يمكن تصنيفها إلا نوعًا من الخوف من إظهار الحقيقة، ومنعًا لمشاركة السوريين في نشاطات وإجراءات لا تحمل صبغة البعث.
وقد شارك في الاستطلاع عينة ضمت 3690 مستجيبًا ومستجيبة من دمشق وبقية المحافظات، ممثلة لمختلف أطياف المجتمع السوري. وقد دفع ما اختاره السوريون في الجزئية الخاصة بشكل النظام السياسي الذي يمكن أن يكون الأفضل لسوريا، إلى البحث فيه هنا، إذ إن نسبة 61% من المستطلعة آراؤهم اختاروا "نظامًا ديمقراطيًا يتضمن التعددية السياسية ومحاسبة المسؤولين"، بينما من اختاروا "نظامًا محكومًا بالشريعة الإسلامية، من دون وجود انتخابات أو أحزاب سياسية"، أي دولة دينية، لا تتعدى نسبتهم 8%.
وبينما هذا هو رأي نسبة وازنة من السوريين، فإن العلاقة بين الدين والدولة في سوريا يراد لها أن تتعدى هذا الاختيار والرأي، وكذلك ما ورد في الإعلان الدستوري، أو ما تنص عليه التشريعات والأحكام والمراسيم الرئاسية، أو حتى التوافقات. فالتوجه الرسمي يُعكسه ما يحصل بين الفينة والأخرى من اتفاقات بين وزارة الأوقاف ومؤسساتها وبقية مؤسسات الدولة لتنظيم العلاقة بينها، كذلك المدى الكبير الذي تتدخل به وزارة الأوقاف في شؤون بقية الوزارات والمؤسسات.
كما يراد لها أن تتعداها من خلال الخطاب والممارسة الدينيين الطاغيين على المشهد السوري بمناسبة أو من دون مناسبة، والذي رأينا آخر مظاهره قبل أيام في النشاطات الدعوية التي أصرّ أصحابها على إجرائها في معرض دمشق الدولي، المخصص للأعمال التجارية والصناعية وغيرها من النشاطات الاقتصادية، وليس لممارسة نشاطات دينية.
وعلى عكس ذلك الاختيار والرأي، يبرز في سياق العلاقة القائمة حاليًا بين المؤسسات والرموز الدينية ومؤسسات الدولة ومواطنيها، شكل مستجد من تحكم المؤسسات الدينية بمؤسسات الدولة وموظفيها من مواطني البلاد، عبر دور لم تصدر قرارات أو نصوص رسمية تنظمه أو حتى تعلن عنه.
ويتضح هذا الشكل من خلال تعيين مشايخ في كل مؤسسة ودائرة حكومية، يشرفون على عمل هذه الإدارات والمؤسسات، ولا تصدر القرارات والتوجيهات إلا بموافقتهم. وهو ما يدفع إلى طرح السؤال عن مدى دور الدين في مؤسسات الدولة، وطبيعة هذا الدور، ومدى نفوذ رجال الدين في هذه المؤسسات، وهل ثمة حدود لدورهم، وهل يمكن أن يكون هذا الدور معيقًا للعمل الإداري وموجهًا لقرارات المؤسسات ومدرائها بما يتوافق مع رؤية الشيخ، لكنه في الوقت عينه قد لا يتوافق مع أسس العمل الوظيفي والإداري، بسبب قلة خبرة الشيخ في شؤون العمل المؤسسي الذي وجد نفسه في خضمه.
ثم هنالك ذلك الغموض في مهام هؤلاء الشيوخ، وكذلك الغموض الخاص بالجهة أو الجسم أو المؤسسة التي يتبعون لها، أو التي انتدبتهم، وتملي عليهم أدوارهم، وما إذا كانت تضع لهم محددات وأسسًا لممارسة هذا الدور، وتحدد مدى التدخل الذي يضطلعون به. وهو دور يدفع كثيرين إلى القلق، خصوصًا في ظل غياب الخبرة الإدارية لهؤلاء ما يؤدي إلى الفوضى والأخطاء في العمل، وفي ظل القلق من عودة الوصاية على عمل مؤسسات الدولة بشكل آخر، دينية هذه المرة، بعدما كانت مخابراتية في ظل نظام الأسد.
وهو ما يعطي الانطباع أن ثمة أسلمة غير معلنة لكل مؤسسات الدولة بشكل يخالف رغبات السوريين، وهو ما تأكد في ما توصل إليه المؤشر العربي، والذي يدل أن نسبة من يؤيدون وجود تيار وطني سوري (بدون أيديولوجيا) في سوريا يفوقون نسبة من يؤيدون وجود تيار إسلامي، وهو ما ينطبق بالضرورة على مؤسسات الدولة، من جهة عدم قبول تحكم التيار الإسلامي بعملها وبموظفيها.
وفي سياق التكهن بشكل الدولة في سوريا، خصوصًا في الأيام والأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام البعث وهروب بشار الأسد، أدلى كثيرون بدلائهم في هذا الشأن. وتوقع كثيرون أنه واستنادًا إلى حقيقة كون هيئة تحرير الشام هي من يضطلع بمهمة تسيير شؤون البلاد، ستكون سوريا دولة دينية جهادية. بينما رأى البعض أنه يمكن أن تتمخض المداولات بين رموز الحكم الجديد عن نوع خاص من الحكم في ظل سعيهم لانفتاح البلاد على العالم وانفتاح العالم عليها، وتنفيذ بعض الشروط الأميركية والدولية الخاصة بالمقاتلين الأجانب وشكل الحكم ليساعد في رفع العقوبات عن سوريا وعودتها دولة طبيعية.
لذلك، وانطلاقًا من حقيقة أن المجتمع السوري يتصف بالاعتدال والابتعاد عن التطرف الديني، قد يتم تبني النموذج التركي وطريقة إدارة حزب العدالة والتنمية البلاد، وهو المعروف بصبغته الدينية، وما دور هذا النموذج في إحداث توافق بين النمط الديني والمديني، بل بين العلمانية والإسلام، نظرًا للتنوع الديني والطائفي والقومي في سوريا، علاوة على وجود نسبة كبيرة من المثقفين وغير المتدينين أو أصحاب الفكر الليبرالي في البلاد، ممن يفضلون شكل الدولة المدنية لسوريا الجديدة التي تطمح لأن يكون لها دور بين الأمم.
يمكن لرموز الدولة السورية البناء على نتائج استطلاع المؤشر العربي حول سوريا، بفضل الموثوقية الكبيرة بمنهجيته وبنتائجه، وهو الذي يواصل منذ سنة 2011 نشر استطلاعاته السنوية لقياس اتجاهات الرأي العام العربي تجاه أهم القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشغل بال المواطن العربي، خصوصًا أن هذه النتائج جاءت لتؤكد على خيار الكثرة من السوريين.
وحريٌّ أن تكون هذه النتائج معينًا لرموز الحكم الجديد وأصحاب القرار في البلاد في تلمس الطريق الذي يجب أن تسلكه دولتهم من أجل الاستجابة لتطلعات أبنائها للسير بها نحو التعافي والنهوض، خصوصًا أن المؤشر قد أظهر أن نسبة 54% من المشاركين في الاستطلاع يرون أن مسار بلادهم يتجه الاتجاه الصحيح، وهي نسبة معينة لأهل الحكم للاسترشاد بتطلعاتهم، كونهم هم أصحاب المصلحة، وتحقيق هذه المصلحة هو ما يحدد صوابية أداء أصحاب القرار.
الكلمات المفتاحية

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية
التعميم الصادر عن المديرية العامة للمصالح العقارية في 14/1/2026 قُرئ سريعًا بوصفه خلافًا تقنيًا حول نوع الوكالة المقبولة أمام السجل العقاري

ملف "قسد": الاندماج كاختبار للسيادة وإعادة تشكيل الدولة
ما يميز التطورات منذ مطلع 2026 هو الانتقال من عناوين عامة عن "اندماج تدريجي" إلى تفاصيل تمس البنية العميقة للسلطة

"السياحة المسؤولة".. وحراس الأخلاق والفضيلة
فتح قرار البلدية الباب أمام كثير من الأسئلة من قبيل من هي الجهة التي تملك حق تحديد وتعريف "التصرف المخل بالآداب"؟

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


